محمد حافظ رجب، وضحكات مرحة لبغال البلدية

حوار أجراه: أحمد فضل شبلول

"كاتب مصري أسهم في إدخال شكل جديد للقصة القصيرة في مصر". هذا ما قاله معجم أكسفورد بإنجلترا عام 1987 عن الكاتب القصصي المبدع محمد حافظ رجب، الذي اشتهر بصيحته التي دوت في أرجاء الوطن العربي في ستينيات القرن الماضي "نحن جيل بلا أساتذة" وقت أن كان أساطين الحركة الأدبية بالقاهرة هم المسيطرون على زمام الأمور في مصر كلها.
توقف محمد حافظ رجب عن الكتابة والإبداع بعد عودته من القاهرة للاستقرار في مدينته الأثيرة الإسكندرية، عازفا عن لقاء الأدباء والصحفيين، متقربًا إلى الله ـ سبحانه وتعالى ـ نادمًا على ما فعله في حياته من أمور قد تغضب الله، ولكنه بين الحين والحين يحن للكتابة، وصدر له مؤخرا مجموعة قصصية جديدة عن مطبوعات الكلمة المعاصرة التي يصدرها إقليم غرب ووسط الدلتا الثقافي، بعنوان "رقصات مرحة لبغال البلدية".
بهذه المناسبة التقينا محمد حافظ رجب وكان هذا الحوار. هل توقفك عن الكتابة بمثابة القرار .. أم أنها الظروف .. أم أنها أزمة إبداعية .. أم هو المناخ العام ؟ - لقد عشت القاهرة من قاعها، وهكذا تبينت الحقيقة، هناك أدباء في الشارع لا يجدون ثمن سيجارة، وهناك أدباء يلوذون بإمبراطورية يوسف السباعي .. هؤلاء كانوا رجاله، وهناك أدباء يلوذون بالتقدمية فتطفح عليهم بنعمها.
هؤلاء وهؤلاء جعلونا نحن أبناء الشوارع المظلمة نحس باللامعنى واللاجدوى واللافائدة من الكلمات التي تشتعل في داخلنا، هكذا كانت البداية حتى هجرت القاهرة.
لو كفت حياتنا عن ذبح الإنسان .. لو عاد الناس إلى القرآن، لو عدنا إلى حضارتنا السابقة، لو عدنا إلى الله، لو عدنا إلى تقدير إنسان الله، لو عدنا إلى مجدنا الحقيقي، أن تعيش الناس في أمن واطمئنان ربما أعود إلى الكتابة، لمن أكتب ؟.. إننا جميعا مجموعة لا تتعدى المائة هي التي تتبادل مع بعضها القصص والأشعار.
نعم إن اللاجدوى واللامعنى واللاأمل هي مقصلتي التي فصلت رأسي عن جسدي، لكني سأعود إلى الحياة لو عاد الغوغاء إلى جحور الفئران السود.

بالتأكيد .. ترد عليك مئات الأفكار التي تصلح مادتها لأن تكون أعمالا قصصية، وبما أنك كاتب مبدع وفنان ماذا يحدث عند ورود مثل هذه الخواطر أوالأفكار، بعد اعتزالك الكتابة؟ - بهذا الفراغ المسدود بالروعة والبهاء لا يمكنني ـ الآن على الأقل ـ أن أعود إلى معملي الخصب لأمارس رعاية النماء في جذور أعمالي الفنية، يزيد على ذلك كما قلت سابقا إحساسي باللاجدوى واللامعنى واللاأمل في كتابة لا تصل إلى الناس .. لكن آه.. إنني أجد التأثير الباهر على كل الأعمار المصرية وكل الأنواع الإنسانية في تمثيليات التلفزيون.
بالطبع ترد عليَّ مئات الأفكار التي تصلح مادتها للعمل الإبداعي، ولكني أتهرَّبُ منها ورغم إلحاحها علي وطرقها على زجاج بابي وشباكي إلا أني أخرج لها لساني وأهرب.
يا صديقي العزيز إن أهم ما في أعمالي الجديدة هو عملية التركيب المعماري للبناء، إن أعمالي تحتاج إلى بصيرة صانع دقيق لا يغادر معمله إلا لدقائق، إنها عملية معملية مرهقة إلى أقصى حد وأنا الآن ملتزم بعملي (أكل العيش) وملتزم أكثر من ذلك بعبادة ربي، يجب أن أصلِّي لربي ورب الناس في مواعيد النداء الكريم، إن صلاتي (وأرجو أن يقبلها ربي) فيها نشوة وفيها مسرة وفيها لذة، أجد فيها المعنى والمأوى والسلوى، كما أقول لربي في سجودي وركوعي، وهذا سر بيني وبينه سبحانه وأرجو ألا يغضب لأني أفشي بعض السر الرائع الذي بيننا، وما أروعه.

