محاولة تفكيك المشهد الليبي

بقلم: مصطفى الفيتوري

1

يبدو المشهد الليبي كصور تفككت واحتار من ساعد على تفككيها في كيفية اعادة تركيبها كما كانت. وبدقة أكثر يبدو المشهد كطفل يستكشف مكونات لعبة بين يديه وفي محاولته تلك كان شديد التركيز حتى لحظة تدخل امه وهنا تشتت انتباهه ولما عاد الي لعبته اندهش مما يرى وكأنه يراه للمرة الأولى..لم يخطر بباله ان أجزاء اللعبة معقدة بهذا الشكل وان اعادتها الى وضعها الطبيعي امر بالغ الصعوبة خاصة في ظل تدخلات جانبية تفقده القدرة على التركيز. حاولت امه مساعدته الا انها وفي لحظة ما كانت اكثر اهتماما بأشياء اخرى وتركته هو ولعبته.

في السابع عشر من هذا الشهر دخلت الأزمة في ليبيا شهرها الثالث بالتمام والكمال. وحتى بعد كل هذا الوقت لم يهتد الطفل الى الخطوة الاولى في أعادة تركيب الصورة مع ان عقله الباطن متأكد من تلك المعرفة التي ورثها. وهل يٌعقل الا يعرف شاعرا لغة بلده؟ ولكن اللغة باتت صماء لا نطق فيها ولا معنى.

2

سيسجل التاريخ ان قسما من أبناء ليبيا استعانوا بالغريب على قسما آخر (وان كان النظام وحسب) وان ملف الأزمة الليبية الذي طار بين يدي مجلس الأمن بسرعة البرق كان مفتوحا منذ سنين ينتظر اكتمال اوراقه وهو ما تكفل به الليبيون كافة، الجاهل منهم والمتعلم العميل والأصيل البعيد والقريب المثقف ونصفه الذكر والانثى والشرقاوي والغرباوي وأبن النظام ومعارضه والبربري والعربي ــوربما السني والشيعي وهو اكتشاف جديد قد تتحفنا به الأزمة قريباــ ولن يكون الأمر غريبا فالحروب تولد الجديد المدمر دائما والأحقاد تولد في رحم الأزمات كضغائن وتكبر لتصبح احقادا يورثها الكبير للصغير الذي قد لا يعرف لها معنى الا ان الموروث يصعب التخلص منه.

3

ان العالم الذي تنادى لنصرة "الثوار" في ليبيا لا تحركه ضغائن ليبية ولا حزازات قبلية قد يعرفها الليبيون بينهم ولكن تحركه مصالحه (الثأر القديم مصلحة للدول أيضا) اذ ليس في لغة الدول علاقات حميمية او صداقات أخلاقية او تواصل أجتماعي: بين الدول مصالح ومصالح فقط. ولا شك عندي ان الذي اختار من دول العالم ان يرى الأمر كثورة تستحق الدعم انما كان يرى الامر من زاوية مصالحه. اجزم بأن دول العالم التي وقفت هدا الموقف لا تتغزل بعيون بعض الليبيين على بعضهم الاخر وهي لا تحبهم ولا تكرههم وهي لا تهتم كيف سيكون الحال عندهم بعد شهر او اثنين لأن هذه مصطلحات تستخدم لوصف المشاعر والأحاسيس التي لا وجود لها في العلاقات الدولية. الدول لا تتغزل ببعضها: الدول تتغزل في مصالحها ومصالحها فقط.

4

والمبكي في الأمر ان كثيرا من الليبيين لا يرون الصورة هكذا بل يرونها معكوسة: يرونها دعما للحق على الباطل وموقفا انسانيا تجاه الليبيين وبعضهم يكاد يراها كلحظة غرام جارفة وقعت فيها الدول الكبرى تجاه الليبيين ولم تجد وسيلة للتعبير عنها الا بالصواريخ على انواعها والطائرات على اختلافها نصرة للفريق الذي وقعت في غرامة على ذاك الذي تكره ــمع ان الحب واحد (فالنظام ليس وحده والذين معه ليسوا المستفيدين منه فقط)، بل الأكثر مرارة هو ان بعض الليبيين يرى ديغولا ليبيا سيولد من قنابل سركوزي وصواريخه. المشكلة أن ديغول الليبي هذا لا يعرف اللغة المحلية ولا ينطق بها ولا يفهم الشعر الشعبي ولا تعنيه كثيرا المساجد ولا الزوايا. هدا الديغول الذي يرى بعض الليبيين انه آت ليس ليبيا ولن يكون "ديغولا" أبدا.

5

في تاريخ الأمم لحظات حاسمة تحمل معها الكارثة والخير في آن معا. ان اخطأت الشعوب في قراءة اللحظة نالت الكارثة وأن هي أصابت في التقاطها حققت الخير والتقدم. اللحظة الحالية في ليبيا هي من هدا النوع ولكن بعض الليبيين أخطأ القراءة فنال الكارثة التي توشك أن تعم البلد بأسرها. والمفصل في اللحظة تلك هو الطرف الأجنبي: متى وجد طرف أجنبي انتهت كل المواقف السابقة ويجب أن تتحد ضده، وسقطت كل المطالب مهما صغرت او كبرت لأن شرعيتها أصابها الشك بوجود طرف أجنبي لبى دعوة من طالب به. الكارثة وهي تتوالى فصولا لم يعد بالإمكان تداركها ولكن بالإمكان تقليل مخاطرها المستقبلية.

6

قد يكون العراق الآن أفضل ألف مرة مما كان عليه أيام نظام الراحل صدام وربما يصبح بعد عشر سنوات أفضل بلد على وجه البسيطة الا ان التاريخ سيذكر وراء كل كلمة العراق أنه تم احتلاله عام 2003 بسبب كذبة ساهم بعض العراقيين في تسويقها وأن صدام واجه الموت رافع الرأس في حين أحمد الجلبي مثلا عميل. ذلك حتما سيذكره التاريخ وهكذا بالحرف.

7

الأجهزة الامنية التي عاملت الصحفي كسارق الدجاج، والخارجية التي تتعاطى مع الدول كمن يدير عزومة عرس ليبي، والأعلام الذي انتج من الغباء ما لا يمكن وصفه وتحول الي مصنع يفرخ الغباء بسرعة رهيبة كتفريخ الأرانب، والتجار الدين رأوا بلدهم لقمة سائغة يجب أن يتلذذوا بها قبل فوات الأوان، والجامعات التي تراكم الجهل وتعزز حفظ النصوص، والأئمة الذين حرفوا النصح والمشورة، كلهم أخطأوا ولكن خطأهم مبرر ان هم عادوا عنه لحظة دخول الغريب على مسار الأزمة. فليبيا التي يدعي الكل عشقها الآن في مهب الريح.

8

ان القول بان حلف الناتو واميركا وفرنسا وقطر والإمارات وغيرها ممن لا نعلمهم ــ وسنعرفهم يوما ما ــ جاءوا يدكون ليبيا بالصواريخ من اجل الليبيين ومن اجل "الثوار" هو هرطقة قريبة من الكفر.. كلام لا يستحق حتى الرد عليه او مناقشته من الأساس. ان لكلا مصلحته ولا تهمه ليبيا الا بقدر تلك المصلحة وأن بدأت المصلحة تافهة مثلا. أن عداء هذه الدول للنظام (وهو موقف مفاجئ من بعضها) ليس مبررا كافيا وموقفها الإنساني ليس مبررا أيضا وحبها للحرية كلام أسخف من ان يٌناقش وتعلقها بالديمقراطية مدعاة للضحك (اين الديمقراطية في مشيخات الخليج؟) اذا لابد ان هنالك شيئا آخر. هذا المخفي ومهما كان لا يمكن ان يكون محبة في ان ينال الليبيون الحماية التي يدعي هؤلاء انهم يفتقدونها وهو لا يمكن ان يكون في مصلحتهم.

9

الذين يظهرون علينا في وسائل الإعلام متحدثين بأسم الشعب الليبي من هم؟ انا ليبي ولم اختر أيا منهم ولا اعرف ان أي من اهلي وأصدقائي في كافة أرجاء ليبيا (بما فيها المدن المحررة كم يسمونها) قد اختارهم. اللهم الا ان انتخابات جرت وأنا لم أسمع بها...لو علمت لرشحت نفسي أيضا اذ ربما أفوز بكرسي يمثل ساقيه على الأقل! بعض بل أغلب هؤلاء "الممثلين" للشعب هم كراسي او أمعات في احسن الأحوال. القول بأنهم ولدوا على الأرض من واقع ما جرى كذبة كبيرة لأن الذين تظاهروا في بنغازي يوم 15 و16 فبراير صاروا ذكرى لا يسترجعهها احد.

مصطفى الفيتوري

اكاديمي ليبي وحائز على جائزة سمير قصير لأفضل مقالة رأي للعام 2010