محمد صفي الدين أبوالعز .. عاشق الجغرافيا العربية

بقلم: د. إبراهيم خليل العلاف
ليس بعيدا عن مشكلات بلده وأمته

كثيرا ما كنت اسمع عن الدكتور محمد صفي الدين أبوالعز من صديقي الدكتور محمد جمال الدين العلوي الذي درس في مصر خلال السبعينيات من القرن الماضي. كما أنني منذ كنت طالبا في كلية التربية – جامعة بغداد أوائل الستينيات قد عدت إلى كتبه ومؤلفاته وخاصة أثناء تكليفي بإعداد بعض البحوث في موضوعات جغرافية. وازدادت معرفتي به عندما تولى إدارة معهد البحوث والدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية بين 17 يناير/كانون الثاني 1974 إلى 30 سبتمبر/ايلول 1979 وفي عهده أنجز المعهد الكثير من الإصدارات المهمة في حقول التاريخ واللغة والجغرافيا والاقتصاد. واستضاف المعهد نخبة من الباحثين والأساتذة والمفكرين العرب ألقوا سلسلة من المحاضرات على طلبة المعهد. وكان الدكتور أبوالعز قد عين قبل ذلك وزيرا للشباب في الجمهورية العربية المتحدة (جمهورية مصر العربية الآن) بين سنتي 1968 و1970.

ومما يذكر أن الرجل لم يكن معروفا في مصر وحدها بل في كل البلدان العربية وفي العالم. فقد كان حجة في تخصصه كما أنه عمل في جامعات عربية كثيرة منها جامعة الكويت ففيها تولى رئاسة قسم الجغرافية للفترة من 1980 وحتى 1984. كما شغل منصب عميد كلية الآداب في جامعة الإمارات العربية المتحدة بين سنتي 1984-1985. وفي سنة 1986 اختير ليكون مديرا لمعهد البحوث والدراسات العربية.

ولد الدكتور محمد صفي الدين أبوالعز في 16 ينايير/كانون الثاني 1929. وبعد أن أكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والثانوية دخل قسم الجغرافيا بكلية الآداب – جامعة القاهرة، ونال شهادة الليسانس فيها سنة 1948. وبعدها سافر إلى انكلترا ودخل جامعة درهام وحصل على دكتوراه فلسفة في العلوم البحتة والجغرافية سنة 1953. ثم عاد إلى وطنه ليعمل في قسم الجغرافيا بكلية الآداب جامعة القاهرة قبل أن ينتدب للعمل في الجامعات العربية وقد انتهى به المطاف أستاذا غير متفرغ (متمرس) في القسم ذاته.

له مؤلفات عديدة منها: "الموارد الاقتصادية"، 1963، و"الوطن العربي: خصائصه الطبيعية والبشرية"، و"أشكال الأرض في مصر "(بالإنجليزية) 1971، و"تقلبات المناخ العالمي وأبعادها الاقتصادية والسياسية"1981، وجيمورفولوجية قشرة الأرض 1971، و"الموارد المعدنية في الوطن العربي"، و"الجزر والسواحل العربية"، وقد قدمه إلى لجنة الخبراء العرب بصنعاء، و"المصطلحات الجغرافية"، وحرر وأشرف على كتاب "المياه في الوطن العربي" الذي أصدرته الجمعية الجغرافية المصرية: القاهرة (26-28 نوفمبر 1994). إلى جانب كتب أخرى ألفها الدكتور أبوالعز بمشاركة عدد من الأساتذة.

كما صدر عن لجنة الجغرافيا بالمجلس الأعلى للثقافة سنة 2007 كتاب "مورفولولوجية الأراضي المصرية"، وهو الكتاب التذكاري الثالث للجغرافيين بعنوان "محمد صفى الدين أبوالعز ـ العالم والمفكر والإنسان". وألف الدكتور عبدالله يوسف الغنيم أستاذ الجغرافية في جامعة الكويت ورئيس مركز البحوث والدراسات الكويتية كتابا عن الأستاذ الدكتور محمد صفي الدين أبوالعز بعنوان "الأستاذ الدكتور محمد صفي أبوالعز: ملامح من شخصيته ومنهجه العلمي" نشره بمساعدة مكتبة الإسكندرية عام 2007.

