محمد اشويكة يحلل أبرز قضايا السينما المغاربية

لا خوف بعد اليوم

تمثل الحركة السينمائية المغاربية حالة شديدة التميز وبالغة الأهمية في السينما العربية الآن، حيث تعالج القضايا الإنسانية من زاوية شديدة الخصوصية والتفرد، وبجرأة واضحة كسرت الكثير من التابوهات الاجتماعية والسياسية، وفتحت باب النقاش حول قضايا ذات خصوصية في المجتمع المغاربي، هذا فضلا عما يتمتع به مخرجوها وفنانوها من تعددية الرؤى والتقنيات والخبرات والاطلاع واسع على مختلف الثقافات.

وهذا الكتاب "السينما المغاربية.. قضايا الفرادة والتعدد" للناقد السينمائي محمد اشويكة الصادر أخيرا عن سلسلة "آفاق السينما" عن الهيئة العامة لقصور الثقافة في مصر، يقدم قراءة نقدية لتجارب سينمائية مغاربية عديدة تطرح أسئلة عميقة حول قضايا الإنسان المغاربي مثل قضايا الارهاب والهجرة والصحراء والربيع العربي وغيرها، مثل ثلاثية المخرج والكاتب التونسي الناصر خمير حول الصحراء "الهائمون"، و"طوق الحمامة المفقود" و"بابا عزيز"، والمخرج الجزائري إبراهيم تساكي في فيلم ""أيروان" والمخرج الموريتاني عبدالرحمان سيساكو في فيلم "في انتظار السعادة"، والمخرج التونسي رضا الباهي وأفلامه "السنونو لا تموت في القدس" و"صندوق عجب" و"ديما بروندو"، وغيرها من تجارب المخرجين المغاربة بوعلام كردجو ومرزوق علوش وأنيس جعاد وموسى حداد وإسماعيل فروخي ونبيل عيوش.

يتناول اشويكة أفلام سينما الارهاب في الجزائر مثل فيلم "آخر فيلم" للمخرج نوري بوزيد، و"آلو مومو أضعنا الطائرة" للمخرجين محمد حمزة وإدريس كابل، و"صناعة الموت" لمنصف نزيه، و"توشيه "تراتيل نساء الجزائر" لنبيل عيوش، و"باب الواد سيتي" و"العالم الآخر" للمخرج مرزوق علواش، و"دوار النسا" للمخرج محمد شويخ، وغيرها من الأفلام التي عالجت ظاهرة الإرهاب.

ويرى أن أفلام سينما الإرهاب في الجزائر ناقشت الظاهرة بشكل كلي أو جزئي، علني أو مضمر، إذ تناولت مختلف رهاناتها وتطرقت إلى وقعها النفسي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي على كافة الأطراف المعنية بها خصوصا النساء والأطفال والشيوخ بغض النظر عن الأطروحات التي يقدموها المحدثون لأفعال الارهاب كمواجهة "إرهاب الدولة" وادعاء مقاومته فإن اللجوء إلى زرع الخوف والترهيب وسقوط الأبرياء، تبقى مبررات اعتبرها مخرجو أفلام الارهاب موضوعية لتسليط الضوء على ظاهرة الإرهاب وشجبه ومحاربته كعمل عنيف وغير شرعي مهما كانت خلفيته داعين من خلال أفلامهم إلى الطرق السلمية التي تعتمد الحوار والسلم والاقناع المباشر عوض المواجهة المسلحة المدبرة".

ويشير إلى أنه يغلب على جل الأفلام التي تناولت الظاهرة سواء في المغرب أم في تونس أم في الجزائر أنها أفلام روائية طويلة اختارت الدراما الاجتماعية وسيلة بصرية للتعبير كليا أو جزئيا عن المشاكل المتعلقة بظاهرة الإرهاب مع ظهور يكاد يكون منعدما على مستوى الأفلام الوثائقية وغيرها مع انفتاح خجول على الحكايات الشعبية وخاصة فيلم "ماشاهو" للمخرج الجزائري بلقاسم حجاج.

ويلاحظ اشويكة أن أشكال العنف وأساليبها وأدواتها قد تأثرت بشكل كبير بتقلص ميزانيات الإنتاج ومشكلة الرقابة المباشرة "أجهزة الدولة" وغير مباشرة "المجتمع والرقابة الذاتية مما انعكس على زوايا معالجة العنف داخل أفلام الإرهاب، فغالبا ما لجأ صناع هذه الأفلام إلى التركيز على العنف الاجتماعي والعنف السيكولوجي والعنف الاقتصادي والعنف الديني، مما جعلها أفلاما شبه ميلودرامية تسرب العنف عبر لغة الحوار ومن خلال أحاسيس الشخصيات وتعطيل التواصل الاجتماعي وتأزم الرؤية للمستقبل.

