محمد سيف الرحبي: الجمهور العماني مهووس بالشعر وأنا مهووس بالتجريب

أعتب دائما على حالة الزهد في عمان

كانت رواية "السيد مر من هنا" للكاتب العماني محمد بن سيف الرحبي هي أول رواية عمانية أطلع عليها، أهداني إياها صديقي الدكتور خالد عزب، قرأتها، أعجبت بها جدا، حدثت كل من أعرفه من مثقفي الإسكندرية عن هذه الرواية، وعن خطيئة جهلنا بما يكتب في بعض الدول العربية التي تعتبر دول "هامش" ثقافية.

تواصلت مع الرحبي عبر شبكة الإنترنت، رتبت له لقاء مع جمهور الإسكندرية وأدبائها ونقادها لمناقشة روايته البديعة من خلال "مختبر السرديات" الذي أنظم فعالياته بمكتبة الإسكندرية.

التقيت بالرحبي قبل اللقاء وبعده على مقاهي الإسكندرية، جلسنا لساعات نتحدث، أحاول أن أعرف أكثر عن الكاتب، وعن الحياة الثقافية العمانية التي أجهلها، ومع انتهاء رحلة الرحبي بالإسكندرية كنت قد عرفت كثيرا مما لم أكن أعرفه، وكنت قد اكتسبت صديقا عزيزا جدا.

الرحبي من مواليد 1967، حصل على ليسانس لغة عربية من جامعة بيروت العربية، ثم دبلوم دراسات عليا من معهد البحوث للدراسات العربية بالقاهرة. التحق بجريدة عمان عام 1987 بوظيفة فني مونتاج ثم تدرج في الأقسام الفنية والتحريرية وصولا إلى مدير التحرير عام 2005، وترك العمل الصحفي ليلتحق بديوان البلاط السلطاني بوظيفة خبير إعلامي بمكتب الوزير.

يعمل مراسلا لجريدة الحياة منذ عام 1999. كما عمل مراسلا لفترة لقناة LBC الفضائية اللبنانية. وكتب مقالات وتحقيقات في صحف ومجلات محلية وعربية. كما يكتب عمودا يوميا في صحيفة الشبيبة العمانية. أصدر أربع مجموعات قصصية هي: بوابات المدينة، ما قالته الريح، أغشية الرمل، وقال الحاوي.

وأصدر عدة كتب عن المكان أشهرها "بوح سلمى" الذي ترجم إلى اللغة الروسية، بالإضافة إلى حكايا المدن، وشذى الأمكنة، وله كتاب بعنوان "احتمالات" جمع فيه بعض مقالاته، وكتاب "بوح الأربعين" الذي يمكن اعتباره إطلالة على السيرة الذاتية للكاتب، أما رواياته الثلاث فهي: رحلة أبو زيد العماني، الخشت، السيد مر من هنا.

كما قدم الرحبى للمسرح العماني أيضا مجموعة من الأعمال المسرحية هي: مرثية وحش التي مثلت عمان في مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي، سعادة المدير العام، السهم، أمنيات الحلم الأخيرة، واا إصلاحاه، ممنوع من النشر، إنسان استراتيجي.

فاز الرحبى بعدد من الجوائز العمانية والعربية في مجالات القصة والمسرح والرواية أهمها: فوز مجموعة ما قالته الريح بجائزة النادي الثقافي للإبداع القصصي وبجائزة أفضل إصدار في الاسبوع الثقافي العماني. وفوز رواية رحلة أبو زيد العماني بجائزة الشارقة للإبداع العربي فرع الرواية. ورواية الخشت التي فازت بجائزة جمعية الكتاب العمانيين فرع الرواية.

• الكتابة هي تجسيد الحياة

*أنت مبدع وإعلامي وناشط ثقافي فكيف تحب أن تقدم نفسك للقارئ العربي؟

ـ “كاتب وصحافي عماني".. هكذا العنوان يكون مثاليا ليعبّر عني، ولما اشتغلت عليه سنوات حياتي الماضية، وما أعمل عليه سنواتها الحالية والقادمة، قبل أعوام سألني مراسل إحدى الفضائيات العربية (كما هو الشأن لدى مقدمي البرامج في السلطنة، تلفزيونيا وإذاعيا) ماذا نكتب توصيفك على الشاشة؟ فكان ردي الدائم بما يشير إلى أنني كاتب وصحافي، فالمسميات الوظيفية محكومة بعمر معيّن، والتسمية قد تتغير، لكن هذا التشريف الجميل من الكتابة والصحافة أسمى من أن يحكمه زمن.

