محمد العشري في هالة النور

بقلم‏:‏ د‏.‏ صلاح فضل

روائي شاب ذو تكوين علمي متين‏،‏ وطموح فني متدفق‏.‏ أبدع في عدة أعوام بضع روايات لافتة يستحق عليها حسابا نقديا عادلا‏ لأنه يجرب تشكيل خبرته المهنية ـ إذ يعمل فيما يبدو جيولوجيا في إحدى شركات البترول‏-‏ وتحويلها إلى صيغ مغامرة في فن القص‏.‏ يصر على اثبات حضوره المنافس والفائز في بعض الأحيان في المسابقات الإبداعية مما يقتضي عناية نقدية خاصة في قراءته وتشجيعه‏.‏
والواقع أن محمد العشري لا تنقصه الشجاعة في تجريب إدماج معلوماته العلمية في نسيج سرده وإضفاء صبغة جمالية عليها لكنه يتعجل كثيرا في هذا الصدد فلا يدع خبرته تنضح برفق على لغته وتخيله بل يقحمها في عمله منذ الوهلة الأولى بشكل يستفز بعض القراء فلا ينشط لمتابعته بالحماس ذاته‏.‏ في الرواية التي نعرض لها اليوم ‏'‏هالة النور‏' -‏ وهي تختلف جذريا عن ‏'‏نقطة النور‏'‏ الرائعة التي سكبها بهاء طاهر على عيوننا منذ سنوات‏-‏ يفاجئنا المؤلف الشاب بتقرير أحد شخوصه ويسمي‏ '‏حسام‏'‏ عما قام به في موقعه البترولي في الصحراء حيث يعطي لرئيسه "بيانا‏‏ بنتائج التسجيلات الكهربائية للبئر‏‏ متضمنة سجل تفاصيل الطبقات الأرضية من السطح الخارجي حتى العمق النهائي المحفور على بعد تسعة آلاف قدم مما يدلل على احتمالات وجود الزيت في الطبقة المستهدفة من الحفر الى ذلك العمق."‏ ثم يأخذ في وصف ما ترسمه أجهزة الكمبيوتر من منحنيات خطية يستطيع أن يحللها حسام ويترجمها إلى أرقام ووصف الفتحات المسامية بين حبيبات الرمال الدقيقة مما يسمح بمرور السوائل فيها وكيفية قياس الضغط المحبوس في هذه الأعماق الى غير ذلك من المعلومات الجيولوجية التي كررها من قبل بالتفصيل في روايته السابقة ‏'‏ تفاحة الصحراء‏'‏ كما كرر أيضا واقعة ضلال السائق في متاهات الصحراء الشاسعة المخيفة‏.‏ ومع أنه يمتلك قدرة فذة على تذويب حدود الواقع والخيال في كتابته والقفز عليها برشاقة فائقة فإن ما يصبه على رأس القارئ من معلومات منهمرة غير مقطرة لا يحيل التجربة الأولية الى طاقة جمالية كافية لإضاءة عالمه الإبداعي ولا يترك فرصة الترسب البطيء في وجدان قرائه‏.‏
فهو في طموحه العجول لاحتواء الكون بقبضته الصغيرة لا يكتفي بالغوص في أحشاء الأرض بل يتبع ذلك بالتحليق في أجواز الفضاء بالجرأة ذاتها‏.‏ يقول مثلا في الفصل المسمي‏ (‏خ ـ‏)‏ إذ يلتزم نظاما طريفا لترقيم فصوله طبقا لحروف الهجاء‏‏ "استولت قبة النجوم الزاهية في الليل الصحراوي على رأس حسام تماما أخذ يتتبع علامات وخطوط الخرائط النجمية القديمة المقسمة الى اثني عشر برجا والتي تملأ السماء بحيوانات وحشرات وأدوات لها تاريخ وبطولات مرتبطة بمصير وحياة الإنسان‏.‏ التقطت بوصلته الداخلية من ذلك الزخم النجمي الهائل هيكل برجه المميز بوتره المشدود وسهمه المصوب وكائنه الأسطوري ‏«‏القنطور‏» الذي نصفه الأعلى إنسان والأسفل حصان يوجه رمحه الى أعدائه مخترقا الكوكبة المكونة لبرجي العقرب والسرطان‏...‏ الخ‏."
