محمد زكي العشماوي: عمرٌ من الحبِّ والذوقِ والعطاء

متابعة: أحمد فضل شبلول
الغائب الحاضر

لأنه الأستاذ الدكتور محمد زكي العشماوي ـ أستاذ الأساتذة ـ بجامعة الإسكندرية، فقد ضاقت قاعة الندوات بكلية الآداب ـ ظهر يوم الاثنين 20/6/2005 ـ بهذا العدد الكبير من الأساتذة والأدباء والطلاب الذين حضروا حفل تأبين، وتكريم اسم الراحل الكبير (1921 ـ 2005).
ولم يتسع الوقت لإلقاء كل الكلمات التي أُعدت في رثاء د. العشماوي وتكريمه، أو في ذكر مناقبه وصفاته العلمية والخلقية، أو في التطواف حول نقده وشعره وأستاذيته.
فقط عشرون أستاذا جامعيا، وأديبا وشاعرا، هم الذين تحدثوا على مدى ثلاث ساعات متصلة، لم يمل فيها الحضور، بل كانوا مستعدين للجلوس أطول من ذلك الوقت، فقد أحس الجميع أن روح د. العشماوي ـ صديق الجميع وحبيبهم وأستاذهم ـ تحلق في تلك القاعة التي شهدت بعض مناقشاته العلمية، ومحاضراته وكلماته الآسرة.
قدَّم الحفل أ. د. محمود نحلة، فاستطاع أن يوازن بين هذا العدد الكبير من المتحدثين.
بعد تلاوة آيات من الذكر الحكيم، عُرضتْ سيرة موجزة ـ بالكلمات والصور ـ للدكتور العشماوي من خلال جهاز الكمبيوتر، وشاشة عرض كبيرة. اهتزاز أركان الكلية بعدها تحدث عميد كلية الآداب ـ أ. د. جمال محمود حجر ـ فذكر أن أركان الكلية اهتزت برحيل د. العشماوي الذي كان أحد أعمدتها الشوامخ، فقد كان عملاقا في هيئته وهيبته، وعملاقا في صمته وحديثه، وكان كالجبل علامة بارزة على طريق الكلية، وكان كالسماء دائم العطاء، وكان كالبحر يصعب أن تسبر أغواره، ورفعه الجميع إلى حيث يجب أن يكون، فحصد الجوائز من الدولة والجامعة والمؤسسات العربية، وكان يتشبث بالحياة بقدر تشبثه بالأمل، وفي ختام كلمته اقترح د. حجر إطلاق اسم د. العشماوي على إحدى القاعات الرئيسية بالكلية.
ثم تحدثت رئيس قسم اللغة العربية أ. د. سميرة عاشور، فقالت عن العشماوي إنه عاش نبيلا جميلا أثيرا، وكان أبا روحيا لطلابه ومريديه وزملائه، متعاليا على الصغائر.
ثم قالت: جميلا كان أستاذي، وعظيما في تمثيله لبلاده في المحافل العلمية خارج مصر، وأنه يعد في صدارة العلماء ورواد التنوير.
ثم صرحت د. سميرة عاشور بأن قسم اللغة العربية قرر تنظيم ندوة علمية باسم "العشماوي: ناقدا ومبدعا" في الذكرى الأولى لوفاته في العام القادم 2006 بمشيئة الله، لتحديد منهجه الأدبي ودوره في النقد الأدبي والشعر. حكم عدل لا يعرف المجاملة ومن الكويت حضر الكاتب المسرحي المبدع عبد العزيز السريع ـ أمين عام مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري ـ نائبا عن رئيسها الشاعر عبد العزيز سعود البابطين، فقد كان الراحل الكبير عضوا في مجلس أمناء المؤسسة، وقال السريع عن العشماوي إنه حكم عدل لا يعرف المجاملة.
أما د. لطفي عبد الوهاب، فقد ألقت د. نادية صابر قصيدته "إلى صديق العمر". العشماوي وفن التمثيل ثم تحدث أ. د. محمد زغلول سلام عن زمالة وصداقة دامت أكثر من نصف قرن بينه وبين د. العشماوي، وكشف للحاضرين أن العشماوي كان يهوى فن التمثيل، بل كان يشارك فيه، وأنهما خططا معا لتكوين فريق تمثيل بجامعة القاهرة ـ فرع الخرطوم، ونجح الفريق في تقديم مسرحيات كان لها صدى كبير ونجاح مرموق. محاضرة الثلاثاء أ. د. عبده الراجحي، قدم شهادته بعنوان "محاضرة الثلاثاء" التي كان يحاضر فيها د. العشماوي عن الآداب الأوربية والترجمة، ويقرأ نصوصا من النقد الإنجليزي، وقد أوضح الراجحي أنه لا يوجد تناقض في الفكر ولا اضطراب في الرأي لدى العشماوي.