• يعتقد بعض المبدعين أن المبدع عليه أن يفرغ وقته كله للإبداع، لكنك حالة مختلفة تماما، فهل ترى أنت أن المشاركة الفعالة في الأنشطة الثقافية والمجتمعية أحد أدوار المبدع في المجتمع؟

ـ الكتابة هي حياة، تجسيد الحياة بطريقة ما، وعليّ أن أعيش حياتي، أرى ذلك أكثر عمقا للحياة ذاتها، لا يفترض بنا الشعور بأدائنا واجب حينما نمتزج مع المجتمع المشكّل وسطنا الاستراتيجي الذي نتنفسه، قد يرغب البعض في المضي داخل قوقعته يسجن نفسه بطريقة ما، لكنني أمارس حياتي داخل نسيج مجتمعي وأتواصل معه باعتباره كياني أيضا، لا يفترض بي إغلاق منافذ الهواء على نفسي والعيش بمنأى عن الناس، ودوري التفاعل معهم، المشاركة في ندوات ومحاضرات ولقاءات مع طلبة جامعات وكليات للحديث عن ما يسمونه هم تجربة، وأراه أنا خطوات اعتيادية كتبت علي فمشيتها، وكما يقول الشاعر العربي "ومن كتبت عليه خطى مشاها". والمجتمع مرآتي التي أرى فيها نفسي وأشعر بخطواتي، بدونهم لا أستطيع أن أكتب.

• الذائقة الجماهيرية فى عمان مهووسة بالشعر

• لاحظ أحد النقاد أن الكثير من الكتّاب العمانيين في بداية تكونهم الإبداعي يتجهون إلى كتابة الشعر أولاً، ثم يتحولون إلى الرواية أو القصة بعد إصدار ديوانهم الاول أو الثاني على الأكثر، فهل الشعر لم يزل الفن الأول في عمان بينما معظم البلاد العربية دخلت زمن الرواية، وما رأيك في مقولة زمن الرواية بالنسبة للواقع الأدبي العماني؟

ـ الأشياء قد تحدث متأخرة، لم نعرف فن القصة بمفهومها الأدبي سوى من ثلاثة عقود تقريبا، وتأتي كلمة نعرف كون أن الجيل الذي تشكلت منه يمكن تعريفه بأنه الانطلاقة الجادة والحقيقية لكتابة القصة القصيرة في عمان، مازالت الذائقة الجماهيرية في عمان مهووسة بالشعر، خاصة الشعر الشعبي أو العامي الذي له حضور كبير مقارنة بالشعر الفصيح، للشعر منابر وجوائز ومسابقات بينما لا شيء للنثر سوى جائزة وحيدة تقدم لجيل الشباب ضمن فعاليات الملتقى الأدبي السنوي لوزارة التراث والثقافة.

من يكتب الرواية الآن في عمان ليس الشعراء، وإنما كتاب القصة وقد أرادوا الخروج من عباءة القصة القصيرة، القصر قد يكون صفة للقصة أو العباءة، لا فرق، وهناك من جرّب الرواية فلم يعد لكتابة القصة، وهناك من هو حائر بين الاثنين، وثالث مازال مخلصا لفن القصة، لكن الإنتاج ضعيف في كل الحالات، وأغلب ما في الساحة للأجيال الجديدة، تأتي فتصدر مجموعة أو مجموعتين، ثم تصمت، ولا يمكن القول إن زمنا للرواية في عمان، بل صعود لهذا الفن يتم بتروٍّ وأناة، ويحتاج إلى وقت كي ينضج ويحدث تراكمه التاريخي حيث يمكن القول إن ثمة فنا روائيا في عمان تحقق وترسخ وكوّن مدرسة يمكن الإشارة إليها بقوة حضورها، ونحن سائرون على هذا الدرب، وحتما سيكون لخطواتنا أثر ذات يوم.

