محزنة ومجبنة ومجهلة ومبخلة

الآباء والأمهات يتحملون القهر في سبيل تأمين متطلبات الصغار. يصمتون إذا شتموا ويتخلون عن أحلامهم وطموحاتهم ويمسكون يدهم عن الصدقة ويشحون في المكارم وينسحبون عند المواجهة ويبدو البؤس على وجوههم وهم في العمل أو في السوق أو المحافل الاجتماعية.


من قال ان من لم ينجب يستحق الشفقة؟


غالبية الناس يلتزمون عش الصغار ويتحملون الكثير في سبيل تربيتهم

بعض الأحاديث النبوية درر تستحق الدراسة والتأمل والاعتناق ومنها الحديث القائل "الولد محزنة، مجبنة، مجهلة، مبخلة" فلا شيء يقصم ظهر الانسان مثل الولد، فهو يضطرك أن تجبن وتصمت وتذعن أمام الظالم، فإذا شتمك صاحب العمل فإنك تصمت مراعاة لعيش أولادك وإذا أصاب الولد أذى فإنك تحزن كما لم تحزن من قبل وإن طلبت منك صدقة، فإنك تمتنع وتقول أن ولدك أولى بها ومجهلة لأن الولد يضطرك للبقاء جانبه ولا تتركه لطلب العلم.

ولا يستطيع التوفيق بين حاجات الولد والحاجات الشخصية والمسؤوليات العامة إلا قلة من لأصحاب الحظ السعيد الذين لديهم مال وفير ودعم أسري يمكنهم من التوفيق بين جميع المسؤوليات، أما غالبية الناس، فعليهم أن يختاروا بين الوفاء بمطالب الولد أو المطالب الشخصية والمسؤوليات العامة نحو المجتمع والوطن. أما من يختار نفسه ويؤثرها على ولده، فقد التصقت به تهمة النذالة لأنه استقوى على الضعفاء وتصرف بأنانية.

ما يحدث فعليا هو أن غالبية الناس يلتزمون عش الصغار ويتحملون الكثير في سبيل تربيتهم والوفاء بمطالبهم وفي ظل الفقر العام في الدول العربية، فإن الآباء والأمهات يتحملون القهر وليال سودا في سبيل تأمين متطلبات الصغار، يصمتون إذا شتموا ويتخلون عن أحلامهم وطموحاتهم ويمسكون يدهم عن الصدقة ويشحون في المكارم وينسحبون عند المواجهة ويبدو البؤس على وجوههم وهم في العمل أو في السوق أو المحافل الاجتماعية.

وفي الواقع أن الحديث يمكن توسيع نطاقه ليشمل صفات أخرى غير الجبن والبخل والجهل والحزن، فكثيرا ما يبيح الوالد لنفسه أن يسرق وينهب ويختلس وينافق ويقبل الظلم ويكون نذلا في سبيل الوفاء بمتطلبات العيال وإسعادهم.

من قال أن من لم ينجب يستحق الشفقة، بل أنه سعيد لأنه يقدر أن يطير دون أن يمسك أحد جناحيه الى جانبيه، ويستطيع أن يقول لمديره الناعم المنعم، "وداعا أيها الغلام." ولمديرته التي تفصل القوانين على مقاس عشيقها، "سأهجر لكما المكان لكي تتضاجعا بحرية تامة." وهو الذي يكون شجاعا حين يختبئ الآخرون وهو الذي ينفق ماله كيفما يشاء دون يرتفع ضغط دمه، وهو الذي انتصر على الطبيعة التي تفرض عليه أن يتكاثر وتسلب منه ماله وأحلامه وعمره وحريته بل وكرامته أحيانا.

تحضرني قصيدة لمحمود درويش تقول

مقهىً’ وأَنتَ مع الجريدة جالسٌ

فاصنع بنفسك ما تشاء، إخلعْ

قميصك أو حذاءك إن أَردتَ، فأنت

منسيُّ وحُرٌّ في خيالك،.........

................................

مقهىً، وأَنت مع الجريدة جالسٌ

قي الركن منسيّاً، فلا أَحد يُهين

مزاجَكَ الصافي،

ولا أَحَدٌ يُفكرُ باغتيالكْ

كم أنت منسيٌّ وحُرٌّ في خيالك!