محمد العامري يتجاوز فرشاته بكتابة السرد

فنان الكلمات

في كتابه "شجرة الليف" يصف الفنان التشكيلي محمد العامري حياة الناس والمجتمع في حوض نهر الأردن، بصفته مجتمعا غريبا عن مجتمع المدينة، فيقول:

"يحملني أبي على كتفيه باتجاه نهر الأردن، حيث الدفلى والطرفاء ورائحة الليمون التي تتجاور ورائحة النهر التي تفوح حين يشتد الصهد وتنطلق الفراشات واليعاسيب في أفق أخضر." هو لم يقل أن الليمون يجاور النهر، بل قال إن رائحة الليمون تتجاور ورائحة النهر.

هو هنا يرسم الروائح الشهية، فيتجاوز فرشاة ألوانه التي لا تصور الروائح، ويرسم بالكلمات روائح حارة شهية:

"يفيض النهر وكأنه يعانق أشجار المندلينا والليمون حتى يغمرها للرقبة.."

لاحظ أن فيضان النهر هو لقاء عناق محبين، بشعور معاكس لطغيان دبابات الغزاة المحتلين للنهر. "إنه غسول وطهرة موسمية للشجرة... ثلاثة أيام ثم يعود الفيضان خجولاً من زواج كان للتو طازجاً بالطمي والأسماك."

إنه يشبِّه فيضان النهر بليالي العرس الثلاث الأولى.. ليالي العسل.."يعود النهر بعدها بانكسار". العودة هنا انكسار بعد لقاء الحبيبين في شهر عسل مدته ثلاثة أيام. يعود هارباً نحو مجراه وحصاه اللامع تاركاً خلفه أسماك الكرب والمشط والبلابيط تتحرك، حيث يهرع أهل القرية بالأكياس فيبدأون حصاد السمك الذي فقد النهر فجأة ينظر بعين مدورة لامعة إلى الناس مستسلماً لأكياسهم. صورة السمك الذي ينظر إلى الناس نظرته الأخيرة وهو بكامل قواه العقلية في آخر بوتقة ماء يتلعبط فيها. صورة محزنة مؤلمة لمعاناة السمك في رمقه الأخير. صورة مبهجة مفرحة للناس الذين يشاهدون هذه الأسماك الطازجة وهي تتلعبط في بقايا بقع الماء الهارب نحو النهر. الصور ممتعة مدهشة محزنة مبهجة، لا يمكننا أن نشعر بها إلا برسم العامري الذي غزانا هذه المرّة بالكلمات.

لم يتوقف العامري عند رسم هذه الصور بالكلمات، بل إنه كان يصبغ صور القرية بالروائح، التي كانت تتصاعد من بين حبال غسيل القرية، وتنفثها أجساد نساء حبال الغسيل الفرحات بنشر غسيل ممارستهن للحب في تلك الليلة الخميسية الفائتة..والأزعر محمد العامري يتلصص، ويتشمم ويتعرف على ما يدور في القرية من خلال شم روائحها.

يقولون عنه في مصر: (شّمام). بما لها من معان كثيرة. إذ يقول: "تنتشر روائح عطرية غريبة، عطر(ريف دور). رائحة التايد وسيرف الغسيل التي تنفث إلى أنفك مع اشتعال شمس الظهيرة. دخان الطوابين. روائح العلاقات الجنسية التي تتمظهر بما تنشره النساء متباهيات على حبال الغسيل صباحات أيام الجمعة."

يقول هذا فيجعلك تسير في طرقات القرية وحواريها، فتشم روائحها بأم أنفك. لم يترك حتى روائح النباتات. زعتر وفيجن يتجاوران رغم اختلاف الرائحة. هو يدرك أن اختلاف الروائح يضرب بعضه بعضاً. ولكن القرويين وحتى أهل المدينة لا يهتمون بكون الروائح العطرية للنباتات مختلفة، وأنها تُضيع بعضها بعضاً. فمن يزرع الياسمين واللافندر والحصلبان والريحان في منطقة واحدة، يفقد تميز الرائحة العطرية. و"كأنك يا أبو زيد ما غزيت".