• لماذا نجد اهتماما من المبدع العماني بكتابة القصة القصيرة أكثر من الرواية؟

ـ القصة القصيرة في عمان تعيش عصرا ذهبيا فيما تتوارى القصة في البلدان العربية لصالح الكتابة الروائية، يوجد لدينا عشرات من كتاب القصة، وكل عام تفرّخ القصة أسماء جديدة، وبمستويات جيدة، لم تغرنا كتابة الرواية بكثافة ربما لأننا لا ننساق وراء ثقافة السوق، ومعروف أن سوق الأدب العربي تربح من الروايات فقط، بينما تعاني الأجناس الأخرى من إهمال القراء لها، حيث تباع نسخ محدودة فقط من دواوين الشعر والمجموعات القصصية، مقابل إقبال على الرواية، كما أن تشظيات الواقع تغري البعض خاصة الشعراء في كتابة الرواية، طالما أنهم ممتلكون للغة شعرية ولديهم حصيلة من التجارب، في عمان لا يوجد تراكم كبير للفن الروائي بعكس القصة، ولذلك فإن تهيّب كتابة الرواية حاضر في ذهنية الكتّاب.

• كيف يتلقى الجمهور العماني والناقد العماني الرواية مقارنة بالشعر والقصة؟

ـ الشعر له منبره وصوته الجميل إذ يقف على منصات الإلقاء، أو يذاع عبر الصوت والصورة، والأمر يتشابه قليلا مع القصة، لكن الرواية شأن فني خاص، ومشكلتنا النقدية أن ملامحها لم تنضج بعد، قراءات انطباعية، وحتى تلك التي يقوم بها أكاديميون عرب فإنها تستعرض الرواية أكثر مما تقرأها فنيا، ويصبح النقد المكتوب صالحا لروايات أخرى، حيث الكلام عن عموميات، النقد اشتغال مضن ويصبح أشد إنهاكا مع انشغال النقاد بالجري وراء لقمة العيش والانهماك في عملهم الأكاديمي وبقية مشاغل الحياة، عندما ترهق الظروف الحياتية المبدع وهو يكتب روايته فإن هذه الظروف تصبح أشد قسوة على الناقد وهو يقرأ العمل الفني ويفكر فيه عميقا ليستخلص ما به، وهو أولا وأخيرا لن يجد التقدير لا المعنوي ولا المادي من عمله، فقراءة النقد نخبوية ولا تعطي النجومية كما تفعل كتابة الرواية أو الشعر.

• أعتب على حالة الزهد والتواضع العماني

• لماذا لا يوجد حضور لافت للرواية العمانية عربيا سواء بالنشر أو بالحصول على جوائز؟

ـ أعتب دائما على حالة الزهد في عمان، وتواضع الشخصية التي ترى أنها لم تصنع شيئا لتقدمه للآخر، عندما يوجد القاص العماني مع نظرائه خليجيا وعربيا يجد تميزا فيما يقدمه من لغة سردية جميلة تدهش الآخرين. قبل سنوات وصل الصديق عبدالعزيز الفارسي إلى القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية، بما يعني قدرة الرواية العمانية على الحضور القوي، لكن للجوائز الكبرى حساباتها التي علينا أن نعترف بها، اسم الدولة يشكل ضغطا لصالح الروائي، خاصة دول ما كان يسمى بدول المركز الثقافي في الوطن العربي، لا زلنا رغم تحولات العصر من ضمن دول الهامش الثقافي العربي، حتى والجوائز تصنعها أموال النفط الخليجي.

• أنت من قلة من الكتاب العمانيين الذين يراكمون إنتاجا روائيا فهل هذا ميل خاص إلى الرواية كجنس أدبي؟ و من هم أساتذتك الذين تدين لهم كروائي؟

ـ لديّ ثلاث روايات فقط، ليس شيئا كثيرا، ما زلت أرى كلمة روائي كبيرة عليّ، أحترق بجمر المقال اليومي وما يخطفه من احتقان كتابي هو الضروري لكتابة رواية أو أي شكل أدبي آخر، الكتابة اليومية لا تعطي الزخم الداخلي فرصة أن يتكاثف وينضج وبالتالي خروجه ضاجا بالحيوية والإدهاش.

