محمد المر يرصد تحولات المجتمع الإماراتي في إبداعه القصصي

بقلم: ريم العيساوي
الإبداع انعكاس إيجابيّ للواقع أم كسر له؟

إنّ الإبداع انعكاس إيجابيّ للواقع و تأتي القصة في التعبير عنه من أكثر الأنواع الأدبية تجسيدا له ويعود ذلك لطبيعتها الفنية واتساع مجالها وتعدد شخوصها وتنوع أحداثها مما يمكنها من تناول العديد من القضايا والمشاكل والمضامين التي يزخر بها ذلك الواقع.
وفي الأدب العربيّ عامة والأدب الإماراتي خاصة يعزى نشأة القصة إلى حاجة اجتماعية قبل أن تكون حاجة فنية، وإنّ وظيفتها الاجتماعية من أبرز الدوافع لكتابتها،
ولعلّ هذا ما فسّر به الكثير من الدارسين ذلك التلكؤ الطويل الذي مرّت به القصة حتى انخرطت في زمنها الفني وأنجزت تجاربها المعتبرة، وأصبح التعبير عن قضايا المجتمع ومشاكله هدف الكاتب القصصي وإبداعه مرآة عاكسة للتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بل والحضارية عامة.
وضمن هذا الإطار يمكن القول إنّ فن القصة فن ملتزم، ومن هنا تحتلّ مضامينها
الأهمية قبل أساليبها الفنية وتقنياتها الجمالية.
و من الأسماء القصصية في الإمارات يأتي الكاتب محمد المرّ في الطليعة متبوّئا
مكانة أدبية رفيعة لما في إبداعه من ثراء و عمق، وتختص هذه الدراسة بالجزء الأول
من أعماله القصصية الصادرة عن دار العودة ببيروت سنة 1992م والبالغة 400ص.
فما هي المضامين التي عبرت عنها قصصه؟ وما هي القضايا التي تناولها؟

لا شك أن مجتمع الإمارات الذي تحول من مجتمع تقليدي إلى مجتمع حديث نجم عنه الكثير من المشكلات صورها محمد المرّ تصويرا دقيقا، ويمثل المضمون الاجتماعي السمة الأبرز في مجمل نتاجه سمة تلازمه وتمنحه صفة المحلية المتفردة.
تتناول قصص محمد المرّ المجتمع الإماراتي من كلّ الزوايا وتجسد كل القضايا المتعلقة به، انطلاقا من الصراع الذي تولد عن بنية المجتمع الجديد والاصطدام بالتغيرات السريعة والتحول الطبقي نتيجة ظهور النفط وما رافق هذه المرحلة من
تغير في البنية الاجتماعية وعمق صدمة المجتمع بسبب هذا التحول الطبقي، يعبر عيسى إحدى شخصيات قصصه عن دهشته قائلا:"المال الذي يأتي بدون تعب لا يبقى...شيء غير معقول، حتى الخدم والسماكين والبحارة أصبح عندهم الآن سيارات وخدم ...شيء عجيب أناس كسالى، لا يعملون ويحصلون على كثير من المال، حتى البدو أصبحوا ينفقون ويبذّرون الآلاف في زيجات أبنائهم."(ص53 قصة الأب والابن).
وصور محمد المرّ الفجوة بين الأغنياء والفقراء في موقف الطبقة الفقيرة من المال:
" إنّ المال مثل الذباب لا يسقط إلا على الوساخة " (ص 18 قصة العروسة).
كما جسد محمد المر سمة تلك الطبقية في الموازنة بين البيوت الشعبية البائسة إلى
جانب البيوت الفاخرة المجهّزة بالآليات المعاصرة والإنارة المبالغ فيها :"تحول البيت إلى كتلة من نور في وسط بيوت الطين والسعف التي كانت مصابيح الغاز لا تكاد تضيء بعض حجراتها وخيامها" (ص251 قصة لماذا ضربت فطوم الورد جارته).
