محمد بدر الدين يبدأ الطريق إلى سينما 25 يناير

لحظة كشف حقيقة

في كتابه "الطريق إلى سينما 25 يناير"، يتناول المؤلف محمد بدر الدين، بالنقد والتحليل التجارب السينمائية المصرية التي صارت على درب التنوير، وتعد بمثابة إرهاصات فنية لثورة 25 يناير في محاولة للربط بين علاقة السينما بنبض الشارع والجماهير.

وفي تقديمه للكتاب، يقول الناقد سمير فريد: فرحتي كبيرة بتقديم أول كتاب عن السينما للناقد السينمائي محمد بدر الدين؛ فهو ناصري في السياسة، أيديولوجي في النقد، رومانتيكي في الحياة، عندما جاء بدر الدين إلى القاهرة في مطلع الثمانينيات بعد أن قرّر أن يعمل في الصحافة والسياسة، متأثراً بالأستاذ هيكل، وأن يتخصص في النقد السينمائي، ربما متأثراً بكتاباتي، حيث ترجع العلاقة بيننا إلى سنوات دراسته الثانوية في مدينته المنصورة، حيث كان يرسل لي بالبريد خطابات مطولة، وكنت أرد عليه إعجاباً بأسلوبه في التعبير، وطوال العقود الماضية تابعت بالإعجاب تطور كتابات محمد بدر الدين في النقد السينمائي الأيديولوجي الناصري، حتى أصبح أهم نقَّاد هذا الاتجاه بين نقَّاد جيله.

يتكوّن الكتاب "الطريق إلى سينما 25 يناير"، الذي صدر مؤخرا عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة من أربعة أبواب، ففي الباب الأول "ثورة السينما وسينما الثورة"، يقول المؤلف: الثورة هي أعلى مراحل التغيير، وكل مرحلة ذروة في التغيير السياسي والاجتماعي لمجتمع تعني ثورة، وهذه المرحلة (الذروة – الثورة) تشمل بالضرورة تغييراً جذرياً مُماثلاً ثورياً في الثقافة والفنون.

وعلى سبيل المثال، ارتبطت ثورة عام 1919 في المجتمع المصري، بنهضة شاملة على صعيد الثقافة والإبداع، حتى إن أعظم نحت أقيم في تلك المرحلة هو تمثال "نهضة مصر"، أما الأعمال الجادة التي عالجت المرحلة الوطنية "ابتداء من ثورة 1919 إلى تجليات وأوج الحركة الوطنية في الأربعينيات"، وقد استند الكثير منها إلى الأدب مثل ثلاثية "بين القصرين" و"القاهرة30" لنجيب محفوظ.

وبعنوان "في سينما الثورة المضادة"، يقول الناقد: منذ العام الكارثي في تاريخ مصر 1974، تصوّر أو توهّم السادات ونظامه، أن بمقدورهما إعلان الاستناد من الآن فصاعداً إلى "شرعية جديدة"، أطلقوا عليها "شرعية 6 أكتوبر" التي تحل من اليوم محل شريعة ثورة 23 يوليو، واصطنعوا لها ورقة تحت مُسمى ورقة أو وثيقة أكتوبر.

وكان طبيعياً أن يكون التركيز على السينما بالذات واضحاً، فهي أهم فنون ووسائط العصر وأكثرها تأثيراً، ولم تكن البداية الفجة الصارخة كما هو شائع من خلال فيلم "الكرنك" عام 1975، وإنما كانت تلك البداية من خلال فيلم "الرصاصة لا تزال في جيبي" عام 1974، محاولاً تشويه ثورة يوليو وقيادتها في ظل زعم تقديم فيلم عن حرب وعبور أكتوبر.

ويشير المؤلف إلى نماذج من سينما 25 يناير، فيذكر: أن فيلم "اسمي ميدان التحرير" للمخرج الشاب علي الجهيني، يختلف عن غيره من أفلام الثورة من عدة وجوه، وظل الفيلم ممنوعاً لأكثر من ستة شهور، وطلبوا من المخرج حذف ثلثه، فرفض طبعاً، إلى أن أفرج عنه قرب مرور عام على قيام الثورة، وكان منعه بقرار أصدره وزير الإعلام الأسبق أسامة هيكل. وهنا يشير الفيلم بوضوح، ويقول: إن عصر جمال عبدالناصر على الخصوص هو العصر الذي نعمت فيه أكثرية جماهير الشعب بالطمأنينة والرضا، بسبب على حد التعليق "انحياز النظام الاقتصادي في عهد ناصر للطبقات الفقيرة والمتوسطة".

