محمد عبده ... التركيز على التعليم في الإصلاح

البداية بإصلاح النُّفوس

اسمه بالكامل محمد بن عبده بن حسن خير الله، ولد العام 1849 في قرية حصة شبشير بمركز طنطا، محافظة الغربية حاليا، لوالد تركماني الأصل، وقيل كردي الأصل، والأم عربية يعود أصلها إلى قبيلة بني عدي، والتي هاجر كثيرٌ من أفرادها إلى البلاد المصرية، وقد تسمت قرى كثيرة في صعيد مصر وشمالها باسمها، وكان لأبيه "بعض اليسر وبعض الوجاهة، وبعض الدين فألحق ابنه بالكُتاب، ثم أرسله للجامع الأحمدي في طنطا، لقربه من بلده، وليجود القرآن بعد أن حفظه، وليتعلم العلم".

كانت سن محمد عبده، حين التحق بالجامع الأحمدي، ليدرس خمس عشرة سنة، وجلس فيه سنة ونصف يحاول أن يفهم فلا يفهم، فقرر أن يفارق مكانا لا يفهم فيه، وهو ما تجلى، في ما بعد، في حمله عبء إصلاح الأزهر، والعطف والنقد لأهله.

واتجه الإمام، في ما بعد، والطالب، حينئذ، إلى الزراعة راغبا في أن يكون فلاحا من أن يكون طالبا غبيا، لا يفهم ما يلقى إليه أو يُفرض عليه، وصمم على ألا يتعلم، بينما أصر والده على أن يتم تعليمه، فلما أكرهه أبوه هرب إلى بلدة فيها بعض أقاربه، التقى فيها شيخا صوفيا اسمه" الشيخ درويش خضر"، كان خالا لأبيه، الذي قلب حاله رأسا على عقب، حيث تلعب المصادفات في حياة العظماء دائما، فلولا هروب محمد عبده إلى هذه القرية ما زاد عن مجرد فلاح بسيط شأن ملايين الفلاحين في القرى المصرية.

الدراسة في الأزهر

بعد فترة في الجامع الأحمدي انتقل الشيخ محمد عبده إلى الدراسة في الأزهر، وهو كان أشبه بالتعليم الحر، حيث يلتحق الطالب به مسجلا اسمه في دفاتر الطلاب، ثم يفعل ما يشاء إلى أن يتقدم لاختبار العالمية، فهو الذي يختار مدرسه ويختار علومه، كل هذا أسلوب متروك فيه لنفسه، وتبدأ الدروس بعد صلاة الفجر، حيث يذهب الطالب المجد مبتدئا بدروس الفقه، وهي تستمر حتى صلاة الضحى، ويقرأ الشيخ من الكتاب المحدد والطلبة يسألونه فيما يستشكل عليهم، تحت عمود معين، ثم ينطلق الطلبة لفطهورهم ويعودون من أجل درس النحو، بعد صلاة الظهر.

وبعد انتهاء كتب الفقه -كتابا كل عام- يدرسون كتابا في أصول الفقه، وبعد أن تنتهي كتب النحو يدرسون كتابا في البلاغة، وبين هذه الدروس قد يحضر الطالب دروسا في الحديث والتفسير والمنطق، وكانت كل هذه الكتب من نتاج العصور المتأخرة، عدا الزمان عليها فصارت شكلا بلا روح، وربما كان الشيخ يدرس كتابا في البلاغة، ولكن لا يقوى على أن يكتب رسالة بليغة شأن الشيخ أحمد الرفاعي الذي كان يدرسها، برغم أنه كان من مشاهير الأزهر حينئذ مع الشيخ عليش الذي اشتهر بتعصبه ورميه بكفر مخالفه لأهون سبب، وقد قاد هجمة شرسة ضد جمال الدين الأفغاني وإصلاح الأزهر، أما المعتدلون فكان الشيخ حسن الطويل الذي كان متنورا يقرأ الفلسفة ويزهد في الدنيا، وهو أول أساتذة الشيخ محمد عبده، حيث تلقى عنه الفلسفة، وقد رمي الشيخ حسن الطويل وتلاميذه بالزندقة لذلك، وطرد من تدريسه في دار العلوم أكثر من مرة لحديثه في السياسة.

هكذا، وجد الشيخ محمد عبده الأزهر بعد أن رحل إليه، فلم يجد سوى حجاج لفظي سوفسطائي يجادل فثي الألفاظ فقط، دون قدرة على ملامسة المعاني والأفكار، فكل شيء يجوز حتى دخول الجمل في البندقة، فالطالب يخرج فاهما بعض الكتب المتأخرة، ولكن جاهلا للدنيا وشؤونها، فلا جغرافية ولا تاريخ ولا طبيعة، ولا كيمياء ولا رياضة ولا غيرها، بل وجد من يمثلون الدين يتنازعون حول الجرايات وحول الوظائف الصغيرة، وكل ما عدا ذلك فحرام، فتحويل الميضأة القذرة إلى حنفيات حرام، والذهاب للبركة، وقراءة كتب في الجغرافية والكيمياء حرام، ولبس الجزمة بدعة!

