محفوظ، تجاهلوه ثم قتلوه بحثا

القاهرة - من سعد القرش
نجم لامع وسط كوكبة العظماء

أكثر من 15 عاما من التجاهل النقدي لروايات وقصص نجيب محفوظ لم تزده الا اصرارا على مواصلة مشروعه وهو تأسيس الرواية المصرية في وقت كان عباس العقاد يسخر فيه من فن القصة ويشدد على أن بيتا واحدا من الشعر يزن ما لا يحصى من القصص.
في مطلع الاربعينات نشر محفوظ ثلاث روايات عن مصر القديمة وروايات واقعية منها "القاهرة الجديدة" و"خان الخليلي" و"زقاق المدق" و"بداية ونهاية" وكانت الاعمال الاخيرة تؤرخ لمرحلة على وشك الانهيار بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية واعلان قيام دولة اسرائيل.
ورغم تلك الغزارة في انتاجه فلم يتحمس للكتابة عنه الا ناقدان هما أنور المعداوي وسيد قطب الذي بلغ من الحماس قدرا دفعه للقول ان محفوظ هو أمل هذا الفن الجديد.
وأعدم قطب عام 1966 لاتهامه بالتآمر على نظام حكم الرئيس المصري الاسبق جمال عبدالناصر في قضية شهيرة وجهت أصابع الاتهام فيها الى جماعة الاخوان المسلمين عام 1965.
وكان قطب أول من أشاد بجهد محفوظ حين احتفى عام 1944 برواية "كفاح طيبة" قائلا "لو كان لي من الامر شيء لجعلت هذه القصة (كفاح طيبة) في يد كل فتى وفتاة ولطبعتها ووزعتها على كل بيت بالمجان ولأقمت لصاحبها الذي لا أعرفه حفلة من حفلات التكريم التي لا عداد لها في مصر.. للمستحقين وغير المستحقين."
وبعد صدور الثلاثية "بين القصرين" و"قصر الشوق" و"السكرية" في منتصف الخمسينات فوجئ محفوظ باهتمام كثير من النقاد بأعماله السابقة حتى أن الناقد المصري الراحل لويس عوض كتب مقالا عنوانه "نجيب محفوظ.. أين كنت" أشار فيه الى أن الحفاوة بمحفوظ مبررة ولكنها تدين النقاد الذين تجاهلوه طويلا.
وقال عوض "ما عرفت كاتبا رضي عنه اليمين والوسط واليسار ورضي عنه القديم والحديث ومن هم بين بين مثل نجيب محفوظ. فنجيب محفوظ قد غدا في بلادنا مؤسسة أدبية وفنية مستقرة قائمة وشامخة. والاغرب من هذا أن هذه المؤسسة التي هي نجيب محفوظ ليست بالمؤسسة الحكومية التي تستمد قوتها من الاعتراف الرسمي فحسب بل هي مؤسسة شعبية أيضا يتحدث عنها بمحض الاختيار في المقهى والبيت وفي نوادي المتأدبين والبسطاء."
وأضاف "عندي كاتب من أولئك الكتاب القلائل في تاريخ الادب في الشرق والغرب كلما قرأته عشت زمنا بين أمجاد الانسان."
أما عميد الادب العربي طه حسين (1889 - 1973) فكتب دراسة عام 1956 عن رواية "بين القصرين" قال فيها ان محفوظ "أتاح للقصة أن تبلغ من الاتقان والروعة ومن العمق والدقة ومن التأثير الذي يشبه السحر ما لم يصل اليه كاتب مصري قبله."
وقال الناقد المصري فاروق عبد القادر ان محفوظ قدم لونا من التأريخ الفني لاهم نقاط التحول في مصر المعاصرة من مجيء الحملة الفرنسية (1798 - 1801) الى اغتيال الرئيس الراحل انور السادات (1981).
وأضاف أن هذا التأريخ لا يروى من خلال وقائع جافة بل نسيجه شخصيات من لحم ودم ومشاعر.
وأشار الى أن واقعة محاولة الاعتداء على محفوظ في أكتوبر/تشرين الاول عام 1994 تركت أثرا على علاقته الحية المباشرة بالناس والاحداث وهذا يفسر لجوءه للذاكرة في أعماله الاخيرة مشيرا الى جملة وردت على لسان احدى شخصيات مجموعته "صباح الورد" تقول "انها لنقمة أن تكون لنا ذاكرة لكنها أيضا النعمة الباقية."
ولم يعترض محفوظ على أي اجتهاد لناقد في تفسير أعماله التي احتملت كل ألوان التأويل من أقصى اليمين حيث يقف التيار المحافظ الى أقصى اليسار حيث يتحمس نقاد ماركسيون.
وكان دائما يقول ان دوره ينتهي بنشر العمل الذي يصبح من حق النقاد والقراء ولهم أن يقولوا فيه ما يشاءون. ويرجح نقاد أن هذا الموقف من محفوظ كان شديد الذكاء بعد طول تجاهل لاعماله الاولى.
وبعد حصوله على جائزة نوبل عام 1988 اعترف محفوظ للناقد المصري غالي شكري قائلا "لقد انفعلت بأول مقال كتب عني حوالي عام 1948 ربما بقلم سيد قطب. الصمت لا يطاق."
وفي عام 1964 أصدر ناقدان شابان أول كتابين عن محفوظ هما "قضية الشكل الفني عند نجيب محفوظ" لنبيل راغب و"المنتمي" لغالي شكري.
ثم توالت الكتب التي تتناول أعماله من أقصى اليسار الى أقصى اليمين وبلغ عدد هذه الكتاب نحو مئة منها "الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزية" لجورج طرابيشي و"قراءة الرواية" لمحمود الربيعي و"المرأة في أدب نجيب محفوظ" لفوزية العشماوي و"نجيب محفوظ من القومية الى العالمية" لفؤاد دوارة و"الرمز والرمزية في أدب نجيب محفوظ" لسليمان الشطي و"نجيب محفوظ يتذكر" لجمال الغيطاني.
وكان نجيب محفوظ الروائي الوحيد الذي عاد أكثر من ناقد الى دراسة أعماله وخرجوا برؤى جديدة وهذا ما يفسر وجود أكثر من كتاب عن محفوظ للناقد نفسه.
فعلي سبيل المثال أصدر رجاء النقاش كتاب "في حب نجيب محفوظ" عقب محاولة الاعتداء على الكاتب في أكتوبر تشرين الاول عام 1994. ثم نشر كتابه "نجيب محفوظ.. صفحات من مذكراته وأضواء جديدة على أدبه وحياته".
وأثار محفوظ غضب الكثيرين لما فسر على أنه تحامل منه على ثورة يوليو/تموز عام 1952 والرئيس المصري الاسبق جمال عبدالناصر.
أما محمد حسن عبد الله فنشر في الكويت عام 1972 كتاب "الاسلامية والروحية في أدب نجيب محفوظ" وفي الشهر التالي لمحاولة الاعتداء على محفوظ أصدر في القاهرة كتاب "اسلاميات نجيب محفوظ" عام 1994.
وكما سبق غالي شكري النقاد الى نشر أول كتاب عن محفوظ عام 1964 أصدر أيضا أول كتاب عن محفوظ عقب حصوله على جائزة نوبل في أكتوبر عام 1988 وحمل الكتاب الجديد عنوانا احتفاليا مثل معظم مادته وهو "نجيب محفوظ من الجمالية الى نوبل".