روائيا أدين في المقام الأول لنجيب محفوظ، وتاليا لحنا مينا، وبين هذا وذاك الأدب المترجم لكلاسيكيات الرواية العالمية، وهناك كتّاب أميركا اللاتينية كماركيز. ولا أنكر تأثري بأعمال إحسان عبدالقدوس، بمعنى آخر تندس تحت جلدي مئات الروايات التي أدمنت قراءتها، حتى أننى عندما دخلت الكلية الفنية الصناعية (كما كانت تسمى آنذاك) خلال ثلاثة أشهر فصلت بين دراستي الثانوية وبدء اشتغالي في مطبعة جريدة عمان كنت أستعير كل يوم رواية تقريبا، بما جعل أمين المكتبة لا يستوعب أنني أقرأ فعلا، وأنني أتسلى فقط بإرهاقه وهو يقيّد ما أستعيره وما أعيده.

• التجريب أولا

• فى روايتك "السيد مر من هنا" سعيت إلى تقديم رواية تجريبية وإن كانت تعتمد في جزء كبير منها على التاريخ، وتؤطرها بحالة نفسية معقدة تسعى إلى حل، ألم تخش كل هذا الطموح لكتابة رواية واحدة؟

ـ كأنني ما زلت أعيش مخاوف ذلك الطموح فلم أستطع التفكير في رواية أخرى والبدء بكتابة الكلمة الأولى بها، لا يزال السيد يتمرد في دمي، كأنني لم أنه كتابة خطواته عندما مر من هنا بعد، شعرت أن رسالتي تحتم عليّ أن أعود للتاريخ العماني، لا يكفي أن نكتب مشاكل الواقع التي نقرأها في أعمال أدبية ودرامية لا تحصى، كتابة التاريخ ضرورية، وإذا أحصينا خسائرنا قبل أن نبدأ السير على الطريق فلن نمشي أبدا، وكانت رواية السيد مر من هنا عاصفة من التحدي، كادت أن تكسرني أكثر من مرة وأنا أتحمل مرورها، بحثا في مرويات التاريخ، خوفا من الكتابة التوثيقية الجافة، مراوغا حينما تثقل الأحداث جمال الحكاية.

تجربة رأيت وجوب اقتحامها، معتقدا في نفسي شرف المحاولة والأجر الواحد للمجتهد إذ يخطيء، وبعد روايتي السابقة "الخشت" حيث وضعت مفهوم التجريب نصب عيني إذ أكتبها بحثت عن تجريب آخر حتى وجدته في التاريخ، لا أدري إلى أين تقودني عواصف التجريب مرة أخرى، لكنني أتتبع متعتها، الشعور أنني خضت دربا مختلفا لم يسر عليه أحد قبلي، حتى إذا لم أحظ بوضع خطوات مؤثرة فإن المتعة في محاولة السير وحدها كافية للتجريب في حقول أخرى.

في روايتي السيد مر من هنا ولوج إلى محطة مهمة من التاريخ العماني، واخترت أبرز شخصياتها لتكون حاضرة بطريقة فنية ما ليعرفها جيل الحاضر، وهو يتمزق من تداعيات عصره، خاصة على المستوى الفكري، سعيد بن سلطان أحد أبرز السلاطين العمانيين الذين كونوا مملكة عمانية امتدت من مسقط وحتى سواحل الشرق الأفريقي، كانت له عاصمتان، مسقط وزنجبار، وأدخل زراعة الفرنقل لتكون نفط تلك المرحلة حيث عاشت مملكته على هذا المنتج وعوائده، وكان أول من أرسل وفدا إلى الولايات المتحدة الاميركية معرفا الأميركيين بعمان التي سيّرت إلى هناك سفينة وضعت علامات التعجب عليها من قبل الصحافة الاميركية التي تساءلت كيف وصلت سفينة كهذه إلى ما وراء المحيطات؟

وكان لا بد من وضع الجانب النفسي في عمق الرواية حتى لا تكون تاريخا جافا يعرض أسفارا وشخصيات، فاقتربت من التجربة من خلال السارد الأول "المعلوم" والسارد الثاني "المجهول" واصلا بين العصر الحالي، وعصر سعيد بن سلطان بطلا وأبا.