ومع أنه يستثمر هذه البيانات ليطلق العنان لخيال بطله في رحلة روحية الى طبقات الكون العليا ومجموعاته الشمسية وتكويناته الكوكبية تمهيدا للتركيز على ما يسميه الكوكب العاشر المفتون بنظامه العلمي وبنيته المجتمعية وما ينجم عن ذلك من وقوع هالة النور الصاعقة على الصحراء الغربية بالرغم من كل ذلك فإن حشد المعلومات الفلكية المكثفة الى جانب سابقتها يحيل الرواية الصغيرة الى كتيب شبه علمي مثقل بالبيانات المحشوة وكان يكفيه مثلا أن يصف المشهد الذي واجه حسام عندما ضلت سيارته في عمق الصحراء وانهالت أمامه جدران الرمال المتناثرة من صواعق الضوء الغامر حتى وصل الى هوة كبيرة‏ "قطرها ثلاثون مترا وعمقها خمسة أمتار‏..‏ وقعت عيناه على شيء أبيض منتصب في الوسط‏..‏ نزل الى الهوة اتجه صوب ما رآه شعر بسخونة تحت قدميه وأنفاسه تتردد بترقب‏.‏ وجد راية ضوئية بيضاء مفروشة في الرمل على حامل ضوئي لونه أصفر مكتوبا عليها بلغات مختلفة جلس أمامها على ركبتيه حاول تفسير كلماتها‏:-‏ (‏حقل السيليكا الجافة الصحراء الغربية‏-‏ معمل أبحاث الطاقة‏-‏ كوكب العاشر‏)‏ ومع أن افتراض خضوع هذه الغزوة الفضائية لنظم العمل البشري المعهودة وحل رموز اللغة بترجماتها حتي العربية غير محتمل كثيرا فإن الاكتفاء بسرد المشهد والمواقف والبعد عن استعراض المعلومات وترك هامش يسير من الغموض الذي يوشح الأحداث بغلالته الفضية كان أقرب الى منطق السرد الفني الجميل‏.
الإمساك بالخيوط الروائية‏
يصر محمد العشري في بنائه الروائي على اللعب بعدد من الخيوط القصصية المتوازية‏.‏ فينجح في تضفير بعضها ودمجه ويترك بعضها الآخر متناثرا غير مجدول‏.‏ متعمدا فيما يبدو إضفاء لون من الحداثة التجريبية لمحيرة للقراء متنقلا من صيغة سردية تعتمد على الراوي الغائب الى صيغة أخري تتخذ ضمير المتكلم‏.‏ فهو في الفصل التالي مباشرة ‏'‏ ب‏'‏ يتحدث بلسان حسام ذاته قائلا‏:‏

رأيتها للمرة الأولى في الطريق تلفت منجذبا نظرت إليها ساهما فضحكت مغلقة رموشها القصيرة‏.‏ خفق القلب خفقة مباغتة انتفض بعدها وانفجر في صدري بعد سكونه زمنا حتى ظننت أنه مات ولا أحد يستطيع أن ينتشله من نومه‏.‏ ارتفع ساق الورد بسرعة وازدهر محمرا قطفت وردة من بائع متجول صدرتها في مواجهتها‏.‏ تلون وجهها بخطوط الخجل‏.‏ تلعثمت كلماتها تقدمت منها خطوة وضممت كفي الى بعضها‏.‏ تفتحت وردة الابتسام بيننا وأطلقت أريجها المنعش‏'‏ ثم أخذ يصف بهذه الخفة النزقة قصة حب مراهق يأسر انتباه رفيقته بحيل طفولية بسيطة ومبتكرة على حد تعبيره مثل رسم قصاصات من الورق عليها قلوب ناطقه بكلمات الحب الملونة ونثرها في الهواء‏.‏ وتنضج هذه العلاقة حتى تفضي الى قدرها المحتوم بتحديد موعد للقاء الأهل وطلب اليد‏.