محاولاتٌ لإنقاذ 'المنبر الذهبي'

نجوم السينما العالمية في المهرجان

باريس - منذ بداية شهر يناير من هذا العام، بدأ التحضير بجديةٍ للدورة الرابعة للمهرجان الدولي لسينما الشعوب المُسلمة "المنبر الذهبي"، وبعد ثلاثة أشهر من عمل اللجنة المُنظمة في مقرها بمدينة موسكو، تمّ الحصول على أكثر من 56 عملاً سينمائياً من 15 دولة، والاتفاق مبدئياً مع عدد من الفنانين الكبار في العالم (وخاصةً الإسلامي، والعربي) للمُشاركة (الولايات المتحدة، مصر، السعودية، ايران، قطر، الكويت، المغرب، الجزائر، أفغانستان، بنغلاديش، البوسنة، والهرسك، كرواتيا.)
وكان من المُقرر انعقاد الدورة الرابعة خلال الفترة من 22 إلى 28 أغسطس 2008 (وتمّ تقديم التاريخ المُعتاد كي لا يتضارب مع حلول شهر رمضان المبارك.)
ولكن، بعد لقاء اللجنة المُنظمة، وتضمّ رئيس المهرجان سماحة المفتي الشيخ راوي عين الدين، ونائب الرئيس عبد الواحد نيازوف، والمدير العام زاودي ماميرقوف مع وزيرة الثقافة لجمهورية تتارستان زيلا وليوفا، ورئيس مركز الإنتاج السينمائي لجمهورية تتارستان فلاديمير بيتراكوف، وإصرار وزارة الثقافة التترية، تمّ تأجيل انعقاد الدورة الرابعة إلى شهر أكتوبر بدون تحديد التاريخ !
من المعروف، بأنه منذ الدورة الأولى، هناك اختلافٌ كبيرٌ بين إدارة المهرجان في موسكو، والجهة المُضيفة (وزارة الثقافة لجمهورية تتارستان).
وتجدر الإشارة، بأنّ فكرة تأسيس المهرجان تعود للمدير العام السيد زاودي ماميرغوف الذي عرض الفكرة على المفتي العام لروسيا الفدرالية بمقر مجلس الإفتاء في روسيا بموسكو، والذي يعتبر الجهة الرسمية التي تمثل مصالح المسلمين لدى الحكومة الفيدرالية، ومستشار مكتب رئيس روسيا في الكريملين عن المسلمين، وبدوره عرض الفكرة على المسؤولين في الكريملين، ورحبوا بها، وأشاروا عليه تقديمها لرئيس جمهورية تتارستان التابعة لروسيا الاتحادية .
أما وزارة الثقافة التتارية، فقد كانت ضدّ فكرة تأسيس مهرجان سينمائي للشعوب المُسلمة، بل كانت تحضر مهرجاناً آخر يطغى عليه الجانب القوميّ التركي، ويهتمّ بالدول الناطقة باللغة التركية فقط، وهي جمهورية تتارستان التابعة لروسيا الاتحادية، تركيا (التي لم تهتم بالمهرجان)، قرقيزيا، كازاخستان، أوزبيكستان، وأذربيجان، ولكن رئيس جمهورية تتارستان، المعروف بميوله للعالم الإسلامي، رفض المشروع، وعندما عُرض عليه فكرة مهرجان "المنبر الذهبي" من طرف المفتي العام لروسيا الشيخ راوي عين الدين وافق بسرعة، وأعطى كلّ الضمانات لتسهيل إقامة المهرجان، خاصة، وقد توافق تاريخ انعقاد الدورة الأولى مع الاحتفالات بمرور ألف عامٍ على إنشاء مدينة قازان.
وطبعا، وجدت وزارة الثقافة التتارية نفسها مضطرةً لتطبيق أوامر رئيس الجمهورية، وحاولت منذ الدورة الأولى استغلال المهرجان لتحقيق مشروعها الأول المرفوض من قبل الرئيس، وجعله خالياً من العالم الإسلامي، والاقتصار على الدول الناطقة بالتركية فقط.
لكن مجهودات إدارة المهرجان في موسكو برئاسة المدير العام زاودي ماميرغوف جعلته عالمياً بمعنى الكلمة، بفضل تعاونها مع وسائل الإعلام العربية، والأجنبية، والتي لم تبدي وزارة تتارستان أيّ اهتمام بها، فمثلا، أصرت اللجنة المُنظمة على استضافة بعض الإعلاميين العرب، وعلى حسابها الخاص رغم رفض الوزارة، وتعاونت مع أكثر المواقع الإسلامية شعبيةً على الأنترنت (Islamonline.net)، وأصبح من الداعمين الإعلاميين للمهرجان، ويعود له الفضل في التعريف بمدينة قازان على الساحة الفنية العربية، والعالمية كما دخلت قازان إلى مشهد المهرجانات الدولية من بابه الواسع، وقبل ذلك لم يسمع بوجودها أحد أصلاً .