• أنت تقريبا أول من أدخل العامية العمانية في الحوار الروائي في روايتك "الخشت"، فهل لاقى ذلك قبولا من القارئ؟ ألم تخش أن ينغلق فهم هذا الحوار على القارئ غير العماني؟

ـ بعد أن انتهيت من كتابة الخشت أعطيتها لصديق مصري وطلبت منه أن يخبرني أين استغلق عليه أمر الحوار فلم يستوعبه، وهكذا تخففت قليلا من مغاليق العامية على غير العماني من فهم الآخر لها إذ أشركته في تحديد الصعوبات لأسهّلها قليلا.

من ملامح التجريب في الخشت هي سيرها على تقنية كتابية تشابه لعبة الخشت التقليدية التي مارسناها صغارا، وكذلك الاعتماد على اللغة العامية في الحوار لتقريب الحالة النفسية للشخصيات من القاريء، معتمدا على جرأة الطرح، والاقتراب من العلاقات الجسدية عبر منظور فلسفي تفرضه اللعبة إذ تسير كالحياة من حفرة إلى أخرى، ومن يعتقد أنه فائز باللعبة فهو قد وصل إلى حفرته الأخيرة، قسمتها إلى ثماني وعشرين حفرة هي عدد حفر اللعبة، بين أربع لاعبات رئيسيات مع أنها لعبة رجالية فقط، لديهن أربع علاقات مع أربعة شباب، تتباعد كل علاقة وتختلف عن الأخرى، مع أن المشجب الوحيد هو الرغبة في الجسد، كحالة عامة تسود المجتمعات العربية وبينها المجتمع العماني، المرأة بالنسبة للرجل جسد في خاتمة الأمر، نعمل للوصول إليه بطرق شتى، محمودة أو مذمومة.

• مستقبل الرواية.. وسحر المكان

• كيف ترى مستقبل الرواية العمانية؟

ـ لا زالت الرواية العمانية مترددة، إنتاجها قليل مقارنة بأمكنة أخرى، لكنها خطوات متزنة، تقدم القليل كما لكنها تقدم الكثير نوعا، وربما لأن كتابة الرواية يحتاج إلى صبر فإن الكاتب العماني يتردد، أتوقع أن تشهد السنوات القادمة ارتفاعا في مستوى الرواية العمانية كما ونوعا، لأن جيل القصة القصيرة الذي عرفته فترة أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات تغريه المشهدية الروائية لاقتحامها، وفي تصوري أن قليلا من الأعمال ترسم المشهد بأناة خير من الفيضانات الكتابية التي تشهدها بعض البلدان خاصة في الخليج حيث تتحول كتابة القصة لعمل من لا عمل لديه، ومن تعاني الوحدة في غرفتها تكتب يومياتها وعقدها النفسية فتصبح عبئا على المسار الأدبي في بلادها لا إضافة.

• يشغلك التغيرات فى المكان العماني، نلاحظ هذا في إبداعك الروائي، لكنه تجلى في كتابك "بوح سلمى" الذي تقول عنه في حوار صحفى أنه حديث عن المكان عبر بوابة الذات، وفي كتابك "بوح الأربعين" الذي تقول إنه بوح عن الذات مع إطلالة على المكان، بالإضافة إلى كتابيك "حكايا المدن" و"شذى الأمكنة" فما علاقتك بالمكان كمبدع وإنسان؟

ـ المكان نحن، وجودنا، وفي حالتي فإن المكان حدّد خارطة حياتي وتفكيري كثيرا، عشت في قرية "سرور" وعيني على المدينة "مطرح"، قريتي كانت تجذّر علاقتي بها بينما كنت أشعر بكراهيتي لها مستعطفا المدينة أن تمنحني روحها، عندما كبرت وجدت أن نبضاتي محسوبة على قريتي سرور وأن الطفل السائر على دروبها الترابية حافي القدمين مدين للتراب الذي مشى عليه دون حاجز أو فاصل، وأن طعنات أشواك النخيل في سائر جسده كانت تنحت محبة خالدة في دمه وهو يجري على السعفات، وأن "الخوصة" التي يربط بها إصبعه ليمنع تسرب سم العقرب إلى بقية يده كانت ترياقا لا ينساه الجسد.