ولم يقف محمد المرّ في تصوير هذه الطبقية عند الجانب النفسي والوجداني بل جسّدها من خلال الهندسة المعمارية في المطاعم الحديثة التي تخصص فرقة موسيقية في الطابق الأول ولا توفرها لرواد الطابق السفلي" الكهف".
ألا يعكس هذا موقف الكاتب من نتائج التمدن؟ ألا نستشف وعي المثقف بواقعه ذلك الواقع الذي تغيرت فيه القيم الأصيلة؟ إنها قيم جديدة انقلبت فيها الموازين صورها محمد المرّ من خلال التناقضات داخل المؤسسات الوظيفية عبّر عن هذا "جاسم" رئيس قسم إحدى الوزارات بقوله:
"والله مسخرة، ستّ عشرة سنة دراسة، وتغربنا عن أهلنا، وامتحانات وسهر ورسائل للأهل وجامعيين والنهاية فراش يتقاضى راتبا أعلى منّا"(ص56 قصة لصوص)
ويحلل محمد المرّ هذه القضية ويسلط عليها الضوء بأسلوب ساخر كاريكاتوري في وصفه للحيل التي يعمد إليها بعض الفقراء للحصول على مال الزكاة من التجار الأغنياء.في مجلس متجر أحد التجار يقص حكاية الرجل المقنع :"ولكن الشيطان خالد كان جالسا على الكرسي الذي تجلس عليه أنت، فمدّ يده بشقاوته المعهودة وسحب برقع تلك المتسولة فإذا بها رجل له لحية وشارب، وفي وسط دهشتي و ضحك خالد سحبت المرأة الرجل برقعها من خالد ورفست باب المتجروانطلقت هاربة ركضا" ( ص 59 قصة لصوص) ولا يكتفي الفقراء في قصص محمد المر بالتقنع بل يتقنون أساليب التنكر في صورة مرضى ومكسورين لاستدرار عواطف الأغنياء وجني المال. إنّ قصص محمد المر تشريح مجهريّ لطبقة من الهامشيين تعيش طفيلية على المجتمع.
و يمثل المال والربح المادي هاجس المجتمع الجديد، وقد عرى محمد المر ّلعبة شراء الأسهم وعمق المخاطر المحدقة بها وجسّدها في صورة مأساوية وهي إصابة أحد تجارها بالفالج أو صورة الأب الذي يخاطب ابنته المعاقة عبر الهاتف، وهي مريضة بالمستشفى و بدلا من السؤال عن صحتها، يبادرها بالحديث عن مسائل مادية:
" ابنتي العزيزة، أتذكرين الأسهم التي كلمتك عنها في الأسبوع الماضي لقد بعتها كلها، بعتها بسدس الثمن الذي اشتريتها به، طبعا خسارة ولكنها أفضل من الخسارة الكاملة" (ص 13 قصة حب من نوع آخر).
ألا تكشف قصة "حب من نوع آخر" الخلل الذي طرأ على العلاقات الوجدانية؟ كما يبرز هذا الخلل في صورة الشاب الذي نسي والده الميت وانصرف يعدد قيمة التركة.
إنّ هذا الخلل وسم بعض شخوص قصصه بالسلوك العدائي الذي يمليه الهوس من أجل المادة ولا غرابة إذا كان الدولار غالبا على الخطاب اليومي وعنوانا ومقياسا قيميا
كما جاء على لسان الشاب سالم "دولار" الذي يريد الزواج من فاطمة :"يجب التأكد من أنّها دولار، لخاطر عيني فاطمة سالم مستعد أن يتساهل في شروطه قليلا إذا لم تكن دولارا فلا بأس أن تكون جنيها أو ماركا على الأقل أي من قبائل معروفة مثل قبيلته...وجاء الاكتشاف صدمة رهيبة له : فاطمة والدها بيسري وأمها بلوشية...إنها ليست دولارا إنها روبية هندية" (ص 312 قصة دولار وروبية).