"كان الاستحمام القسري لنا بصابون أبو مفتاحين، أو صابون كنعان الفلسطيني. فتارة أتغرغر وأضحك مكركراً، وتارة أخرى أبكي من ألم الليفة." وهنا تظهر زعرنة محمد العامري وشقاوته حين يرسم نفسه وهو يضحك مكركراً وتارة أخرى يبكي بألم الليفة الخشنة.

وأما عن رائحة الحمضيات فهي تهب من المزارع فتغطي على كل الروائح الأخرى إذ يقول: "حين تبدأ الريح بالحركة، تنتعش رائحة الليمون في المكان." هذه الرائحة تذيب مشاعره الوطنية وتوصله بفلسطين من حيث تهب الرائحة الليمونية. إذ يقول: "إنها لحظة الاشتباك بين هواء طبريا ورائحة الليمون في الغور." لاحظي أن الهواء لا يتوقف عند حدود يحتلها العدو. ولا يأبه الهواء بأسلحة الغرباء المحتلين المدججة على حدود الاحتلال، ففلسطين والأردن بلد واحد ممتزج في الأغوار بهواء زهر الليمون المنتشر شرق النهر وغربه في مزرعة واحدة قطعها الاحتلال الغاشم.

وهكذا يتلصص الولد الشقي محمد العامري على الطبيعة شديدة الحرارة في الأغوار، ويصور حيوات متحركة وليست ساكنة.

تدهشني تلك الحركة المتمردة على سكون صفحات الكتاب، إذ يقول:

"لم أزل أصطاد تلك الدهشات. عصافير تفتح مناقيرها للهواء، وأرانب جافلة. التقاء نخالة الطحين المهتزة في الغربال. تثاؤب الشبابيك، واندلاق أعشاش الدوري من السقوف."

قد يكون من الصعب تصوير الرائحة والحركة في اللوحات التي يرسمها العامري، فتحايل على مشاعره الفنية وذلك برسم الروائح والحركات بالكلمات. لاحظ كل هذه الكلمات المتحركة. "يصطاد الدهشات. عصافير تفتح مناقيرها للهواء."

فالهواء نفسه متحرك. وأفواه العصافير متحركة. أرانب جافلة. لم يقل (أرانب) بل قال (أرانب جافلة) وهنا صور الحركة. ودب الحياة والحيوية في الأرانب والعصافير وحتى الهواء. التقاء نخالة الطحين المهتزة في الغربال.

من هو الكاتب الفنان الذي صور حركة النخالة في الغربال غير العامري؟

"تثاؤب الشبابيك."

بدل أن يقول فتح الشبابيك. تخيلها تفتح أفواهها وهي تتثاءب.

"واندلاق أعشاش العصافير من السقوف".

حتى أعشاش العصافير المثبتة في السقوف نشاهدها تندلق بريشة العامري. كيف تندلق؟ صحيح أنها تندلق إذا ما سقط منها عصفور يكبر، أو أُسقط منها باعتداء الشياطين أطفال البيوت، أو بفعل ثعبان يتمدد باتجاه العش فيجعله يندلق. ليست الحيوانات وحدها التي تتحرك، وإنما النبات والجماد كله يتحرك في لوحات العامري "الكلماتية" إذا جاز التعبير. إنه يحيي الطبيعة الصامتة ويجعلها تنطق، إذ يقول ص 26:

"المكان يُحدق فيك. فمه ناشف لا ريق له. الصاج المركون في الزاوية يقعي كسلحفاة مسكينة. الأغطية تنهزم وتهرب إلى العرزال. أعشاب انحنت وذبلت من سطوة الشمس. أنفاس بطيئة تلهث ببطء اللحظات."

ماذا تريد أكثر من ذلك لينطق الحجر بين يدي العامري.