كانت الأمكنة تكبر داخلي، صرت مهووسا بها بسبب تلك العلاقة بيني وقريتي، حتى المدينة التي أحببتها أراها بعين الأمس، أي أنني أرى المدينة القديمة المشكّلة لطفولتي وهي تحلم بالمدينة/المكان، بما يعنيه من حرية تبعدني عن السلطة الأبوية القاسية، هناك جدي الحنون، بصوت القرآن وهو يقرأه بعد صلاة الفجر فتتبتل سماء المدينة من حولي صافية، حرية تنشد السماء فقط.

• مارست كتابة القصة والرواية والمقال والمسرحية والسيناريو فأيهما أقرب إلى نفسك؟ ولماذا؟

ـ التجريب سمة مرحلة الشباب، لكن مع مرور السنوات يصبح شكلا معينا من الكتابة هو الأقرب، أحب القصة لكني أتمنى كتابة رواية، أما المقال فهو هاجس يومي، أدرك أنه يؤثر على العملية الكتابية الأدبية، لكنه تواصل جميل بالحياة، وكل مقال هو لحظة وفاء للصحافة التي عشت في بيتها 21 عاما هي أهم مرحلة في حياتي، مرحلة التشكل ووصولا إلى النضج. وربما هي سنوات من العيش في هذه التجربة، وقد يأتي عمر سأعود فيه إلى الكتابة الأدبية فقط.

• الحرية مطاطة كالعلكة

• في مقالك اليومى بصحيفة الشبيبة العمانية تشتبك مع عدد من القضايا الساخنة من أهمها قضية الحرية فكيف تراها قبل وبعد الثورات الأخيرة في بعض البلاد العربية؟ وما مدى رضاك عن حرية الكاتب العماني في التعبير والنشر؟

ـ الحرية لفظة مطاطة صالحة لتكون علكة لمن يريد التلهي بها، هناك من يطالب بالحرية وهو لا يريد ممارستها، أو ربما لا يحتاجها في سياق حياته اليومي، أي حرية يريد؟! لم يسأل نفسه، لأنه لا يعرف أي حدود لهذه الحرية يلزمه لاستمرارية عيشه، وأصبح الحديث عن الحرية موضة الشعوب العربية التي عليها أن تكون في مستوى هذه المطالبة حيث المعرفة والثقافة والإطلاع على مجريات العصر ومستويات التقدم في مختلف بقاع العالم، الحرية ضرورة حياتية لا يمكن مصادرتها، لكن أينا يستطيع فهم مسئوليات هذه الحرية، فلا حرية بدون مسئولية، لأنها ليست الفوضى، أو التعدي على آخرين من منظور حرية الفكر والرأي، ما يلزم الشعوب العربية هو الأهم من بالون الحرية، تحتاج إلى الشعور بالمسئولية في حياتها، وإزاء مجتمعاتها، وهناك شرائح تدعم السلطة في إهمالها للمطالب الشعبية، ولو أن كل مواطن عربي أدى عمله بأمانة وبروح المسئولية لارتاح أخوه المواطن من معاناة الحصول على حقوقه.

في عمان ارتفع سقف الحرية بعد الأحداث الأخيرة، ولا وجه للمقارنة بين ما كان عليه الوضع قبل عشر سنوات، وما أصبح عليه الآن، ارتفع السقف بهدوء خلال السنوات الماضية وذلك بفضل الانترنت بالطبع أكثر من رغبة المسئولين في منح الحرية للكاتب، أما في الأشهر الماضية فإن ارتفاعات السقف تمت بسرعة كبيرة جدا، وأشعر أن الكتّاب يحتاجون إلى وقت ليستوعبوا ما حدث ويستفيدوا من النطاق العريض المتوفر لهم، ريثما يفكرون بمناطق أخرى سيكتسبونها لاحقا في طريق السعي نحو حرية الفكر والرأي، وحرية الصحافة.