و في تناول القاص محمد المر قضايا الأسرة وما طرأ عليها من تفكك يتطرق إلى وضعية المرأة وكل ما يتعلق بها من مشاكل ومنها قضية الزواج بالإكراه وما ينجرّ عنه من توتّر في الحياة الزوجية، ويصف محمد المر في قصة "حب من نوع آخر"
حالة الزوج الذي هجرته زوجته وتركت له ابنة مشلولة وقد أجبرها أهلها على الزواج وعمق مشاعرها تجاه زوجها تصرخ معبرة :"طلقني فأنا أكرهك،أكره رجلك العرجاء،أكره ثيابك المملوءة بالقمل، أكره فمك الذي يسيل لعابه دائما ببلاهة طلقني أريد أن أعيش".
ألا يبدو الزواج بالإكراه من خلال ما وصفه محمد المر موتا للمرأة؟
وينقد المر الزواج غير المتكافئ بين خلفان وامرأة من وسط شعبي دون طبقة أسرته
ورغم نصائح أهله تزوجها فكانت حياته الزوجية باردة إلى حد الملل وهو مقرف من تصرفاتها ومن طريقة تناولها الطعام ونهمها المفرط ويسخر من بدانتها :"إنها ليست حاملا ومن يرها يظن أنها حامل بأربعة توائم ولو أنه لم يهد سيف جده للمتحف لطعنها به في ذلك الكرش المنتفخ...كره المرق الأحمر وهو يلون يديها "(قصة ملل ص 34)
ومن أثر التحولات الاجتماعية إقبال المرأة على مظاهر التمدن ومبالغتها في الإسراف والتبذير والانبهار بملذات الحياة والإقبال على الموضة ومغالاة أهلها في قيمة المهور وهي أسباب تدفع الرجل إلى الزواج بالأجنبيات وهذا ما وصفه الكاتب في تكاليف زواج سالم من حمدة: بدأت استعدادات الزواج، أعطاها سالم خمسين ألفا كمهر وتكفل بباقي المصاريف، مصاريف الزواج كانت فظيعة ومهولة بعد عقد الزواج، بعد عقد الزواج قال لحمدة وهو يمازحها :"خمسون ألفا لو ذهبت إلى الهند لتزوجت خمسا وعشرين زوجة وأصبحت مهراجا هنديا. ولو انتقلت إلى عصر أمك وأمي عندما كان المهر بخمسمئة روبية لتزوجت بمئة زوجة وأنجبت ألفا من الأطفال.
تغتاظ حمدة وتقرصه من خده بدلع : يعني أنا بضاعة غالية.
_ طبعا بضاعة غالية وكسولة أيضا". (قصة حلم جميل ص 64).
وجاء على لسان سالم مقارنا أمه بخطيبته :"والدتي كنت أشاهدها عندما كانت تكنس فناء البيت المترب، فإنها تنخل كل التراب الموجود في الفناء، ولا الأوروبيات نظيفات نظافة أمي، أما بنات اليوم فماذا يفعلن ؟تلفزيون سوق،تلفون،سوق، زيارات، سوق"(قصة الحلم الجميل ص 64).
ويقدم لنا محمد المر تنويعات مختلفة لشخصية المرأة وهي شخصية نابضة بالحياة تعيش صراعا مزدوجا مع نفسها ومع المجتمع وهو صراع معبّر عن معاناتها وصور أسباب ذلك التأزم والتي منها العنوسة وهي ظاهرة ناتجة عن التساهل في الزواج،
جاء على لسان بدرية في قصصه :"أمها تزوجت ثلاث مرات،عمتها تزوجت مرتين خالها تزوج ثلاث مرات...عللت بدرية تلك الظاهرة بأن المسألة عرض وطلب مثل قوانين الاقتصاد، قبل البترول كان الرجال يضطرون ويقبلون بعرض الداخل فيتزوجون في بلدهم لأنّ السفر للخارج لم يكن متيسرا للغالبية العظمى، فلم يشكل
العناس ظاهرة وقل عدد المطلقات...سمعت من أحد الوعاظ أن المرأة في صدر الإسلام كانت تخطب لنفسها، فكرت بالأمر،لو ذهبت وعرضت نفسها لأحد أبناء الجيران ممن تستلطفهم بدون سابق علاقة، ستصبح قصتها نادرة من النوادر وستضخك عليها كل مدينة دبي"( ص391 قصة القرار الأخير).