المرحلة الثورية

اتسم المشروع الإصلاحي للسيد جمال الدين الأفغاني بالاتساع والشمول، فقد حوى ما سبقه من مشاريع وأفكار، وكما يقول الدكتور أحمد أمين في وصفه: "لئن كان محمد بن عبد الوهاب، يرمي إلى إصلاح العقيدة، ومدحت باشا يرمي إلى إصلاح الحكومة والإدارة، فالسيد جمال الدين يرمي إلى إصلاح العقول والنفوس أولا، ثم إصلاح الحكومة ثانيا، وربط ذلك بالدين"، ويتضح التأثير الوهابي في هذه المدرسة باتهام التقليديين في الأزهر للأفغاني وتلميذه محمد عبده، بسبب حملتهم على القبور وبناء الأضرحة وزيارتها، ودعوته لتطهير التوحيد من الشوائب التي حاكت به!

وعن الفارق بين الشيخ حسن الطويل، الذي كان عارفا بالفلسفة ورافضا للتقليد، وبين السيد جمال الدين الأفغاني، الذي ارتبط به كذلك في الفترة نفسها من درسه، أن دروس الأول كانت تفتح الشهية ولكن لا تغذيه، "فوجد الغذاء الكافي في دروس جمال الدين الأفغاني، وقت حضوره إلى مصر، مما جعله يتصل به ويلازمه وتنفتح له آفاق كانت مغلقة، ويحس أنه وجد طلبته".

ويقول الإمام محمد عبده واصفا السيد جمال الدين الأفغاني وتأثيره عليه: "اختلف الناس في أمره، وتباعد ما بينهم في معرفة حاله، وتباين صوره في مخيلات اللافقين لخيره، حتى كأنه حقيقة كلية تجلت في كل ذهن بما يلائمه، أو قوة روحية قامت لكل نظر بشكل يشاكله، والرجل في صفاء جوهره وزكاة مخبره لم يصبه وهم الواهمين، ولم يمسه حذر الخراصين".

الانفصال عن الأفغاني

بدأ خروج الشيخ محمد عبده على منهج أستاذه السيد جمال الدين الأفغاني يتبلور في السنتين الأخيرتين من حياة الأفغاني، والأحد عشر عاما الأخيرة من عمر محمد عبده، فقد كان الأفغاني ثائرا أغلب عمره، وحتى وفاته في التاسع من مارس/آذار سنة 1897، يركز في الأساس على السلطة والتغيير من أعلى، عبر إصلاح السلطة أو نقضها، برغم إيمانه بالسياسة إلا أنه كان لا يجيد المرونة، ولا الكتمان.

يبدو أن محمد عبده قد مل تهور وأوامر أستاذه الذي أمره - ذات مرة- باغتيال الخديوي إسماعيل، وقد وافق محمد عبده على اقتراحه، كما سبق أن فكر -أو خطط- لاغتيال الشاه ناصر الدين الذي قتله خادمه، ميرزا كرماني، في أول مايو/أيار سنة 1896، والذي قتله في المكان نفسه الذي سبق أن اعتقل فيه الشاه الأفغاني وطرده من إيران (مقام سيدي عبد العظيم)، وقد طالبت حكومة الشاه بالأفغاني كمتهم في هذه الجريمة، ولكن تركوه بعد أن أيقنوا بوفاته، إذ أصيب بسرطان في شفتيه، كما ذكر سفير إيران في تركيا حينئذ، ومات الأفغاني فعليا بعد ذلك بشهور قليلة.

لقد تميز مشروع عبده، بعد انفصاله عن الأفغاني، بالتركيز على التربية والتعليم وإصلاح الأمة عبر الإصلاح الفكري والتربوي، وفتح باب الاجتهاد، ونبذ التعصب وتطوير المؤسسة الدينية، ورفض السلطة الدينية، كعوامل طبيعية للتغيير الذي تسعى إليه ويناسبه، بعد أن كان تابعا يحرر أفكار شيخه وأستاذه أثناء إقامته معه في باريس، في مجلة "العروة الوثقى".

لعلَّ البعد السياسي البراجماتي يتضح أكثر في مسار الأفغاني، بالتحديد في تحولات خطابه حسب المتلقي، فهو بينما يدافع عن الإسلام في رسالته في الرد على الدهريين، نجده يهجم عليه في تعقيبه وموافقته لرينان فيما أتى في محاضرته حول ّ"الإسلام والعلم"، حتى ظن الرجل، الذي انبهر بتحرره، أنه إمام أحد الملحدين العظام، أو كما يقول: "لقد أدى بي تحرر أفكاره وشخصيته النبيلة والمخلصة إلى الاعتقاد بأنني أمام واحد من معارفي القدامي، وقد بعثوا

لا شك عندنا أن ما كتبه اليازجي، بالإضافة إلى ما كتبه محمد عبده، الذي ضجر من السياسة وثقلها وهمها الطاغي على أستاذه الأفغاني، فقال له الأخير: "إنما أنت مثبط" لا شك أن كليهما أعلم بالأفغاني وحقيقته من مؤرخيه الآخرين الذين رأوا مشروعه إصلاحا فكريا وليس إصلاحا سياسيا بالأساس.