الوضع لا يزال دون مستوى المأمول، فليست الحكومة فقط من يحاول الحد من الحرية بل مستوى الصحفيين والكتاب ونضجهم في التعامل مع الحرية، وفي بعض الأحيان حدث انفلات في طريقة التعامل مع مستوى الحرية الجديد، وهذا كما أشرت سابقا يحتاج إلى فترة استيعاب فالصدمة طازجة في العقول، عقول من يكتبون، وعقول من يواجهون خروج الأقلام من معاقلها.

وعبر مقالي اليومي الذي أسميته "تشاؤل" أقترب من العادي فيحسبني البعض أنني أهاجم، بينما الواقع يقول إنني أعبر منطقة عادية لكن القاريء لم يعتدها، ومع وجود الفيسبوك لم يعد لما نكتبه ذلك الصدى كونه يقول ما لا يمكننا قوله أو لا نريد أصلا، للفارق في المسئولية ومساحة الحقيقة بين ما ينشر الكترونيا وما يكتب صحافيا.

• التليفزيون.. وطموح المبدع

• بما أفاد أو أضر المراسل التليفزيونى المبدع فيك؟

ـ جربت العمل مراسلا لقناة (أل بي سي) لبضع سنوات هي عمر التعاون بين القناة وجريدة الحياة التي أعمل مراسلا لها، لم تكن تجربة حقيقية لأقيّمها بصورة واضحة، إنما كانت هناك عدة تقارير إخبارية لنشرة الأخبار بالقناة، وكان التواصل كبيرا حينما ضرب السلطنة إعصار جونو عام 2007، لكنها كتجربة أفادتني في التعرف على نمط إعلامي آخر غير الكتابة التي اعتدتها طوال سنوات عمري الصحافي، ورأيت فيها ملمحا من ملامح التجريب الذي أنشده.

وتعلمت الوقوف أمام الكاميرا من خلال دورة أقامتها لنا القناة واكتسبنا خلالها معرفة تركيب الصوت والصورة والمونتاج التلفزيوني والتصوير، كما اتبعتها بصورة شخصية بدورة في عمّان حول إقامة إذاعة عن طريق الإنترنت، وتعرفت على كيفية مونتاج الصوت وإعداد تقرير إذاعي، ولا شك أن طموحاتي التلفزيونية لا زالت مخبأة ولا أستبعد العودة إلى الشاشة بقوة أكبر من خلال برنامج تلفزيوني، لكنها رهبة التجربة، فكلما كبرت سنوات العمر ضعفت روح الرغبة في تجربة أشكال غير معتادة بالنسبة لنا، يصبح الاسم ثقلا لا يمكن الاستخفاف به وحرقه في تجارب جديدة، ودعوة الأخوة في القناتين العمانيتين (الحكومية والخاصة) محفزة لكني أرغب في تقديم عمل يحسب لي لا علي، ونفسيا لست مستعدا للمغامرة، فالمراسل يقدم تقريرا من دقيقتين تقريبا، أما البرنامج فساعته محسوبة عليّ بكاملها.

• ما طموحات المبدع العماني الرحبي وآماله المشروعات التي يعمل عليها الآن أو يحضر لها؟

ـ إذا سمحت لي بحذف كلمة مبدع من السؤال.. لأني مجرّب لشكل جميل في الحياة وهو الكتابة، وأنظر بعين النقص إلى كل ما أقدمه، باحثا عن الأفضل في المشروع اللاحق، وكلمة مبدع ثقل حركتي في الاشتغال على نفسي أكثر، وبعد "السيد مرّ من هنا" قد أعود إلى القصة، ولديّ مجموعة قصصية أتمنى أن ترى النور مطلع العام المقبل، حيث وطّنت نفسي على إصدار كل عام، وروائيا ما زلت أدور في فلك "السيد الذي مرّ من هنا"، وعندما تموت نهائيا في فص الدماغ المشتغل بالكتابة سأبدأ بعمل روائي يبحث في المجتمع العماني التقليدي، القرية، أريد أن أكتب المكان روائيا، وتوثيق تحولاته، ومفرداته التي تشكل لغة أفراده قبل أن تندثر، أشعر بأني صاحب رسالة تجاه ذلك، وعليّ واجب القيام بها.