فالعنوسة سبب لتعاسة المرأة، حتى وإن كانت متمتعة بوظيفة تدمجها في دورة الحياة فهي تفتقر للسعادة، يصف المر عائشة إحدى الموظفات في قسم القروض بالبنك تملك سيارة، لكنها تعيش حياة بلا معنى لأنها عانس :"أوقفها الضوء الأحمر عند إحدى إشارات المرور حياتها مضطربة وتعيسة، ماذا ستفعل بعد ذلك؟ لا تدري أحست بمقدار هائل من الكآبة، نزلت الدموع من عينيها...إمكانية زواجها صعبة لأنها قد تخطت التاسعة والعشرين وهي مزاجية، أفلتت من يدها بغبائها المثالي ثلاث مرات فرصا ذهبية للزواج"(ص 392 قصة القرار الأخير).
ولا تخفى الصورة السلبية للمرأة في قصص المر خاصة بين شريحة النساء الفقيرات اللاتي لا دخل لهن سوى مساعدة الشؤون الاجتماعية فقد نقل لنا ثرثرتهن وما فيها من أحاديث عن الانحلال الأخلاقي واكتشاف بعض الأزواج خيانة زوجاتهم وما ينجر عن هذا السلوك من طلاق وضياع للأطفال.
وإن بدت صورة المرأة في قصص محمد المر صورة الضحية للظروف الجديدة والقيم التي أفرزها التحول وهي ترزح تحت وطأة الأسرة أو الزوج أو الشؤون الاجتماعية
فهي في بعض قصصه جريئة ذات جرأة غير عادية فنقل لنا سلوكها نقلا أمينا بعيدا عن كل الذاتية وهي نوع من الموضوعية هدفها علاج الظواهر اللاأخلاقية واعتبار
الفن القصصي فنا ملتزما يخدم قضايا المجتمع.
صور محمد المر تلك الجرأة في حوار إحدى النسوة المنتظرات للمساعدة الاجتماعية :".. مجموعة من بنات الأغنياء قمن باختطاف شاب وسيم متواضع الحال واحتجزنه في مزرعة منعزلة..."(ص 91 فوق تحت).
كما وصف جرأتها وعدائيتها في شخصية فطوم ليلش التي"طلقها زوجها حسب القصة عشرين مرة وكل مرة يرجعها وعندما يراها في الأعراس ترقص ينهرها فتضربه بقطعة خشب فيشج رأسه ويدخل المستشفى "( قصة خروج 174).
إن صورة المرأة في قصص محمد المر صورة معقدة لما فيها من التباين والتناقض
ولعل ذلك التعقيد وجوه لحقيقة أبعادها الإنسانية المتأثرة بالتغيرات الجديدة.
وكثيرا ما ترتبط صورة المرأة بالجريمة،ففي قصة " سيقتلونك " روى قصة سالم الذي أحب حبيبة وهو يعرف سلوكها وقادته الغيرة عليها إلى تصرف مجنون أدّى بحياته.
وفي قصة "امتلاء يد فارغة " صور نهاية آمنة الدرامية فقد ارتبطت بخلفان الذي يملك كراجا صغيرا و توطدت العلاقة بينهما وفي شهور خمسة زاد ولوع خلفان بها وطلبها للزواج لكنها رفضته بعد أن جعلته متيما بحبها.