‏ لكن استدعاء الشركة له للقيام بمهمة عاجلة لا تقبل التأخير في الموقع الصحراوي هو الذي يعلق الموعد المنتظر ويبرر إصرار حسام على ركوب الخطر وعدم انتظار سيارة الشركة المجهزة للعودة به الى المدينة مؤثرا صحبة سائق اللوري وتابعه الذي يوزع المؤن على المواقع البترولية المتباعدة‏.‏ ومتعرضا هكذا لتجربة الضلال الشاقة في بطن الصحراء‏.‏ لكن المثير للانتباه أن الرواية تختتم دون أن يعود الراوي لهذا الخيط كي يعقده ايجابا أو سلبا‏.‏ بل يتركه معلقا في فضاء النص وينتقل الى وصف مشاهد فضولية عن مكانه في غرفة بأحد الفنادق ومراقبته لنوافذ الجيران وقصصهم المحتملة في علاقاتها العديدة‏.‏ والأغرب من ذلك أنه ينتقل بضمير المتكلم ذاته ليصف تجربة مغايرة لمندوب مبيعات يعمل في مكتب لتسويق الأجهزة العلمية فيخبرنا أنه ‏"جلست فترة أدرس تفاصيل عمل الشركات وأحدد شكل الأشياء التي من الممكن أن تتناسب مع كل واحدة‏.‏ شعرت بالإرهاق وأنا أحفظ عن ظهر قلب مكونات كل جهاز وطريقة تشغيله ومميزاته تحسبا لأي سؤال مفاجئ يطرحه عميل من العملاء‏.‏ قسمت أيام عمل الأسبوع الستة بين اثنتين وأربعين شركة بواقع زيارة اسبوعية لسبع شركات في اليوم الواحد‏.‏ أخرج من الفندق في الثامنة صباحا أعود إليه في الثامنة ليلا‏.‏ بدأت بتعريف هذه الشركات بنشاط المكتب حتى استطعت أن أسجله في سجل مشترياتها بجانب المنافسين الكبار‏.‏ لكي يتم إخطارنا بمواعيد المناقصات والممارسات الخاصة بحاجتهم الى بعض الأجهزة الفنية المتخصصة‏'.‏ ومع أن الكاتب يمضي بعيدا في تتبع هذا الخيط المغموس في قلب الواقع الإداري الفاسد للبيروقراطية المصرية وينكأ بقوة جرح البطالة النازف في صميم المجتمع إذ يصف عدم قدرته على مجاراة صاحب المكتب في اتفاقه مع بعض المسئولين على منحهم عمولات ورشاوى لقاء إرساء المزادات عليه مما يدفع الشاب الى التنحي عن المشاركة في هذا العمل والبقاء وحيدا محملقا في سقف غرفة الفندق حتى يبدو الأمر" في حاجة الى معجزة بل الى عدة معجزات للفرار من الإحباط الذي سكب سائله في دماغي تركني أبحث عن حل فردي لمشكلة راكمها المسئولون لسنوات طويلة ووضعوا أبناء جيلي في متاهة بلا مخارج تقود الى تخبط أعمي وسخط على كل ما يدور حولنالأنها لا تحس بوجودها وقيمتها الإنسانية".‏
علي الرغم من هذه الصرخة اللاهبة ضد تبديد طاقات الشباب والعجز عن خلق فرص العمل الملائمة لهم والمفيدة من تخصصاتهم وكفاءاتهم العلمية فإن ضمير المتكلم الذي يستخدمه في هذه الفصول لا يبدو أنه يحيل الى شخصية حسام ذاتها ولا الى شخصية مساعد السائق الذي تكشف عن جامعي بدوره لا يجد فرصة العمل الملائمة له مما يجعل الروابط مفقودة بين أطراف الخيوط المتوازية للقص و ينتهي بالقارئ الى احتمالات متعددة أقربها الى المنطق اعتبار تلك التجربة المحبطة في التسويق سابقة على عثوره على العمل الحالي حتي لا تظل قفزة في فراغ النص المتخيل توازي تلك القفزات التي انطلق بها الراوي الى المجرات الكبري في الكون ليصل الى سر الحفرة الوضيئة في قلب الصحراء العاتية‏.