أما عن فيلم "بعد الموقعة" للمخرج يسري نصر الله، يقول عنه المؤلف: هو أول فيلم روائي طويل مهم قدّمته السينما المصرية عن ثورة يناير عام 2011، وعُرض في أكتوبر/تشرين الأول عام 2012 عرضاً عاماً للجمهور.

ويذكر الناقد: قضت المحكمة – حكماً ألغي لاحقاً – بحبس الفنان عادل إمام ثلاثة أشهر، بتهمة الإساءة للإسلام وازدراء الأديان، في أعمال سينمائية ومسرحية عُرضت له في فترات سابقة، ومع أن عادل إمام ليس من رموز الثورة المصرية في الفن، بل إنه كثيراً ما اضطرب أمام اندلاعها، وصرّح بتصريحات خائبة في قضايا الثورة، إلا أن الأعمال التي حُوكم ومطلوب حبسه ببثها تُعتبر من أفضل أعماله، خاصة فيلم "طيور الظلام"، كما أن مسرحية "الزعيم" التي يلعنها هؤلاء أيضاً، هي عرض جذاب يدين نمط الديكتاتور الطاغية، الذي يحكم البلاد وحاشيته الفاسدة، لصالح نفوذهم وترفهم، ولو على حساب أو جثث كل العباد.

ويذكر الكاتب: تظلم النظرة أو القراءة المتسرعة فيلم "هي فوضى" للمخرج يوسف شاهين، بأنها قد تعتبره فيلماً عن فساد شرطي صغير (أمين شرطة) يُدعى حاتم، الذي أدّاه بإحساس واقتدار الفنان خالد صالح، والحق أن فيلم شاهين الذي شاركه في إخراجه تلميذه خالد يوسف، وشاركه في كتابته السيناريست ناصر عبدالرحمن، طمح إلى أن يقدم بناءً فيلمياً مُتنامياً، ابتداء من رصد وتجسيد واقع الفساد و"الفوضى" إلى صورة من انفجار شعبي، وانتزاع الحقوق باليد عنوة.

وفي نهاية الكتاب، يقدّم الناقد "الفاجومي" الشاعر الثائر، قائلاً: فيلم "الفاجومي" الذي أخرجه عصام الشماع، وكتبه مُستمداً من مذكرات الشاعر أحمد فؤاد نجم بنفس العنوان، جديراً بأن يكون آخر فيلم ينتهي العمل به قبل ثورة 25 يناير 2011، وأول فيلم يُعرض بعد الثورة.

رجع الشماع إلى مذكرات نجم، واختار منها ما شاء، وقدّم ترجمة سنيمائية أو معادلاً بصرياً لبعض صفحاتها، والتي ارتأها مؤثرة، وتناسب الشاشة السينمائية، وقدّم خلال ذلك نجم بصورة تقريبية، أو على نحو يعطي فكرة عنه كأديب صعلوك فذ، مشاغب وتأثر مدهش، إنسان يتسم بنوع من الانطلاق، إن لم يكن بشيء من الفوضوية في المسلك والإحساس بالحرية، "هو الفاجومي الذي لا يهاب أحداً أو شيئاً، ولا يأبه لنتيجة أو تبعة"، لكن مع درجة قصوى من الحزم والصرامة في عشق الوطن والدفاع عن مصالح شعبه "مصر العشة لا مصر القصر، حب تعبيره الشهير".

وفي خاتمة الكتاب، يقول المؤلف: إن ثورة يناير مثلها ككل الثورات، هي لحظة كشف حقيقة، وكشف حساب، لكن على الفنانين الذين تقدّموا ضمن الجماهير الثائرة، مسئولين أن يقيموا اليوم كياناتهم الخاصة المستقلة، وفق تصورات جديدة تليق باللحظة الجديدة، وأن يتفقوا على صيغ متنوّعة من أجل الإنتاج، بعيداً عن التجارب في الفن وبالفن. (خدمة وكالة الصحافة العربية)