أما على المستوى المادي للعنف فنسجل حضور البنادق والمسدسات والذخائر الحية مع استعمال قليل لها، لكنها تظل أكسسوارات دالة على فعل العنف وإمكانية القيام به في أية لحظة، مما يعني أن المجتمع مخترق من خلال تجارة السلاح وتسريبه إلى المدنيين رجالا كانوا أم نساء أم أطفالا، والخلاصة أن فضاء هذه الأفلام يعكس لنا مجتمعات ينعدم فيها الأمن في شتى أشكاله وصوره أو مهددة بفقدانه.

ويتوقف اشويكة مع وثائقيات الربيع المغاربي من خلال النموذج التونسي ليتناول أهم الأفلام الوثائقية التونسية، وذلك دون أن يغفل التجارب المغربية كتجربة المخرج نبيل بكاني من خلال فيلمه "ربيع القمع والكرامة" وتجربة الجزائر من خلال الفيلم الروائي الطويل ذي الطابع الوثائقي "عادي" للمخرج مرزوق علواش، وتجربة ليبيا من خلال فيلم المخرج الليبي محمد مخلوف "الزاوية: مدينة المقاومة" وفيلم عبدالله عوميش "شهادة من ليبيا".

ويؤكد اشويكة أن الحالة التونسية تتميز بأن كاميرات بعض المخرجين تصدت ـ ولو بشكل متحايل ـ لما حدث قبل انتفاضة الشعب التونسي وبعدها، مما يجعل من هذا البلد الأكثر تفاعلا مغاربيا وعربيا ـ مع الثورة على المستوى السينمائي وذلك بالنظر إلى عدد الأفلام المنجزة كما وكيفا.

ويتناول أشويكة بالتحليل أفلاما مثل "لا خوف بعد اليوم" للمخرج مراد بن الشيخ، الذي ينطلق من حادثة يوم 17 ديسمبر/كانون الأول 2010 حيث صادرت السلطات عربة بائع خضر وفواكه متجول بمدينة سيدي بوزيد، فاندلعت مسيرة احتجاج ضد نظام زين العابدين بن علي وتبدأ الثورة. وفيلم "يوميات ثورة" للمخرج حبيب المستيري والذي يرصد تطورات الانتفاضة التونسية من خلال شهادات متنوعة تعكس ما عاشه شبابها وشهداؤها مقارنا بين وجهات نظرهم مع فنانين تونسيين وأجانب مختلفي الانتماءات العقدية والأيديولوجية.

وفيلم "الكلام الأحمر" للمخرج إلياس بكار والذي يمنح فرصة الكلام والتعبير أو يلتقطها بعفوية وهي تخرج من أفواه الثوار. وأفلام "ثورة غير درج" للمخرج رضى التليلي، و"فلافة 2012" للمخرج رفيق العمراني، و"لائكية.. إن شاء الله" للمخرجة نادية الفاني، وفيلم "في المقلوب" للمخرج أشرف العمار، وفيلم "111 شارع البريد" للمخرجة سارة عبيدي، وفيلم "الشرارة" للمخرج منجي الفرحاني، وفيلم "تونس 2011 ثورة كرامة" وغيرها.

ويوضح اشويكة أن هذه الوثائقيات تندرج في سياق إرادة واضحة لكشف طلاسم سنوات مظلمة من التاريخ العربي المعاصر، طامحة إلى إماطة اللثام عن بعض خفاياه التي ظلت بمثابة الألغاز المنضوية ضمن ملفات الأسرار العليا للدولة، لم تقف المقاربات عند حدود ذلك، بل تناولت العناصر والمصائر وساهمت في تليين الشعور الناتج عن الإحساس بالقلق باعتباره حالة وجودية وميتافيزيقية تنتاب الإنسان المقموع.

ويلفت إلى أن هذه الحركية الفيلمية لم تكن معزولة عن الفنون الأخرى، "لقد تجاسر الفنانون في البلدان المغاربية والعربية للتفاعل مع الأحداث، فأنتجوا مقاطع غنائية تعبر عن الأوضاع خاصة فناني الراب "حالة مغنى الراب التونسي IN-saine والحاقد في المغرب" وواكب رسامو الكاريكاتير الانتفاضات "حالة Z بتونس وعلى فرزات بسوريا"، وغيّر رسامو الشوارع حيطان وقناطر المدن" حالتي معين غريب وزميله حافظ خديري" مما أضفى الكثير من المعنى على الاحتجاجات والمواجهات التي لم تخل من مشاهد البؤس والدمار والتدمر والحزن".