وبقدر محاولات لجنة تنظيم المهرجان بموسكو على التعريف بالمهرجان، وبجمهورية تتارستان في العالم كله، وإبراز الصورة الحضارية للدين الإسلامي، بقدر ما عملت وزارة الثقافة التتارية على جعل المهرجان خاصاً بالمدينة في جوها الضيق، والاكتفاء بالاحتفالات، والسهرات البعيدة كلّ البعد عن الفن السابع، وكانت حجتها دائما بأنها تريد مهرجاناً دولياً لمدينة قازان خاصاً بالسينما فقط، بدون ربطه بالإسلام، وهو الأمر الذي سوف يفرغه من أهميته، إذا علمنا بأن اهتمام أغلب الدول المُشاركة بالمهرجان يعود أصلاً إلى علاقته بالدين الإسلامي، وبالشعوب المسلمة، وأن أغلب الفنانين الكبار الذين أعربوا عن تشجيعهم، وحضورهم هي رغبتهم في التعرف على سينما البلدان المُسلمة !
أما ما طلع به مسؤولي وزارة الثقافة مؤخراً، بأنهم سوف يعمدون بأنفسهم لاختيار لجنة التحكيم، وحجتهم بأن الذين رشحتهم اللجنة المنظمة في موسكو للدورات السابقة كانوا غير معروفين دولياً، والمقصود هنا الشخصيات التي مثلت مصر، والدول العربية، لأنهم لا يريدون أن تكون مشاركة الدول العربية كثيرة في المهرجان، ولأن اللجنة المنظمة بموسكو تمكنت في الدورة الثالثة من دعوة عدد لا بأس به من الدول العربية، وأصبحت مشاركتها أمراً حتمياً.
وهناك نقطة أخرى أحرجت وزارة الثقافة التتارية، عندما تساءل النقاد الروس عن أسباب عدم حصول بعض الأفلام العربية على جوائز مع أنها كانت أفضل بكثير من بعض الأفلام التتارية التي كرمتها وزارة الثقافة التتارية بعيداً عن قرارات لجنة التحكيم.
ووجدت الوزارة نفسها في مأزقٍ أيضاً عندما تمّ عرض تلك الأفلام في برنامج خاص في موسكو تحت عنوان "صدى المهرجان"، وأعجب الكثير من السينمائيين الروس بفيلم "صباح الفل" للمخرج المصري الشاب شريف البنداري، وكذلك فيلم "حكاية بحرينية" الذي لم تقم الوزارة بأدنى جهد لتخليصه من الجمارك باعتبارها جهة رسمية رغم إعلامها من قبل اللجنة المنظمة بموسكو بالمشكلة، وكان يتوجب عليها فقط إرسال خطاب لمصلحة الجمارك بموسكو لحلّ المشكلة، ولتفادي تلك المشكلة، تمّ عرض الفيلم بنسخة DVD، هذا بالإضافة إلى عددٍ من الخلفيات الأخرى، مثل عدم تعليق الصور الدعائية لفيلم "الميدان/ساحة المعركة" الفائز بجائزة أحسن ريبورتاج تلفزيوني لمخرجه المصري أسعد طه رغم أنه أرسل الفيلم مع الصور الدعائية قبل شهرٍ من انعقاد المهرجان، وعندما وصل إلى قازان، فُوجئ بعدم وجود أيّ ملصقٍ لفيلمه في قاعات العرض على عكس ملصقات الأفلام الأخرى المشاركة .
كذلك سياسة التمييز في الحفلات الخاصة التي أقامتها وزارة الثقافة التتارية خلال المهرجان احتفاءً بالضيوف، حيث لم يُستدعى إليها أيّ ممثلٍ لدولةٍ عربية !
ومن نتائج اللقاء الأخير في موسكو أيضاً، تحديد مهمة اللجنة المُنظمة باستدعاء الأفلام فقط، واعتماد قائمة الدول المشاركة بعد موافقة وزارة الثقافة، وهذا يعني إمكانية إلغاء مشاركات بعض الدول حتى ولو اختارت لجنة الاختيار أفلاماً منها ..
اليوم، مازالت الصراعات مُستمرة في الخفاء، والعلن بين موسكو، وقازان للاستحواذ على المهرجان الدولي لسينما الشعوب المُسلمة "المنبر الذهبي". (مدونة سحر السينما)