وبسبب العذاب الذي ذاقه من صدها قرر تعلم لعبة الكراتيه حتى ينتقم منها وتصيدها وهي خارجة من صالة العرس" امتدت الأصابع التي مثل المواسيرالحديدية و أطبقت على عنقها بحركة خفيفة همدت بعدها على كرسي السواقة."(ص 371).

ومن القضايا التي عالجها في قصصه وتخص المستوى الفكري للمجتمع قضية العادات والتقاليد ومنها كيفية العلاج الشعبي وقد ألح المر على طريقة علاج مرض الجدري في مرحلة ما قبل النفط مصورا خطورتها ومأساويتها مجسدا ما يلاقيه المرضى من نهاية مؤلمة :"بإقصائهم ووضعهم في أماكن على خور دبي في طرق ديرة لعزلهم، ينقل لنا على لسان أحد المجدورين يتحدث عن صديقه :" بعد أربعة أيام بدأت بثور صغيرة بالظهور...حضر أحد أعمامه وحمله إلى الحجرات الصغيرة لعزل المجدورين في الأيام الأولى لوجوده في إحدى تلك الحجرات الشبيهة بالأقبية كان يسمع أنات المجدورين وتنهداتهم،كان بعضهم يهذي وآخرون يتلون ما يحفظون من آيات قرآنية متقطعة وأدعية بأصوات ضعيفة ضارعة."(ص 49 قصة الأب والابن ).
حملت قصص محمد المر في نقده لسبل العلاج البائسة واقعا قاتما يحدق به كابوس الموت ولا يخفي موقفه الداعي إلى الوعي والإصلاح، و تتشكل صورة الموت بكل تفاصيلها في قصة الطفل سليمان الذي لقي حتفه ":سليمان بعكس كثير من الصبية
في حي الشندقة لم يكن أسمر بل كان أبيض أشقر وعيناه خضراوان يلقبونه بالانجليزي وعيون القطة كان جميلا ولكن الجدري شوه وجهه بشكل عنيف قدم له سالم المشرف بعض الرز فلم يستطع أكله،مات في نفس الليلةالتي أحضروه فيها "
( قصة الأب والابن ص 49).
و لا تقل قضية الحجامة عن سابقتها في المأساوية،تلك العادة القديمة في فصد الدم عن طريق القرون، نقل الكاتب مخاطرها المفجعة ونهايتها المؤسفة بوفاة الأب ماجد الذي تخاصم مع الحجام بسبب ثمن الحجامة صور محمد المر تفاصيلها في هذا المشهد العدائي :"...غضب والد عيسى وسحب الأجرة منه وأمسك بيد عيسى واستدار لينصرف،وقف الحجام وأمسك بطرف عباءته،أفلت ماجد يد ابنه من يده وتلاحم مع الحجام،كان ضعيفا بفعل الحجامة ونزيف الدم منه،ولكنه استطاع أن يطيل أمد المعركة،أمسك الحجام بسكين كانت لديه وطعن ماجد،نفذت السكين إلى القلب،وقع ماجد،تلفت الحجام حوله ثم هرب...تاركا الجثة وأدوات الحجامة..."(ص 48 قصة

الأب والابن).
كما صور محمد المر عادات أخرى كثيرة كان المجتمع الإماراتي يمارسها أو يعتقد فيها مثل التبرك بالأولياء وأصحاب الكرامات وعادة الكي عند لدغ الحية وعادة تزيين العروس وعادة الاحتفال بالسجين عند إطلاق سراحه ووثق العديد من المظاهر الفولكلورية في طريقة اللباس وطرق إعداد الطعام وأساليب الألعاب ونقل أغاني البحارة وانتشار بعض الأغاني الشعبية الخليجية كموسيقى النوبان وانتشار حفلات الزار.
ومن القضايا التي عني بها القاص محمد المر قضية الشباب وافتتانه بمظاهرالغرب
بعد طفرة النفط وكيفية تقليده له ونظرته للحرية يصف لنا الشاب عبود الذي لقب بالأمريكاني :"عشق عبود الأفلام الأمريكية.. والبنطلون الضيق وتسريحة الشعر والحزام الجلدي مثل أفلام الكوبوي حتى أن الناس ينادونه عبود أمريكاني "(ص 40
قصة عبود أمريكاني).