النظام العشري وموسيقي الأفلاك‏
وهكذا لا نستطيع تحديد بؤرة العمل الجامعة لخيوطه هل هي تبديد الطاقة البشرية في المجتمع المصري والعربي عامة أم هي البحث عن مصادر بديلة للطاقة المادية والنظام الكفيل بتوزيعها على أكمل وجه وربما أمكن إرجاع الأمرين بقدر من التأويل الى نقطة مشتركة يحتاج القاريء للتنقيب عنها في ثنايا الرواية حتى يعثر عليها في مشهد العالم العشري‏-‏ نسبة الى الكوكب المسمي بالعاشر وربما الى محمد العشري أيضاإذ يقول‏'‏ العشري‏(1)‏ أحد الباحثين في معمل الطاقة في كوكب العاشر الرقم الملاصق لاسمه يعني فئته التصنيفية في مجتمعه فالعلماء والباحثون ترتبط أسماؤهم بهذا الرقم يأتي بعدهم مع الرقم‏(2)‏ جماعة الفنيين والعمال الذين يعملون على نطاق واسع لتحويل النظريات العلمية والأبحاث الى واقع ملموس‏..‏ وهكذا تتدرج الأرقام الملاصقة للأسماء حتى تصل الى الرقم‏(9)‏ الخاص بالقادة والساسة‏.‏ يأخذون آخر رقم في المنظومة لأن وظيفتهم تنظيمية فحسب‏..‏ ويتضح أنه كلما زادت مهام الشخص من حيث حجم العمل الذي ينتجه تتسع مساحة المكان المخصص له ولأدواته التنفيذية من الآلات والأجهزة المختلفة‏.‏ أصغر غرفة في أعلي الهرم تخص رئيس العمل حيث وظيفته الإشرافية لا تحتاج مكانا واسعا‏.‏ العاشرون في توجههم لا يحيدون عن الأسس المنظمة لمسئولية كل فرد دون الخلط بينها أو وضع أشخاص في أماكن لا تتناسب مع مؤهلاتهم وكفاءتهم‏..‏ فالباحث الذي يتوصل الى نظرية جديدة ويثبت نجاحها يلقي التكريم اللائق به كمبدع ومبتكر‏'. وإذا كانت هذه هي‏'‏ اليوتوبيا‏'‏ التي تملأ خيال الروائي الشاب ويضعها نموذجا لحل المشكلات الفردية والجماعية فإنها حسنة النية يفترق فيها المتخيل البسيط عن الواقع البشري المعقد الذي لا يقوي على تنظيمه‏.‏ وكما أن صفحاته المطولة في وصف كيفية تولد المياه من الرمال تظل حلما أدبيا لم يدخل مختبر الحياة العلمية فإن خبرته التنظيمية بالمجتمعات المتحضرة المنتجة في سعيها الدوب لتجاوز أخطار البطالة وتحويل فائض العمالة لقوي خلاقة تظل في حاجة للانصهار في بوتقة التجربة الإنسانية مثلها في ذلك مثل المعلومات المقحمة والخيوط المتوازية والحوارات العبثية مع السائق عن عصر الديناصورات لابد من تذويب كل ذلك في نافورة الإبداع الصافي عبر وعي عميق لراو منسجم ومتماسك قادر على أن يلتقط موسيقي الكون التي تشع من صفحات الرواية ويضفي عليها التفسير العلمي والأسطوري في انخطافة واحدة وهذا ما نتوقعه من محمد العشري في طموحه الإبداعي الخصيب‏. د. صلاح فضل - القاهرة