أيضا كشف الراجحي عن موهبة التمثيل المسرحي لدى العشماوي، وأنه كان يشجع دائما الشعراء الشباب (الذين ظهروا في أوائل الستينيات) من أمثال عبد المنعم الأنصاري، وأمل دنقل (الذي كان يقيم في الإسكندرية في ذلك الوقت). العشماوي وبراعة الاستماع أ. د. عمر عبد العزيز عمر قال إن حفل تأبين د. العشماوي يجب أن يتحول إلى محفل للبحث الأدبي الجاد.
ثم تحدث عن العشماوي فقال: كان أديبا فنانا، وشاعرا مرهف الحس، جياش العاطفة، جديد التصوير، بارع التعبير، وكان خطيبا مفوها يأسر السامع في بلاغة طيعة، وإلقاء متميز خلاب، ولم يكن بارع الحديث فحسب، بل كان بارع الاستماع أيضا، وتلك خصلة من خصال عظمة العالم الحقيقي الذي يقرن العلم بالتواضع. رب الذوق والقلم والمنهج التكاملي أما أ. د. محمد علي الكردي ـ رئيس قسم اللغة الفرنسية بالكلية ـ فقال: كان العشماوي نعم القدوة علما وأخلاقا، وكان أديبا مبرزا وناقدا حصيفا من نوابغ الفكر العربي، وقد اختار لنفسه في النقد الأدبي منهجا يجمع بين التفسير والتقويم، وهو ما وسمه بالمنهج التكاملي الذي جمع فيه بين التراث العربي، والنماذج الغربية في المقاربة والتحليل، وبين النظرية والتطبيق.
رئيس قسم اللغة الإنجليزية بالكلية أ. د. زينب رأفت قالت: يعز علي أن أنعي بكلمات ملؤها الأسى أستاذا كبيرا وفنانا قديرا وشاعرا رقيقا هو الأخ الأكبر، والصديق الأعز الدكتور محمد زكي العشماوي، رب الذوق والقلم، والموسوعة الأدبية في الأدب العربي والعالمي. العشماوي: أصالة ومعاصرة أ. د. عثمان موافي قال كلمته تحت عنوان "أصالة ومعاصرة"، وفيها ذهب إلى أن د. العشماوي أفاد من د. طه حسين، ود. محمد مندور، وإبراهيم مصطفى، ومحمد خلف الله أحمد، كما أفاد من الحضارة العربية الإسلامية، والحضارة الغربية، فصنع نوعا من الموازنة أو التوازن والتكامل المعرفي.
أ. د. فتحي أبو عيانة ـ رئيس جامعة بيروت السابق ـ قال إن العشماوي لا يُرثَى الآن، لأنه دائما بيننا، وإنما نكرمه، ونحن لسنا في حفل تأبين، وإنما في حفل تكريم، وأوضح أبو عيانة أن العشماوي هو تاريخ كلية، وتاريخ جامعة بأسرها، وشهادة عصر بل عصور كاملة.
ثم أوضح أ. د .سعيد منصور في شهادته أن العشماوي كان من جيل العظام، وأن شخصيته منفتحة على الجميع، حيث يلتف الشمل حوله، فيجدون فيه رحابة الواحة التي تبرد بها حرارة الجو، والراحة التي يخف عندها عناء السير، تصحبه دائما آفاقه العلمية المتنوعة.
أ. د. طاهر حمودة تمثل ببيت شعر لأحمد شوقي يقول فيه:
رُزقتَ أسمح ما في الناس من خُلُقٍ
إذا رُزقتَ التماس العذر في الشيم
حيث كان العشماوي مثالا للترفع عن الصغائر، والتحلي بالسماحة، يضاف إلى ذلك ما كان يتمتع به من إكرام ضيفه وإحسان لقائهم ووفادتهم، وقد وصفه بعض العارفين بأنه كان عفيف اليد واللسان.