كان عبود رمزا للشباب الذي يعيش حياته بلا قيود أخلاقية صور سلوكه العدائي :"في إحدى الليالي غضب عبود على أحد الجرسونات الهنود،لأنه طلب منه أن يزيد له البصل في الطبق،فلم يفعل فما كان من عبود السكران إلاّ أن لطمه على عينه اليمنى بكل قوته ففقأها (..) نام عبود ثلاث ليالي في السجن وأخيرا تنازل الهندي عن حقه
بفضل كرم خال عبود الذي دفع له ألف درهم" (ص 41 قصة عبود أمريكاني).
ولم يقف محمد المر عند تصرفات عبود في بلده بل صور سلوكه خارج الوطن
عندما رافق خاله الذي سافر للعلاج بلندن، وبحكم طبيعة عبود المنبهرة بالغرب
يصفه الكاتب قائلا :"لم يقض ثلاثة أيام في لندن، أصبح عضوا في جماعات البانك"
وقلدهم في لباسهم الغريب ووضع قرطا في أذنه اليسرى وسرح شعره مثل عرف الديك.(ص 43 قصة عبود...).
إن الصورة التي رسمها المر عن الشباب العربي المنبت عن قيمه الأصيلة تبدو باعثة للسخرية والاشمئزاز وفي ذلك منحى لنقد المظاهر السلبية في شبابنا نقدا لاذعا هادفا للتمسك بأصالتنا وإرثنا العريق.
وتكشف قصص محمد المر انتشار آفة المخدرات موثقا لها في الزمان والمكان ؛"منذ ثلاثين سنه كان يباع في أسواق الأدوية والغليون في ديرة منه، يباع بروبية واحدة "(ص 239 قصة الافيون والحب ).
ويرسم صورة الإدمان المنفرة والهادمة لإنسانية الإنسان رسما فنيا عن طريق الحوار
على لسان رجل مدمن :"هل تعودت عليه؟
- طبعا في كلّ يوم كنت أذهب مع زميل لي إلى الخيمة في فريج البلوش في بر دبي وندخن الترياق من وقت العصر إلى العشاء وبعدها نشرب عرقا إيرانيا إلى منتصف الليل...
- لماذا كرهت الترياق ؟
- كرهته لأنه عزلني عن الناس...أصبحت قذرا ونحيلا ...أصبحت لا اشتري إلا الترياق الذي امتص كل رأسمالي، وأخذت بعد ذلك أعيش على صدقات أمي "( 239 قصة الترياق والحب).
ومن قضايا الشباب التي عالجها محمد المرسفر الشباب إلى الخارج وضياعهم بالانقطاع عن الدراسة أو بالميل إلى سلسلة من الغراميات ومنهم من يمارس العنف مع أبناء البلد الذي هاجر إليه فيلاقي مصيرا مظلما :"يتعارك أحدهم مع أحد الشباب الانجليز السكارى الذي يسب العرب ويشتمهم فيطعنه بسكين،بعدها يؤخذ إلى السجن، وبعد أربعة أشهر تتدخل السفارة ويفرج عنه" 0 ص 76 قصة السكرة والفكرة).
وتتعدد مخاطر السفر على الشباب في قصص المر وخاصة وقوع البعض منهم في علاقات مع فئة من النساء يجنون منها المصائب والأمراض الكثيرة ومنها حالة الهيام التي يقع فيها البعض. وصف المر نفسية حميد قائلا:"أما حميد فبدأت علامات الفراق عليه، فكسل في عمله ويستغرق في التفكير والتذكر...وأخذ يتفجع بشكل أكثر حميمية مع أم كلثوم حزنا على فراق أحبائه"( ص 160 قصة العاشق).