إذن .. محمد حافظ رجب ماذا يقرأ الآن ؟ - يكفيني الآن الجريدة .. إنها بالنسبة لي ككاتب متوقف عن العوالم السحرية، فالاقتصاد أتابعه والسياسة عالمي المفضل، وصفحات الأدب أتابعها بحذر .. كل شيء تجده فضفاضا رحبا واسعا .. إن متابعة الجريدة كل يوم يستغرق أكثر من ساعتين .. وهكذا فالرحلة مستمرة بشكل ما.

الكثير من المتصوفة أحالوا رؤاهم الصوفية إلى أعمال أدبية إبداعية ومنهم على سبيل المثال محيي الدين بن عربي والسهروردي وابن الفارض وفريد العطار وجلال الدين الرومي ورابعة العدوية وغيرهم من الذين تركوا لنا تراثا صوفيا رائعا وهائلا، وأنت تمر الآن بحالة أقرب ما تكون إلى التصوف والتقرب من الله سبحانه وتعالى ألا تجذبك هذه الحالة لأن تعبر عنها في أعمال إبداعية جديدة برؤى صوفية جديدة ؟ - إنني في حالة حب وهيام مع الله (سبحانه)، ولأني أذنبت ذنوبا عظيمة فهو يعاقبني كما لم يعاقب أحد من قبل، ومع ذلك فهو يمنحني بعض العطاء بين كل حين وحين وقتها تفيض عيني من الدموع حبا ووجدا وغراما.
إنه لا ينسى الذنوب الكبيرة والصغيرة، لكنه يعطي الحب، فهو الحب ويفيض النهر بالماء العذب وتخضر الروابي، وتبتسم الدنيا في لحظات الصفاء، إن ما بيننا لا يمكن تصويره (الآن)، إنه الرب التشكيلي الأعظم، إنه الرب المصور الأكبر، إنه الرب الموسيقي الأقدر، إنه خالق النغم واللوحة والفن والفكر، إنه أنفاس الكون البهية، إنه الله الأجمل، والأبهى، والأحسن.
إن أنفاس الله تحيط بكونه .. وتحيط بي، إنه يعلمني الآن كيف أمشي .. كيف أتحرك .. كيف أغدو وأروح، إنه يعلمني الحب والصفاء والود والسلام، إنه المحيط الزاخر بنسمات الأمواج في عرض المحيطات، إنه يأخذ بيدي كما كان يفعل أبي (إنه سيدي ومولاي وربي) أرجو أن يغفر لي.
إنه يعلمني حب أهل الوطن، ويعلمني حب الإنسان، يعلمني حب مصر، ومنه علمت أنه يحب مصر، لذلك وأنا صغير أرضع من ثدي أمي، لا يمكنني التعبير في إبداع جديد عما يوجد بيني وبينه سبحانه وتعالى.