وقد أحس أ. د. محمد زكريا عناني أن ما كتبه من كلمات نثرية في رحيل العشماوي لا تفي بالغرض أو بالحب الذي يحمله له، فتحدث عنه شعرا في قصيدة بعنوان "وردة للرحيل".
تبعه أ. د. فوزي عيسى بقصيدتين هما: "النورس الذي رحل"، و"أفول". الحب منهج حياة أ. د. السعيد الورقي تحدث عن علاقة الحب المتبادلة بينه وبين أستاذه د. العشماوي الذي آمن بالحب ورأى فيه صفاء الرؤية، وصفاء المشاعر، ورجفة الدهشة في بكارتها، وانشغل بزرع الحب وإنمائه، والحب عنده منهج حياة، فكان الحب هو الجمال والفن، والإنسان هو الحياة.
ثم قال الورقي إن العشماوي كان معلما ماهرا للحب، وأن من يقرأ شعر العشماوي يرى اللغة شيئا جديدا طازجا وباهرا، إنه شعر الرحمة المقدسة التي تعيد للكون جدته وحيويته، وتمكن الإنسان من إعادة اكتشاف العالم بمشاعر جديدة خرجت عن إطار العادي والمألوف، فهي لغة اكتشاف ومغامرة تتألق برعشة معاينة الأشياء لأول مرة في طزاجتها الباهرة. جائزة باسم العشماوي ثم أعلن د. الورقي عن جائزة باسم د. العشماوي للإبداع الأدبي في الدراسات النقدية وفي الشعر والقصة والمسرح، يتكفل عائد أحد كتبه بتمويلها.
وفي كلمته أوضح أ. د. صالح اليظي أنه أول من كتب دراسة في شعر د. العشماوي وكانت بعنوان "جدلية المرأة والتصوف والحرية في شعر د. العشماوي".
ثم ألقى قصيدة في رثاء أستاذه بعنوان "عندما يغيب القمر" يقول في مطلعها:
وها أنت قد فتنا للكدر
فأنَّى الضياء وأنت القمر
فيا راحلا في رحاب الآله
ترحمْ علينا بقاع الحفر
ومن قسم الآثار بالكلية تحدث أ. د. محمد عبد الغني ـ رئيس القسم ـ فقال إن كل من يعرف العشماوي أو يقترب منه ـ ولو لبعض الوقت ـ يدرك يقينا أنه أمام شخصية متفردة في جمالها وعظمتها علما وسلوكا .. أدبا وتهذيبا. ثم ذكر أن العشماوي كان مثالا رائعا في التواضع والود والتواصل الإنساني الراقي.
ومن قسم الفلسفة بالكلية قال أ. د. محمد قاسم في رسالة للدكتور العشماوي: اليوم قد تحررت من الأسر والعتبات والأسقف، وانطلقت روحا محبة بلا حدود، تطوي كافة الأبعاد تحت جناحي طاقتك، وأننا نغبطك وقد توحدت بالكون، حرفا في أبجدية جديدة تفرج بها عن حبيس مشاعرك، وتعيد اكتشاف ذاتك في النسيج الكوني. كلمة عرفان ووفاء ثم كانت كلمة أسرة الدكتور محمد زكي العشماوي التي ألقاها ابنه د. زياد العشماوي فقال إن والده لم يكن أبا عاديا، وكان مصدر فخرنا، وكان نعم الصديق لأبنائه، ثم ألقى كلمة بعنوان "كلمة عرفان ووفاء" وجدها بين أوراق أبيه، وكأنه يشكر فيها هذا الجمع الذي تحلق اليوم حول اسمه وحول تكريمه وتأبينه بعد وفاته، وفيها يقول د. محمد زكي العشماوي:
"أنا مبهور بهذا اللقاء، ومدين لكم جميعا بالعرفان والشكر، لأنه لقاء يمثل لحظة من لحظات الصدق النادرة لما فيها من شفافية، ومن فيض الطبيعة، الخير الذي لا تكون فيه غير اللذة الأبدية التي يريدها الله سبحانه وتعالى. إنها العودة المشتهاة إلى روح الصدق. .إلى البراءة الأولى".
وفي نهاية اللقاء يعلن د. زياد أن أسرة د. العشماوي قررت منح جائزة مالية سنوية، للطلاب أوائل الدفعة من كلية الآداب قسم اللغة العربية، وجزء آخر من الجائزة وقفا على بعض الأعمال الخيرية. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية