محددات ومتطلبات التطوير الديمقراطي في الساحة الفلسطينية

بقلم: ماجد كيالي

ربما أنه ثمة نوع من المبالغة أو المجاز في إطلاق مصطلح النظام الفلسطيني، على التركيبة السياسية الفلسطينية، نظرا لافتقاد هذه الساحة لمقومات النظام السياسي، بمعناه الحرفي، الذي يفترض وجود سلطة معيّنة، تمارس السيادة في إقليم جغرافي محدّد، على شعب بعينه. لكن الظروف الاستثنائية الفلسطينية جعلت هذا المصطلح واقعاً ملموساً، برغم التعقيدات والالتباسات الناجمة عن كل ذلك.
فقد شكّل إنشاء منظمة التحرير ومعها الفصائل الفلسطينية، في منتصف الستينيات من القرن الماضي، نوعاً من الكيانية السياسية التي حاول الفلسطينيون عبرها التحايل على واقع الشتات الجغرافي ومراوغة حال التغييب السياسي.
هكذا فإن القيادة الفلسطينية (وضمنها قيادة المنظمة والفصائل والسلطة) استطاعت خلال العقود الأربعة الماضية فرض سيطرتها السياسية والمعنوية على الفلسطينيين، رغم عدم وجود سيطرة إقليمية مباشرة على تجمعاتهم، سواء في مناطق اللجوء والشتات أو داخل الأرض المحتلة، بفضل مكانتها الرمزية والمعنوية، وشبكة المؤسسات والعلاقات التي أنشأتها بين ظهرانيهم، وخصوصا بفضل الشرعية التي اكتسبتها ودعّمتها على الصعيدين العربي والدولي.
والواقع فإن الكيانية الفلسطينية هذه أنتجت بدورها وضعا سلطويا، في ظل وجود التراتبية القيادية والمؤسسات الإدارية والخدمية والإمكانيات المالية، وفي ظل وجود الأجهزة الأمنية والتشكيلات العسكرية.
على ذلك فإن محاولة تحليل النظام الفلسطيني بعلاقاته وامكانات ومحددات تطوره ينبغي أن تأخذ في اعتبارها خصائص هذا النظام ومقوماته وشرعيته، والإشكاليات والالتباسات المحيطة به، ويمكن تمثل كل ذلك في المجالات التالية:
1 ـ يمثّل النظام الفلسطيني حالة استثنائية، كما قدمنا، فهو لا يمارس سيادة على إقليم بعينه، ثم إن مجتمع هذا النظام يخضع لسلطات مختلفة ومتباينة (في الأرض المحتلة ومناطق اللجوء والشتات)، وإضافة إلى هذا وذاك فإن هذا النظام يفتقد لمؤسسات السيادة، ما يجعل سلطته على الفلسطينيين مجرد حالة معنوية.
2 ـ طبيعة القضية الفلسطينية باعتبارها قضية عربية (بين وجوه أخرى)، ما فتح المجال أمام المداخلات العربية (والدولية) المباشرة في مجال الصراع العربي ـ الإسرائيلي. معلوم أن حاجة النظام الإقليمي العربي أدت إلى تخليق كيانية فلسطينية في منتصف الستينيات (م.ت.ف)، ولكن هذا النظام حافظ على هذه الكيانية وفق "ستاتيكو" معين لم يسمح بالخروج عنه؛ والأنكى أن بعض أطراف هذا النظام عملت على تظهير حالات فلسطينية تابعة لها، وهذا كله أجهض امكانات تطور النظام الفلسطيني وأضعف إمكان توليد حركات سياسية أرقى.
3 ـ إن حرمان الفلسطينيين من الوطن وعدم تمتعهم، في الداخل والخارج، باستقلالية تتيح لهم التطور الاجتماعي والسياسي المستقل، وتشوه المجتمع الفلسطيني وتمزقه وخضوعه لأوضاع سياسية واجتماعية واقتصادية متباينة، رسختها علاقات الاحتلال واللجوء والشتات، انعكس بصورة سلبية على حركتهم الوطنية، وأعاق إمكانيات تجاوزها للواقع السائد، ببناه الاجتماعية ومفاهيمه الثقافية؛ وهذين العاملين لعبا دورا كبيرا في كبح مسارات التطور المستقل للنظام الفلسطيني، وقلّصا مسارات الحراك الداخلي المستقل في الساحة الفلسطينية.
4 ـ سيادة الروح "الأبوية" العائلية والعشائرية، في المجتمع الفلسطيني، الذي يبدو مجتمعا تقليديا في علاقاته ومفاهيمه وبناه، ما أثر على النظام الفلسطيني الذي اتسم بسمات الأنظمة السائدة، فهو نظام متخلف من حيث المؤسسات، وفردي من حيث طريقة صنع القرارات، ويفتقد للعلاقات الحديثة والديمقراطية القائمة على المأسسة والتمثيل والمساواة والتداول. فالديمقراطية في الساحة الفلسطينية ظلت تقتصر على حرية الرأي والتعبير وتشكيل الفصائل والأحزاب والتجمعات، ولكنها افتقدت لعلاقات التمثيل (التي تعكس واقع وحجوم القوى في المجتمع)، كما لعلاقات المشاركة الفعلية والتداول؛ ولهذا السبب ظل النظام الفلسطيني جامدا، تقريبا، عند النقطة التي انطلق منها في منتصف الستينيات، ببناه وعلاقاته وتكويناته، وحتى بشعاراته وطرق عمله!
5 ـ ظل النظام الفلسطيني السائد، بتكويناته، أسير نظام "الكوتا" الفصائلية، في المؤسسات القيادية، رغم هيمنة حركة فتح عليها، كما أن هذا النظام (بكل مكوناته) اعتمد على المتفرغين، لا على الانتماء الحزبي، وعلى الأجهزة بدلا التنظيم. وهذا الوضع جعل الاعتمادية المالية على الخارج أقوى، وأضعف مسارات التمثيل والمشاركة والديمقراطية في إطار المنظمات الفلسطينية، وما فاقم من هذا الوضع طغيان الطابع العسكري على طبيعة هذه القوى.
كان لابد من هذه المقدمة كمدخل تأسيسي للحديث عن أهمية الديمقراطية في الساحة الفلسطينية، من دون أن يعني كل ما تقدم أن المآل الذي وصلت إليه هذه الساحة كان قدرا لا يمكن الفرار منه، أو تجاوزه.
في الحقيقة فإن القيادات الفلسطينية، بمختلف تلاوينها، تتحمل مسؤولية الجمود الحاصل في بنية العمل الفلسطيني وأشكال عمله وتعبيراته السياسية، مع الأخذ بالاعتبار المداخلات الخارجية؛ وربما أن تخلف الإدارة الذاتية وضيق الأفق لدى الطبقة السياسية الفلسطينية والنزعة الأنانية ساهمت كلها في تعزيز دور العامل الخارجي ككابح للتطورات الداخلية، بقصد أو من دونه.
المشكلة أن حركة فتح، التي هيمنت على المجال السياسي الفلسطيني، لم تستطع ترجمة هيمنتها بصورة ايجابية، عبر تكريس علاقات التعددية والتنوع القائمة في الساحة الفلسطينية (وفي فتح ذاتها) على قاعدة المأسسة والديمقراطية، وفق علاقات التفاعل والتشارك والتداول، بسبب افتقاد فتح ذاتها لهذه العلاقات، على المستوى الداخلي، بغض النظر عن إطارها المفتوح فكريا وتنظيميا. والمشكلة أيضا أن الفصائل الأخرى، التي تدّعي كونها فصائل ديمقراطية، لم تكن في علاقاتها الداخلية أحسن حالا، من الناحية العملية!
وواقع الحال فإنه لا يمكن التعامل مع الديمقراطية في الساحة الفلسطينية على أنها ترفا، أو حالة كمالية، فهي جزء عضوي من العملية الوطنية الفلسطينية، بحكم حال التعددية والتنوع في المجتمعات الفلسطينية المتوزعة (سياسيا وفكريا جغرافيا وحتى مصلحيا)، وبحكم الأهمية الاستثنائية للوحدة الوطنية، أي وحدة الشعب، ونظرا لحاجة الشعب الفلسطيني إلى كيان يمثله ويعبر عنه.
وعلى أية حال فقد بينت العمليات الانتخابية الرئاسية والبلدية، التي جرت في الضفة والقطاع، أن النظام الفلسطيني، الذي ساد طوال العقود الأربعة الماضية، بات بحاجة ماسة إلى صياغة جديدة، وإلى تعريفات وشراكات جديدة، أيضاً. فقد أكدت هذه الانتخابات، أولاً، أن حركة فتح، لم تعد تستطيع احتكار القرار السياسي، بمعزل عن الآخرين؛ ثانياً، أن حركة حماس، وتمثّل تيار الإسلام السياسي، رسّخت مكانتها كمنافس لحركة فتح في نفوذها؛ ثالثاً، أن ما يسمى بالفصائل الوطنية والديمقراطية الأخرى مازالت عاجزة عن تقديم نفسها كطرفٍ ثالث، أو كبديلٍ وطني، بحكم تشتتّها، و ضعف خطاباتها وبناها وأشكال عملها.
يستنتج من كل ما تقدم أن تحقيق الانتقال الديمقراطي في النظام الفلسطيني يحتاج أصلا، إلى تنازل متبادل من الحركتين الرئيسيتين، فهو يحتاج إلى تراجع فتح عن احتكارها القرار السياسي وإعادة الاعتبار للمؤسسات التشريعية الوطنية، وتكريس الديمقراطية في العلاقات الداخلية، كما يتطلب الأمر من حماس الانخراط في النظام السياسي الفلسطيني، وإيجاد مقاربة تمكنها من الاستجابة لبرنامج الإجماع الوطني، برغم من حقها في الاحتفاظ بأجندتها السياسية.
وهذا التحول يحتاج، أيضا، من كل الفصائل إلى نوع من الجرأة وتغليب المصلحة الوطنية، للخروج من نظام "الكوتا"، إلى النظام التمثيلي، ما يفترض من الفصائل الصغيرة، التحلي بنوع من الشجاعة السياسية والنقد الذاتي، وتغليب المصلحة الوطنية على المصلحة الذاتية، لتسهيل هذا التوجه، ربما عبر المبادرة نحو إعادة صياغة أوضاعها ولملمة شتاتها وإيجاد منبر ثالث يعبر عنها.
هكذا فإن تحول النظام السياسي الفلسطيني نحو اعتماد النسبية في الانتخابات التشريعية، وانخراط حماس في بنيته، وتخليصه من مظاهر العسكرة وطغيان الأجهزة الأمنية، وأيضا محاولة فتح تطوير وتصحيح أوضاعها، وترميم التيار الديمقراطي لأوضاعه، ربما يضع الأسس الموضوعية لتحقيق نقلة تاريخية في مسيرة تطور هذا النظام، في بنيته وعلاقاته وشعاراته. ماجد كيالي