في كل صفحة من صفحات كتابه "شجرة الليف" يشعرنا الكاتب بحرارة الغور، إذ يقول: "كل شيء يحاول أن ينتبذ مكاناً ظليلاً كي يداري فوهة البركان الكوني، حيث الدجاجات فاتحة مناقيرها لا تقوى على الحراك، والقط المتمغط في الحوش، والسحلية الرشيقة. معظم الزواحف تنشط في الأيام القائظة. شوب لا يمكن وصفه إلا بأنه عذابات كونية تهجم على الغور لإنضاج التين."

في "شجرة الليف" والتي لا أعرف لماذا سماها "شجرة"، خاصة وأنها نبات زاحف، قد يكون الليف في الأغوار يتعملق، فيتسلق شجرة فيقولون عنه شجرة الليف. يوضح لنا العامري مدى التسامح في الأغوار، وعدم التعصب الديني بقوله ص26:

"صورة الأب بالأسود والأبيض، صورة مريم المجدلية، وسيدنا علي بسيفه، وصورة جرجيس وهو يطعن التنين. جدار مليء بذاكرة لا نعرف مصدرها."

لاحظ أنه يجمع تصويرياً في المحبة والاحترام والتقديس ما بين الأب ومريم المجدلية وسيدنا علي، وجرجيس. ففي هذه الصور الشعبية قمة التآلف الإنساني وعدم التعصب الأعمى الذي يتدفق علينا من الغرب الرأسمالي المتوحش.

ولا ذكر لليالي الأغوار التي شهدت في الستينيات خطى الفدائيين إلى فلسطين - عندما كانت الثورة الفلسطينية ثورة - بدون ذكر معركة الكرامة، إذ يقول:

"إنها معركة يتعطش لها الشعب والجند والفدائي، حيث امتزجت دماء المزارعين والفدائيين مع الجنود ليصدوا طغياناً قاسياً من الصهاينة الإسرايليين."

هذا المزج الذي صوره الفنان ولا أقول الكاتب، هو الصورة الحقيقية لسياج الوطن. "الشعب والجيش والفدائيون" يداً بيد. هذا ما كان، فسطر لنا نصر معركة الكرامة، وهذا ما يجب أن يكون ليسطر لنا ملحمة العودة المظفرة إلى فلسطين. يقول العامري:

"بدأ عمي العائد من المعركة يصف جبن الجندي اليهودي. لقد وجدناهم مقيدين بالسلاسل في دباباتهم خوفاً من الهروب. وقال إن اليهودي جبان لا يستطيع المواجهة."

لاحظ كيف يصف هنا: "ضفاف النهر حياة كاملة .. تاريخ لأشكال الظلال، وأعناق الأشجار الممتدة في الفراغ. تاريخ لتشكلات الغيوم في السماء، وتبدلات ألوانها. نهر متحرك تتغير أمعاؤه في كل لحظة. تتغير ملامح ضفافه بحركة الطيور. نهر طاغية في الحب، لا يتركك تهرب منه حتى تتبرد بشغاف تاريخه التليد. هذا النهر الذي تعمدت بمائه. تعكر مزاجه من صور جنود الكيان الصهيوني الغرباء، النهر لا يعرف هؤلاء الغرباء. إنه يعرف سمرة أهل الغور، يعرف غناءهم وتفاصيل طرفائه. مرض النهر من كثرة الغرباء. ظل وحيداً دون جدي وأبي. بلا أهازيجهم وثغاء الماعز الصباحي. بقي وحيداً يمرض ويفقد عمره في المصب.

وأما عن المهن الغورية، فتجد صورتها في شخص سعيد الحلاق الذي كان يبيع القصب، ولديه صالون بسيط للحلاقة، ويفهم تاريخ الأردن السياسي، إلى جانب أنه يغسل الموتى، ويشارك في غسل العريس. ويتقن غناء العتابا والميجنا. أي كائن يحمل كل هذه التناقضات في جوف واحد؟ إنه الإنسان الغوري البسيط، المُمتصة لحومه، ليبقى فقيراً، يُشبع جشع الأغنياء.

تحية تقدير لمحمد العامري "الفنان بالكلمات".