ونظرا لسمعته العلمية الكبيرة فقد اختير عضوا في لجنة الجغرافيا بالمجلس الأعلى للثقافة في مصر. واستدعي لحضور ندوات ومؤتمرات داخل مصر وخارجها. وحصل على تكريمات وجوائز عديدة أبرزها جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية عام 1990 ووسام الشرف العالمي لعام 2008 وهي الجائزة العلمية التي يمنحها الاتحاد الجغرافي العالمي في مجال الدراسات الجغرافية والبيئية.

يترأس الدكتور محمد صفي الدين أبوالعز حاليا الجمعية الجغرافية المصرية التي يرجع تأسيسها إلى سنة 1875، وهو رئيس مجلس إدارتها الذي يتألف من مجموعة من أساتذة الجغرافيا المعروفين منهم الدكتور فتحي أبوعيانة والدكتور السيد الحسيني والدكتور محمود عاشور والدكتورة آمال شادر والدكتور عبدالمجيد فايد والدكتور نبيل امبابي والدكتور عمر الصادق.

وفي يوليو/تموز 2011 رشحت ثلاث جهات هي الجمعية الجغرافية المصرية، وجامعة الزقازيق، وجامعة المنوفية الدكتور محمد صفي الدين أبوالعز لنيل جائزة النيل (مبارك سابقا) للعام 2011.

أشرف الدكتور أبوالعز على عدد كبير من رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه وينتشر طلابه اليوم في جميع أنحاء الوطن العربي.

ولم يكن محمد صفي الدين أبوالعز بعيدا عن مشكلات بلده وأمته، فكثيرا ما يعقد الاجتماعات والندوات والحلقات النقاشية لمناقشة قضية من القضايا أو مشكلة من المشاكل الجغرافية والبيئية من قبيل مشكلة "بحيرة مريوط" وما يمكن أن يقدم إزاءها من حلول. ففي سنة 2008 عقدت الجمعية الجغرافية المصرية ندوة برئاسته تحدث فيها الدكتور فتحي أبوراضي عن هذه البحيرة التي بدأت مساحتها تتناقص وتتسرب إليها مياه الصرف الصحي عبر الترع الممتدة إليها. وتقع هذه البحيرة المغلقة جنوب مدينة الإسكندرية وتبلغ مساحتها 74 كم مربع ولها أهمية إستراتيجية واقتصادية وقد دعا الدكتور أبوالعز إلى إيجاد الحلول ووضع البرامج الجادة لحل مشكلتها. كما ترأس مؤتمر الجمعية الجغرافية المصرية "حول التعايش مع هيئة الأرض" والذي انعقد برعاية رئيس جامعة الإسكندرية بين 22- 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2008 .

وقد شغل الدكتور أبوالعز عضوية هيئة تحرير "الموسوعة الفلسطينية" منذ سنة 1974 إلى جانب نخبة من العلماء والمفكرين العرب أمثال الدكتور أنيس صايغ والدكتور احمد المرعشلي والدكتور محمد مزالي والدكتور عبدالوهاب الكيالي والدكتور ناصر الدين الأسد والدكتور نوري حمودي القيسي. كما عمل عضوا ومقررا في لجان الترقيات المركزية العلمية للأساتذة في الجامعات المصرية في سنوات عديدة.

وكما هو معروف فان أبوالعز، كما يقول الأستاذ سامي شرف، كان منتميا إلى تنظيم طليعة الاشتراكيين (التنظيم الطليعي) في الاتحاد الاشتراكي أيام العهد الناصري وما بعده بقليل. وقد حدد الرئيس جمال عبد الناصر أهداف التنظيم بحماية النظام وأكد بأن من يدخل التنظيم ينبغي أن يكون حركيا ومؤمنا بالنظام الاشتراكي ومخلصا له ويبدو أن الدكتور أبوالعز غادر هذا التنظيم وابتعد عنه سنة 1971 بعد تولي الرئيس أنور السادات الحكم 1970.

يقوم منهج الدكتور ابوالعز العلمي في حقل الجغرافيا على أن مصر لها موقع جغرافي واستراتيجي مهم، وهي مهمة للوطن العربي، وثمة العديد من الروابط التي تربطها بالدول العربية الأخرى، وأن العرب قادرون على إنجاز أهدافهم في الوحدة والتقدم والرفاهية ويجب تنمية الحس القومي بين أبناء الأمة والجغرافيا تسهم في ذلك إسهاما فاعلا.