وأنت تعيش هذا الوجد الصوفي .. هل تتابع الحياة الأدبية الثقافية .. ولو من على بعد؟ وما رأيك فيها؟ - أتابع الحياة الأدبية والثقافية من على بعد. إن سبب هجرتي من تلك الحياة هو إدراكي للحقيقة المسيطرة على مكاننا المحدود من ذلك العالم، حقيقة اللاجدوى واللامعنى واللاأمل.
إن الإنسان المصري لا يتابع أبطال الحلبة الذين يتصارعون بقوة لجذب انتباهه إليهم، إن المعركة الأدبية الهائلة التي كانت موجودة عن الشعر العامي والشعر العربي لا يعرفها. إن هذه المعركة الدموية انتهت بلا شيء. ماذا تقول لكل من: يوسف إدريس ـ نجيب محفوظ ـ يحيى الطاهر عبد الله ـ جمال الغيطاني ـ يوسف القعيد ـ مصطفى نصر ـ أحمد حميدة ـ سعيد بكر ـ مجيد طوبيا ـ صنع الله إبراهيم ـ إدوار الخراط ـ بهاء طاهر ـمحمود عوض عبد العال ـ فؤاد حجازي ـ محمد الراوي ـ خيري شلبي؟ - تحية لصناع الكلمة في مصر ..
مبارك من يقول كلمة الحق ويمضي ..
يترك لنا آثار خطاه ثم يرحل ..
تحية لصناع الكلمة البواسل .. القلائل الذين قالوا كلمة الحق في عهد القيصر المجنون وإن كانوا يعدون على الأصابع ..
تحية لرموز نجيب محفوظ في رواياته في عهد الفاشيست وقت أن طبل أهل المزمار للقيصر..
تحية ليوسف إدريس، ورحمة ندية على روح يحيى الطاهر عبد الله الذي ذهب صبيا كعطر الورد المستباح ..
تحية لجمال الغيطاني الذي زاملنا في وقت الجدب ..
تحية ليوسف القعيد ومصطفى نصر وأحمد حميدة وسعيد بكر التشكيلي والدسوقي فهمي ابن متاهات القاهرة وبركة السبع ..
تحية لمجيد طوبيا الباسل وصنع الله إبراهيم ..
وتحية لابن جيلي والعذاب المشترك والكفاح القاهر الذي يتذكرني كثيرا في فصل الموات والرقاد خيري شلبي..
وتحية لصاحب الحيطان العالية كاتب القصة السامق إدوار الخراط صاحب (حيطان عالية) ..
وتحية لبهاء طاهر ومحمود عوض عبد العال وفؤاد حجازي ومحمد الراوي الذين يكافحون من أجل أن يشرق النور من بلادهم حيث العاصمة تستبد، وحيث الطغيان قاهر.

أنت صاحب الصيحة الشهيرة "نحن جيل بلا أساتذة"، فهل تعتقد أن الجيل الذي أتى من بعدكم "جيل بلا أساتذة" أيضا ؟ -إن الأجيال التي جاءت بعدنا أجيال رضعت اليتم حتى فاضت دموعها يأسا وتعبا، إننا منذ 40 سنة وكل الأجيال لا أساتذة لهم.

هل أنصفك النقد والنقاد سواء أثناء ممارستك للكتابة، أو بعدها ؟ -كانت صدمة الكتابات الجديدة شديدة على الأدباء والنقاد صدمة هزت استقرارهم الواهي .. فالمرحوم فريد أبو حديد اعترف في كلمة له بالثقافة الجديدة بأن إحدى قصصي مخيفة: خلفها أسرار مرعبة، أما باقي نقاد مجلة الثقافة فقد اتهموني بتعاطي الحبوب المخدرة، كما كتب ناقد (تقدمي) تحت عنوان ضخم (الكرة ورأس الرجل بين ضياع المنهج وضياع النتيجة)، كما كتب محمود أمين العالم في المصور كلمة لا بأس بها تحت عنوان (التعقيد المفتعل غربة عن الشعب والحقيقة)، كما كتب أحد صبيان التقليدية المصرية (المغرور الموهوم المبشر بسعادة الإنسانية)، كما قال يحيى حقي إن كتابته سريالية.

أخيرا .. انتشرت الكتابة المباشرة للتلفزيون، فهل تعتقد أن أدب التلفزيون هو الذي سيسود مستقبلا؟
- نعم إن التلفزيون هو الذي سيسود .. هو أدب وصورة وموسيقى وإيقاع وأدب تشكيلي .. هو فن متسلل قادر على النفاذ من الجلد والعظم حتى النخاع .. إنه يحتوي ويسيطر على الشيوخ والأطفال: قدرة جديدة من قدرات الله .. أوحى بها إلى الإنسان: إنها الكاميرا المقتحمة للدار والولد وأهل الدار، والمتفوقة على باقي أدوات التعبير .. إنه يتفوق حتى على كاميرا السينما: إنك وفي حضن الراحة وأنت في البيت أو القهوة وعن طريق تحريك أزرار صغيرة في إمكانك أن تلعب التنس مع فرنسي مرح أو تعبث بلحية رجل هندي من السيخ أو تلعب الكرة مع مجانين الكرة في المكسيك.
وأعتقد أن التلفزيون عندنا في حاجة إلى إبداعات كتاب الكلمة التي من الصعب ظهورها في كتب أو مجلات: الذين يقفون على الأرصفة يبيعون إنتاجهم في أكشاك بائعي الصحف ويموتون من الجوع والبرد: بمعنى الكتابة المباشرة له .. إنها أداة مخيفة ورائعة في نفس الوقت.

أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية