محطات مفصلية في تاريخ إسبانيا الأندلسية

بقلم: نضير الخزرجي
الطريق إلى الأندلس

تمثل الأندلس (إسبانيا الحالية) لوحة من الفن التشكيلي تناوبت عليه أنامل الحكومات والدول التي قامت ثم اندثرت، ولكل دولة لمسة في مساحة اللوحة، التي بدأت تتشكل خطوطها منذ العام 92 هـ (711) في معركة وادي لكه، عندما بعث والي المغرب موسى بن نصير (ت 97 هـ) القائد العسكري طارق بن زياد (ت 102 هـ) بناءً على طلب من سكان إسبانيا طالبين النجدة والحماية، لكن الصورة التشكيلية الجميلة بدأت تفقد خطوطها وألوانها ومعالم تفاصيلها بسبب الحروب الداخلية وكثرة الثورات والانقلابات وحكم الإمارات التی بلغت نحو 40 إمارة، ثم بهتت الصورة كاملة في العام 898 هـ (1491) بسقوط آخر معاقل المسلمين في الأندلس.
وعملت السياسة الصليبية على دعك الصورة وأشخاصها بنصب محاكم التفتيش وإرجاع الناس عن دينهم وتخييرهم بين النصرانية أو الموت، حتى كاد الإسلام أن يصبح في خبر كان، ولم يعد الإسلام كامنا إلا عند عدد قليل من الأندلسيين الذين حافظوا سراً على ما في الصدور لئلا تحصّله مقاصل محاكم التفتيش.
بيد أن ألوان الصورة على ضعفها وتشويه خطوطها، راحت تستبين من جديدة بعودة تئدة للإسلام بفعل هجرات العرب والمسلمين إليها بخاصة في النصف الثاني من القرن العشرين، وتبصّر عدد من الإسبان بالدين الإسلامي الحنيف، وما رافق ذلك من تحولات على مستوى حقوق الإنسان في العالم الغربي القائم على نظام الديمقراطية والنظام السياسي العلماني الذي عدل عن محاكم التفتيش إلى ترك الناس وما يشاؤون من العبادة.
على أن العلمانية تختلف مستويات تطبيقها بين بلد أوروبي وآخر، لأن الديمقراطية الغربية حتى يومنا تظهر تخوفا غير مبرر من الإسلام الحنيف أسهم بعض جهّال المسلمين وأنصاف المتفيقهين في تعزيزه حكوميا ومجتمعيا.
اللوحة الزيتية لقصة الإسلام في الأندلس وما صاحب ذلك من قيام حكومات على المذاهب السنية والشيعية أو حكومات "أموية" و"علوية" يلتقطها يراع المحقق الدكتور محمد صادق محمد الكرباسي في كتاب "الإسلام في إسبانيا"، ومن إعداد الفنان التشكيلي العراقي المقيم في مدريد، الدكتور كاظم شمهود طاهر، صدر عن بيت العلم للنابهين ببيروت في 62 صفحة من القطع الصغير.
وهذا الكتاب باكورة سلسلة كتب تصدر حسب الدول التي يتوطن فيها الإسلام أو رحل إليها وفق الحروف الهجائية، وهذه السلسلة مستلة من مجلدات "معجم المشاريع الحسينية من دائرة المعارف الحسينية"، حيث يحقق الشيخ الكرباسي في المشاريع والمنشئات والفعاليات الحسينية المنتشرة عبر العالم، مما يفضي به البحث الأكاديمي والعلمي إلى بيان تاريخ الإسلام في هذه الدولة أو تلك وبيان معالم الحكومات التي توالت عليها وما تركتها من مشاريع مدنية وحضارية وبخاصة ما يتعلق بالنهضة الحسينية، لكون الكاتب أوقف قلمه في بيان معالم نهضة الإمام الحسين (ع) من قريب أو من بعيد. الطريق إلى الأندلس ربما يظن البعض جهلا أو تجهيلا أن القائد الأموي عبد الرحمن بن معاوية الأموي (ت 172 هـ) الشهير بالداخل، هو من فتح الأندلس من أيدي النصارى، وبه يبدأ عصر الإسلام في الأندلس بتأسيس الدولة الأموية في المغرب الإسلامي في العام 138 هـ، بعد أن سقطت في المشرق الإسلامي في العام 132 هـ، ولكن الصحيح أن الإسلام دخل الأندلس نهاية القرن الأول الهجري وخضعت إداريا خلال 45 عاما لـ (22) واليا، ثم تولاها فيما بعد عبد الرحمن الداخل.
ومع مرور الزمن أخذت الحكومات المركزية والمحلية مواقعها في عموم إسبانيا وأسهم الإسلام والمسلمون في نشر الثقافة الإسلامية، فعلى سبيل المثال فان مدينة قرطبة التي تشكل القاعدة الأساس للأندلس الإسلامية فإنه خلال قرن واحد "أُُلفّ أكثر من خمسة عشر ألف كتاب. ونقلوا صناعة الورق من بغداد إلى الأندلس، كما أسسوا أكثر من سبعين مكتبة عامة"، ويضيف الدكتور أمين الطيّبي في كتابه "الإسلام في الأندلس وصقلية وأثره في الحضارة والنهضة الأوروبية"، ص 10: "كانت قرطبة في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي أكثر مدن أوروبا تمدنا (كفيينا في القرن التاسع عشر)، وكان القادمون من شمال أوروبا يسمعون – بشيء من الرهبة – عن المدينة التي احتوت على عشرات المكتبات، وعلى مئات الحمامات."
وعن مدينة طليطلة يضيف الطيّبي في الصفحة نفسها "كانت مدينة طليطلة أول مركز علمي عظيم لنقل الثقافة من الإسلام إلى المسيحية في الغرب في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين."، وكان من معالم هذا التمدن والانفتاح على الآخر كما يؤكد الطيّبي في الصفحة 8 "فإن اليهود رحّبوا بمقدم العرب الفاتحين بعد كل ما عانوه من اضطهاد في عهد القوط، ويعتبر اليهود أن الفترة الذهبية من تاريخهم كانت في ظل الإسلام في الأندلس، حيث حظُوا بحرية لم يعهدوها من قبل."
هذا المفهوم يقر به نجل ملكة المملكة المتحدة أمير مقاطعة ويلز، الأمير تشارلز (Charles Philip Arthur George) في كلمة له ألقاها لدى افتتاحه مركز أكسفورد للدراسات الإٍسلامية في 27/10/1993، كونه الرئيس الشرفي، جاء فيها "نحن انتقصنا من أهمية المجتمع الاسلامي وثقافته في إٍسبانيا لمدة ثمانمائة عام ما بين القرنين الثامن والخامس عشر الميلادي. فالإسلام في إسبانيا أسهم مساهمة كبيرة في الحفاظ على الأسس العلمية في عصور الظلام كما أسهم في وضع اللبنة الأولى لبداية عصر النهضة في أوروبا، ولم يكن إسلام إسبانيا مجرد كنز مدفون تم اكتشافه على يد الغرب."
وعن قرطبة وعموم الأندلس يضيف الأمير تشارلز "قرطبة في القرن العاشر كانت أكثر المدن حضارة في القارة الأوروبية، وكثير من عناصر الحضارة التي تفتخر بها أوروبا المعاصرة منبعها الإسلام في إسبانيا، مثل فن الدبلوماسية، والتجارة الحرة، وفتح الحدود، ومناهج البحث العلمي، والأنثروبولوجي، والأزياء، والعلاج بالأعشاب والمستشفيات." أفول وبزوغ بيد أن العمران المدني والحضاري الذي تركه المسلمون في الأندلس وكان له التأثير الكبير على كامل أوروبا تحول إلى طامة كبرى على سكان الأندلس وما جاورها بعد السقوط، حيث "قام حكام إسبانيا باضطهاد المسلمين، وتكاتفت القوى الصليبية على محو الإسلام هناك بأي شكل من الأشكال حتى أنهم منعوا التعامل باللغة العربية وارتداء الزي العربي، وهدموا الحمامات والمنشآت الإسلامية، وصادروا أموال المسلمين، وسنوا قانون الإعدام والحرق بالنار لمن يخالف هذه القوانين."
وكان من نتائج هذه القوانين أن تحول الملايين من سكان إسبانيا عن دين الإسلام، واقتصر المسلمون على آلاف عدة تواروا خلف جدران التقية، كما إن الإمعان بالعداء الذي وصل إلى عداوة العلم، حمل المنتصرون على حرق مكتبة قرطبة والتي "كانت تحتل المرتبة الأولى ليس فقط في الأندلس، وإنما في الإمبراطورية الإسلامية قاطبة، وهذه المكتبة أنشئت في عصر محمد الأول ابن عبد الرحمن الثاني الأموي (ت 273 هـ) وبلغت مجلداتها أربعمائة ألف كتاب كلها من المخطوطات الأثرية، وقد استمر إحراق المخطوطات في إسبانيا لعدة قرون حتى أنه صار عيدا سنويا واحتفالا شعبيا."
ويمكن معرفة عظمة قرطبة وما حل بها من نكبات من خلال نص لمؤرخ الأدب الأندلسي أبو الحسن علي بن بسام الشنتريني (ت 542 هـ)، يقول فيه "وحضرة قرطبة، منذ استفتحت الجزيرة، هي كانت منتهى الغاية، ومركز الراية، وأمّ القرى، وقرار أهل الفضل والتقى، ووطن أولي العلم والنهى، وقلب الإقليم، وينبوع متفجر العلوم، وقبّة الإسلام، وحضرة الإمام، ودار صوب العقول، وبستان ثمر الخواطر، وبحر درر القرائح، ومن أفقها طلعت نجوم الأرض، وأعلام العصر، وفرسان النظم والنثر، وبها أنشئت التأليفات الرائعة، وصنّفت التصنيفات الفائقة."
ومن الغريب أن هذه القوانين ظلت سارية المفعول لخمسمائة قرن حتى العام 1967 عندما أصدرت الحكومة الإسبانية قرارا ألغت بموجبه قوانين محاربة الإسلام والمسلمين، وأخذ المسلمون يظهرون إلى السطح من جديد بخاصة مع الهجرة الجديدة للعرب والمسلمين.
وفي العام 1992 أبرمت الحكومة الإسبانية والهيئة الإسلامية الإسبانية اتفاقا وقعه الملك خوان كارلوس الأول (Juan Carlos I) أتاح بموجبه للمسلمين التعبير عن معتقداتهم بشكل قانوني وحر. وهذا الأمر ضاعف من عدد المسلمين خلال ربع قرن من تاريخ التوقيع الذي يعد بمثابة اعتراف رسمي بالتعددية الدينية حتى وصل عددهم إلى نحو مائتي ألف مسلم بين مواطن أصلى ومهاجر مقيم.
لكن المحقق الكرباسي له رأي آخر إذ "نقل لي العديد من الإسبانيين والمهاجرين إليها أن هناك عددا كبيرا من الإسبان يعملون بالتقية ولا يتظاهرون بالإسلام، لكن الإحصاءات غير الرسمية تفيد بأن عددهم قد تجاوز المليون نسمة، وهذه النسبة تؤيدها الهيئات الدينية الإسلامية في إسبانيا، ومعظم هؤلاء من أصول مغربية إلى جانب سائر دول شمال أفريقيا، مضافا إلى السنغاليين والسوريين وسائر الدول العربية والإسلامية، بالإضافة إلى أكثر من ثلاثين ألف إسباني اعتنقوا الإسلام أخيرا."
وهنا يؤيد المؤلف ما تذهب إليه "الدراسات الحديثة أن الأندلس كانت مسلمة قبل أن تسمى بإسبانية." الحسين في الأندلس يتربع الإمام الحسين (ع) على قلب كل مسلم، بل وكل حر من أحرار البشرية ناهيك عن جنسه ومعتقده، ولذلك كثرت الرايات التي ترفع الإمام الحسين (ع) شعارا في حركتها التحررية أو الثورية أو التصحيحية، سلمية كانت أو مسلحة، بغض النظر عن النوايا والأهداف المضمرة، ولم تكن الأندلس ببعيدة عن هذه الرايات، ولذلك فإن الدكتور كاظم شمهود طاهر يؤيد رأي المحقق الكرباسي أن الإسلام دخل الأندلس ودخل معه التشيع والولاء لأهل البيت (ع) من طرق عدة، أهمها عبر الجيش الإسلامي الفاتح، الذي كان فيه "عدد كبير من العوائل العربية التي تدين بنصرة أهل البيت، وكان معظمها من العراق واليمن."، منهم القائد حسين بن عبد الله بن حنظلة الصنعاني المشهور بحنش الصنعاني (ت 100 هـ)، والقائد عبد الله بن سعد بن عمار بن ياسر (ت 143 هـ)، والقائد الحسين بن يحيى الخزرجي (كان حيا عام 165 هـ)، فضلا عن أن موسى بن نصير كان من الموالين لأهل البيت (ع)، وكان هذا الولاء أحد أسباب خلعه في العام 96 هـ من قبل سليمان بن عبد الملك الأموي (ت 99 هـ)، ثم اعتقاله والتنكيل به وتعذيبه وتجريده من كل ممتلكاته المنقولة وغير المنقولة.
ويرى المعد أن قبائل البربر في شمال أفريقيا والأندلس كانت محلا خصبا للتشيع، بخاصة وأن بعض القبائل العربية وبخاصة السلطات الأموية مارست معها العصبية القبلية والقومية مما دفعها إلى المعارضة والثورة على الواقع السيئ، ولذلك "تردد لأول مرة صدى التشيع في الأندلس بين صفوف البربر، وكانت المناطق البربرية ميدانا لجميع الثورات الشيعية في الأندلس، يمدها ذلك الطوفان الهائل للتشيع الذي شمل جميع شمال أفريقيا خاصة بعد تأسيس أول دول علوية في المغرب الإسلامي وهي دولة الأدارسة سنة 173 هـ، وقد اعتنق التشيع قبائل بربرية كبيرة معروفة كان لها امتداد واسع في المغرب والأندلس، منها بنو حماد وبنو زيري وقبيلة الصنهاجيين وقبائل كتامة."
وبتقدير المؤلف فإن الإسلام الشيعي دخل إلى الأندلس من طريقين:
الأول: عبر الأندلسيين الذين رحلوا إلى المشرق الإسلامي وبالأخص إلى العراق ومصر والمغرب ثم عادوا متأثرين بثقافة أهل البيت (ع)، وكان في مقدمتهم محمد بن عيسى القرطبي الذي كان حيا في العام 221 هـ.
ثانيا: عبر عدد من علماء المشرق الإسلامي الذي باشروا بنشر ثقافة أهل البيت (ع)، ومنهم أبو اليسر الرياضي إبراهيم بن محمد الشيباني (ت 317 هـ)، البغدادي النشأة والذي تجول وعمل في المغرب الإسلامي والأندلس.
وكان للقمع الذي مورس بحق أهل البيت (ع) والموالين لهم في المشرق الإسلامي من الأسباب الداعية إلى هجرة رجالات الإسلام إلى المغرب الإسلامي ومنه إلى الأندلس، ومنهم نسل الإمام الحسن بن علي (ع) (ت 50 هـ)، وحسب تعبير الدكتور طاهر "تمركز هؤلاء العلويون في شمال أفريقيا ثم عبروا إلى شبه جزيرة أيبريا، وكان لهم دور كبير ومهم في نشر الثقافة الشيعية في الأندلس."
كما كان لهجرة أبناء الصحابي الجليل عمار بن ياسر (ت 37 هـ)، وأحفاد الصحابي الجليل مالك بن الحارث النخعي الأشتر (ت 39 هـ) إلى الأندلس دور كبير في نشر الإسلام في هذه البلاد، وحسب تعبير المحقق الكرباسي "أن المهاجرين أو الداخلين إلى الأندلس من الشيعة كانوا من البيوتات التي تعتبر في حينها أعمدة وأساطين التشيع، وهذا يعني أنهم وجدوا لأنفسهم في الأندلس أرضية مناسبة رغم وجود الحكم الأموي هناك."
وعلى الرغم من الصراعات بين الإمارات وظهور ثورات بالضد من الحكم الأموي وقمعها، حتى عدها البعض بنحو 14 ثورة، مثل ثورة شقيا بن عبد الواحد المكناسي (ت 160 هـ)، فإن الكرباسي يؤكد "رغم كل الصراعات فإن التشيع سرى في تلك البلاد حتى شاع وظهر بحيث أصبحت القضية الحسينية والتي هي من أقوى ظواهر التشيع فاشية في الأندلس، وقد برز شعراء عدة وهم يرثون الإمام أبا عبد الله الحسين (ع) كما جرت الطقوس والشعائر الحسينية في عاشوراء، وظلت حتى نهاية الحكم الإسلامي في الأندلس عام 898 هـ."
ومع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحالي، تعززت مدرسة أهل البيت في إسبانيا من خلال هجرة الباكستانيين واللبنانيين للعمل في إسبانيا كما ساعد قيام الجمهورية الإسلامية في إيران في العام 1979 وهجرة العراقيين في عهد نظام صدام حسين (ت 2006) إلى زيادة المشاريع الحسينية.
وتؤشر الأرقام أن "أول حسينية تأسست في إسبانيا من التاريخ الإسلامي الحديث هي حسينية الأمة في مدينة غرناطة وكان من وراء تأسيسها مجموعة من الطلاب الإيرانيين واللبنانيين الذين كانوا يدرسون في جامعة غرناطة، وكانت تعرف هذه الجالية بالأمة، فأطلق الاسم على الحسينية أيضا وتاريخها يعود إلى سنة 1406 هـ - 1986."، على أن أول مسجد لشيعة أهل البيت (ع) في العصر الحديث أقيم في العام 1376 هـ باسم مسجد أهل البيت في برشلونة، كما أن محبي أهل البيت (ع) تمكنوا ولأول مرة في تاريخ إسبانيا الحديثة في يوم العاشر من شهر محرم العام 1426 هـ من تنظيم مسيرة حسينية حاشدة في مدينة برشلونة.
واختتم الكتاب بمجموعة نصوص لنخبة من علماء ومستشرقين إسبان يشيدون بالإسلام وإسهاماته في أوروبا وما حولها. نضير الخزرجي
إعلامي وباحث عراقي
الرأي الآخر للدراسات – لندن alrayalakhar@hotmail.co.uk