محمد الأسدي مخطوف جديد في سوريا: ماذا 'يلزم' لإطلاقه؟

بقلم: فادي شامية

في شهر آذار من العام الماضي كانت الثورة السورية في أوائل أيامها السلمية. جهد النظام السوري يومها لإخفاء صور التظاهرات، وصولاً إلى اعتباره كل من يلتقط صوراً لتظاهرة في مكان مغلق أو مفتوح عميلاً إسرائيلياً! رضوان محمد، المصري الجنسية، كان واحداً ممن أُلقي القبض عليهم، أثناء محاولة التقاط صور لتظاهرة جرت داخل المسجد العمري في دمشق.

وعلى الفور، سمح القضاء "العادل" في سوريا بعرضه على الإعلام الرسمي السوري معترفاً على نفسه أنه "عميل إسرائيلي"، "متآمر" على سوريا، وأنه كان يتقاضى مائة جنيه للصورة الواحدة التي يرفعها على الفايسبوك، لإيقاع "الفتنة بين السوريين".

أثارت "اعترافات" رضوان سخطاً في مصر، لا سيما أنه ينتمي إلى عائلة نافذة وثرية، وكانت مصر في تلك الأثناء في فترة تحولات، ولم يكن من مصلحة النظام السوري إغضاب العسكر المصري الذي صار حاكماً، طمعاً من النظام السوري في استمالة العسكر أو إبقائه محايداً على الأقل، لذا فقد أُطلق سراح "العميل الإسرائيلي"، الذي روى بعد عودته إلى مصر كيف أُجبر على اعترافاته المتلفزة.

في 26 أيار من العام الماضي أيضاً ظهر الشيخ الضرير أحمد الصياصنة على الإعلام الرسمي السوري معترفاً أنه "أدرك متأخراً أن هناك مؤامرة ودعوات لسفك الدماء في سوريا، وأن ما أدلى به من تصريحات لقنوات خارجية جاء قبل علمه بوجود السلاح والمسلحين".كان تصويب الإعلام السوري في تلك الفترة على العلامة يوسف القرضاوي لذا جاءت اعترافات الصياصنة لتخدم هذا التوجه، بزعم أن القرضاوي اتصل بالصياصنة واشترك معه في التآمر (خصص السوريون الثائرون يوماً للتظاهر تضامناً مع الشيخ الصياصنة).

في واقع الأمر فقد سبق للشيخ الدرعاوي المحترم أن وصف الإعلام السوري بالكاذب أثناء حديثه الى BBC فأصبح ملاحقاً، ولما لم يُعثر عليه، فقد دخلت مجموعة من الفرقة الرابعة منزله وأعدمت ابنه أسامة أمام باب البيت، وفي ما بعد اعتقل جيش النظام ولديه إسلام وعلاء وهدد بقتلهما ما لم يسلم والدهما نفسه، وهو ما حصل بالضبط.

بعد اعترافات الشيخ الصياصنة وُضع في الإقامة الجبرية، لكنه تمكن من الفرار إلى الأردن في شهر شباط من العام الجاري، ومن هناك انتقل الصياصنة إلى غير بلد، ليروي في المؤتمرات وعلى الفضائيات مأساة الشعب السوري مع أحد أبشع الأنظمة في العالم.

قبل أيام عرض الإعلام الرسمي السوري الفلسطيني محمد وليد الأسدي (مولود ومقيم في صيدا) معترفاً على نفسه وعلى الجهات التي يريد النظام السوري استهدافها في هذه المرحلة (السعودية وقطر وتيار "المستقبل" والسلفيين والشيخ أحمد الأسير).

روى الأسدي ما وضعه المذيع ـ المحقق في فمه، ومن بعد الإعلام السوري؛ قام الإعلام اللبناني الحليف للنظام السوري ببث "الاعترافات" والتسويق لها كأنها حقيقة.

والواقع أن الأسدي لم يكن إلا بائع خضار في صيدا، تشاجر مع صديق له وطعنه بسكين، ثم فر من لبنان قاصداً ألمانيا عن طريق سوريا، فألقت السلطات السورية القبض عليه، وأجبرته على الظهور على الإعلام الرسمي، زاعماً ما يسهل على كل من يعرفه ومن لا يعرفه أن يكتشف "حسن المعاملة" التي أوصلته إلى هذا الموقف.

الحالات الثلاث التي سبقت؛ ليست إلا نماذج لما يجري في سوريا، مما يعرفه أعداء وأصدقاء النظام السوري على السواء، ومما لا حاجة للتوسع في شرحه، وقصة أبي عدس الشهيرة غير بعيدة عنا، وقد قطعت التحقيقات الدولية كلها بأنها جزء من عملية اغتيال الرئيس الحريري، وأن أحمد أبو عدس لم يكن إلا ضحية أدت دورها في "الاعترافات" المتلفزة ثم قُضي عليها...ومن أجل ذلك فإن البحث يجب أن يتوجه فوراً إلى كيفية تحرير المخطوف محمد الأسدي، قبل أن يصبح مصيره كمصير المسكين أحمد أبو عدس.

بدايةً؛ فإن التجارب في لبنان تفيد أن مخطوفاً في أي بلد لا يمكن تحريره ما لم يتحرك ذووه أو جهات سياسية نافذة، فالدولة اللبنانية ليست حريصة على مواطنيها ـ أو على المقيمين على أراضيها ـ إلى الدرجة التي تدعو إلى الاطمئنان.

لذا؛ فإن مسؤولية الفصائل الفلسطينية في المطالبة بتحرير الأسدي كبيرة، وعلى الشارع الفلسطيني أن يحاسبها على تخاذلها، إذ لم يُصدر أي منها بياناً إلى اليوم، ولم يتحرك أي منها باتجاه أي مسؤول في الحكومة اللبنانية، علماً أن أقارب الأسدي لبنانيون، ينتمون إلى تنظيم صيداوي قريب جداً من النظام السوري...لكنه نأى بنفسه عن موضوع ابنهم، متلهياً بنبش سجلات الحرب الأهلية، على خلفية استهداف غب الطلب لـ"القوات اللبنانية"، التي ارتكبت موبقات الحرب التي لم ترتكبها أبداً بقية القوى، بما في ذلك حلفاء هذا التنظيم الناصري اليوم!

نائبا صيدا، وقواها السياسية كلها مطالبة أيضاً بالعمل لإطلاق سراح الأسدي...لكن ذلك كله لا يكفي، في نظر بعض اقارب الاسدي الذين هالهم ما حدث له وما روّج من تلفيقات مفبركة امليت عليه تحت الضغط.

وقد اضحوا على قناعة بأن سبيل إطلاق سراح المخطوفين اصبح للاسف معروفاً في لبنان؛ تصعيد من ذويه في الإعلام، فتهديد وحرق دواليب في الشارع...وتشكيل جناح مسلح إذا لزم الأمر، لكن الطريق الاسلم يبقى الدولة...ولو على ظهر السلحفاة، وان الله مع الصابرين.

فادي شامية