ولم يغفل حوادث الطرقات التي تحدق بالشباب فالواحد منهم يغادر السجن ويرجع إليه في نفس اليوم بسبب اختراقه لقوانين السير.
وتبرز قضية المدينة من القضايا الرئيسة التي تطرق إليها وهي مدينة دبي، صورة عجيبة لبنية مجتمع متداخل اللغات والجنسيات والعادات والثقافات وصفها على لسان المدرس الملقب بالمحنط :"بلد عجيب،خبزه يخبزه إيراني،صاحب المطبخ هندي
النجار بنجابي،الذي يكوي ملابسك مدراسي،سائق التاكسي باتاني،الكهربائي باكستاني البائع هندي،الممرضة التي تضربك بالحقنة سيلاتية،ونحن مثل طيور وأسماك الزينة "(ص 383 قصة شيء من الحنان).
إنها مدينة تذوب فيها الشخصية المحلية ويحضر بدلها خليط متباين يخفي الكثير من الممارسات السلبية البعيدة عن المجتمع العربي والإسلامي.
وفي تركيز محمد المر على المظاهر السلبية للواقع الجديد جعل صورة المدينةغير مشرقة، تغلب عليها السوداوية :"رصيف الخور أسود طويل مظلم تصطف محاذاته
بعض السفن الخرساء الكئيبة، وعليه بعض شباك الصيد الحديدية التالفة...لماذا لا يحدث شيء يغير هذه الرتابة المخيفة؟"( ص 27 قصة ملل).
و كثيرا ما يقارن بين صورتها الرومنسية قبل النفط وصورتها المزدحمة بعده، محللا أثر هذه الرتابة على نفسية الإنسان. ولا ينسى أثر التلوث الحاصل من إحداث الطرقات وموت الحيوانات بأعداد هائلة :" في إحدى الليالي أحصى عشرين قطة وكلبا دهستها السيارات في أماكن مختلفة من ديرة لا يدري ما سبب ازدياد عدد القطط والكلاب المدهوسة في الشوارع "( ص 36 قصة ملل).
إنها صورة غير واقعية توحي بالكآبة والاختناق تسد مواطن الجمال في الطبيعة وتعكر صفاءها :" مياه الخور سوداء الأبوام والسفن الخشبية الصغرى ترقد مثل أبقار سوداء على امتداد رصيف الخور تخيل أنه يسمع أصواتا تتأوه،روائح الزيوت البحرية تسد أنفاسه، مد بصره عبر الخور إلى الضفة الثانية إلى منطقة الشندقة
السكينة وراءها رافعات الميناء الكبيرة كأنها حيوانات و وحوش عملاقة تهم بافتراس بيوت الشندقة الصغيرة".
لقد استأثرت مدينة دبي بكل تفاصيلها بنصيب الأسد في قصص محمد المر وهي تعكس البيئة المحلية بكل مظاهرها، بدءا بجغرافيتها و أحوال الطقس والمستوى المعيشي لأفراد المجتمع و نوع العلاقات التي تأثرت بالتغيرات الاقتصادية و جاءت قصصه لوحات معبرة تعبيرا صادقا وواقعيا مجسدة آثار التغيرات السلبية.
ولم يغيب محمد المر هموم المواطن وقضية الاغتراب ومسألة العمالة الوافدة التي عالجها معالجة إيجابية.كما جاءت قصصه توثيقا لكثير من الأحداث السياسية في منطقة الخليج و في العالم و لا تخلو من عناصر سياحية تبهر الزائر لما فيها من مظاهر تراثية وفولكلورية. لقد وصف لنا محمد المر واقع مجتمعه بكل أمانة وموضوعية، وصفا ملتزما يعكس وعيا حادا بقضايا الأدب في علاقته بالمجتمع.
وإذا ألح على الجوانب السلبية في واقعه يبقى تناوله له من زوايا إنسانية أولا ومن زوايا إبداعية ثانيا.

ريم العيساوي
كاتبة وناقدة تونسية مقيمة في الامارات