وخص اشويكة فضاءات الصحراء التي تحف البلدان المغاربية وعلاقتها بالسينما بجزء خاص تناول خلاله بالتحليل العديد من الأعمال السينمائية المغاربية التي احتفت بالصحراء، وفي مقدمتها ثلاثية الناصر خمير حول الصحراء "الهائمون"، و"طوق الحمامة المفقود" و"بابا عزيز" والتي يعتمد بناؤها على بعض ملامح الحكي الكوني واستثمار حكايات الجن ذات الأسس البلاغية والاستعارية والرمزية المتحولة.

يقول اشويكة "حكاياته شبيهة بتقشير البصل فما يكاد متتبعها يزيل القشرة تلو الأخرى حتى يصل إلى النهاية دون الحصول على نواة، فيظل مشتاقا حائرا. أفلامه مقتصدة في الحوار وكأنه يخاف عليها من كوليستيرول اللغة، شخصياته تائهة تبحث عن الحب والمحبة، قد تعاني من العمى لكنها غير فاقدة للبصيرة لأن قبسات النور الداخلي تشع من حولها فتضيء لها عتمات السبل، زمن أفلامه ضارب في النكوص إلى الوراء دون التفريط في استشراف المستقبل".

ويخلص اشويكة في تحليله لثلاثية المخرج الناصر خمير مؤكدا أنه ينخرط في بناء رؤية سينمائية مضادة تتأسس على معارضة السينما الكولونيالية ونقد الرؤية الاستشراقية النمطية والتحليق خارج دوائر الإنتاج التدجينية، والبحث عن أساليب فنية تمتح من الموروث العربي الإسلامي على مستوى الحكي "ألف ليلة وليلة" والتراث الصوفي "ابن عربي" والعمارة الإسلامية "النموذج الأندلسي" والخط العربي والموسيقى "الإيقاعات والأنغام العرفانية" والرقص "رقص الدراويش والجذبة".

ولا يفوت اشويكة الحديث عن الفيلم الأمازيغي ليطرح العديد من التساؤلات حول هذا الفيلم قبل أن يبدأ في تقديم رؤية بانورامية حوله يحلل بعدها فيلم "أدرارن باية" كنموذج كاشف للبنية الرمزية التي تميز الفيلم الأمازيغي، يقول: "يشكل فيلم جبل باية للمخرج عز الدين مدور (1947 ـ 1997) قفزة نوعية مهمة في التعريف بالقضية الأمازيغية، وبتعضيد التأسيس الاحترافي رفقة فيلم "الربوة المنسية" (تاوريرت إتواتون) للمخرج عبدالرحمان بوكرموح، و"ماشوهو" للمخرج بلقاسم حجاج، و"البيت الأصفر للمخرج عمور حكار، وما قدمه بعض المخرجين المغاربة من أفلام منها "كنوز أطلس" للمخرج عبازي الذي يعتبر فيلما أمازيغيا رغم نطقه بالدارجة المغربية، والذي سينجز بعده فيلم "إيطو تيثريت" (إيطو النجمة) سنة 2008، فضلا عن أفلام المخرج الراحل محمد مرنيش القصيرة منها والطويلة "تيليلا" (الحرية)، و"تمازيرت أوفلا" (البلد الأعلى) و"واك واك أتايري" (واك واك الحب)، إضافة إلى فيلم "ميغيس" لجمال بلمجذوب، وفيلم "أغرابو" (القارب) لأحمد بايدو، والفيلمين الروائيين القصيرين "إيزوران" (الجذور) للمخرج عز العرب العلوي لمحارزي وفيلم "سلام د ديميتان" للمخرج محمد أمين بنعمراوي وفيلم "سليمان" للمخرج محمد البدوي.. وغيرها".

ويرى اشويكة أن هذه الأفلام تحفل بالعلامات والرموز المستقاة من الثقافة الأمازيغية كواحدة من الثقافات الإنسانية الضاربة في القدم والتي امتدت رموزها داخل الثقافات الأخرى فتبادلت معها التأثير والتأثر والإغناء والأخذ والعطاء، وتمثل الوظيفة الرمزية واحدة من بين أهم الوظائف التي يمكن للباحث والناقد السينمائي أن يقف عند تجلياتها في المتن الفيلموغرافي الناطق بالأمازيغية بالنظر إلى تعدد حمولاته الدلالية واجتهادات المخرجين في توظيفه بشكل تختلف تجلياته من فيلم إلى آخر.