محامون عن 'جريمة حماة'!

بقلم: جواد البشيتي

في هذا الربيع الثوري الديمقراطي للشعوب العربية، لا بدَّ من إعادة تعريف العدو لشعوبنا المنتفضة الثائرة؛ فإنَّ ما حدث ويحدث يُظْهِر ويؤكِّد أنَّ العدو الإسرائيلي (مع حليفه الأوَّل والأعظم في العالم ألا وهو الولايات المتحدة بصفة كونها القوَّة الإمبريالية العظمى في العالم) يستمِدُّ جزءاً كبيراً من قوَّته من أنظمة الحكم الدكتاتورية العربية التي عرفت كيف تجعل مجتمعاتنا وشعوبنا (وأمَّتنا بأسرها) صِفْراً مُطْلَقَاً من الوجهة السياسية ـ الإستراتيجية في صراعنا القومي والتاريخي ضدَّ هذا العدو؛ وإنَّ ما حدث في مدينة حماة يَصْلُح دليلاً قوياً على أنَّ كل نظام حكم عربي يناصب الحقوق الديمقراطية لشعبه العداء لا يمكن أن يكون معادياً (عداءً حقيقياً إيجابياً مثمراً) لإسرائيل.

إنَّ ورقاً يكشف ورقاً؛ فلمَّا كشف نظام الحكم السوري (عن اضطِّرار) كثيراً من أوراقه، وأظهرته ثورة شعبه عليه على حقيقته العارية من الأوهام المعمية للأبصار والبصائر، كَشَفَ حلفاؤه من "المثقَّفين القوميين والثوريين العرب"، وعن اضطِّرار أيضاً، أوراقهم، فبانوا على حقيقتهم السياسية والفكرية، والتي لا نراها في وضوح وجلاء إلاَّ في الفاشية والستالينية.

لقد قُلْتُ بالحاجة (الشعبية الثورية) إلى إعادة تعريف العدو؛ لكنَّ إعادة التعريف هذه لن تكون مفيدة (نظرياً وعملياً) لشعوبنا المنتفضة الثائرة إلاَّ إذا جاءت متوافقة لا متعارضة مع "روح" الربيع الشعبي الثوري الديمقراطي العربي؛ ولن تجيء متوافقة معها إلاَّ إذا اشتملت على "الاستبقاء" و"الإضافة"؛ فإنَّ إسرائيل، ومعها القوَّة الإمبريالية العظمى في العالم، تبقى، ويجب أنْ تبقى، العدو لشعوبنا وأمَّتنا، على أنْ تُضاف إليها، ولأسباب موضوعية واقعية، أنظمة الحكم الدكتاتورية العربية، التي في حماة (على وجه الخصوص) عَرَّفت لنا نفسها بنفسها، وأقنعت حتى قليلي الذكاء الثوري من "مثقَّفينا القوميين الثوريين"، الذين اجتمعت فيهم (شخوصاً ورأياً وموقفاً) الفاشية والستالينية، بضرورة وأهمية أنْ تأتي إعادة تعريف العدو بما يجعلها جزءاً لا يتجزَّأ من هذا العدو الحقيقي (المركَّب) لشعوبنا وأمَّتنا.

وفي هذا الصراع التاريخي والحضاري الذي تخوضه شعوبنا الآن ضدَّ هذا "العدوِّ المركَّب"، والذي "رَكَّبه" الواقع الموضوعي لا نحن، لا بدَّ لعقولنا من أنْ تغتسل، أيضاً، من وهمين كبيرين هما: وَهْم "الديمقراطية المتصالحة مع عدوِّنا القومي (إسرائيل)"، ووَهْم "العداء القومي لإسرائيل المتصالح مع الدكتاتورية".

أقول ذلك، وأقول به؛ لأنَّ ثمَّة "مثقَّفين ليبراليين"، قادهم تعصُّبهم التافه لـ"حقوق الإنسان"، ولِمَا يتفرَّع منها، ويُشْتَق، من شعارات ليبرالية، إلى أنْ يفهموا الثورات الديمقراطية لشعوبنا على أنَّها الطريق إلى التصالح مع العدوِّ الإسرائيلي، والتخلِّي عن الصراع القومي ضدَّه؛ ولأنَّ ثمَّة "مثقَّفين قوميين ثوريين" زَيَّن لهم ضيق أُفْقِهم القومي والثوري أنْ يمجِّدوا الدكتاتورية، وأنْ يتصوَّروا، ويُصوِّروا، الدولة العربية التي رأيْنا وجهها الحقيقي في حماة على أنَّها سلاحٌ لنا، لا ضدَّنا، في صراعنا القومي ضدَّ العدوِّ الإسرائيلي؛ وكأنَّ نيل شعوبنا لحقوقها الديمقراطية هو نَيْلٌ من قوَّة مناعتنا القومية!

إنَّنا ضد كل "ثقافة قومية" تُمجِّد الدكتاتورية، وتعادي الحقوق الديمقراطية للشعب، وضدَّ كل "ثقافة ليبرالية" تدعو (ولو ضِمْناً) إلى التصالح مع عدوِّنا القومي، أي الاستخذاء له، وتُصَوِّر هذا التصالح على أنَّه خير مقياس نقيس به قوَّة التزامنا الديمقراطي.

لقد أمعنتُ النظر في التكوين الفكري والأخلاقي والنفسي لكل مثقَّف "قومي ثوري" عربي يُناصِر، في السرِّ أو في العلن، نظام الحكم السوري فَلَمْ أجِد في تكوينه إلاَّ مُخْتَصَر ومَسْخ ثلاثة هم هتلر وموسوليني وستالين.

وإنَّ آخر ما ألْهَمَهُم الوحي البعثي الأسدي هو أنَّ ما يحدث في سورية ليس ثورة شعبية أصيلة ضدَّ الدكتاتورية، ومن أجل نيل الشعب حقوقه الديمقراطية والإنسانية، وإنَّما جُمْلَة ضغوط يتعرَّض لها نظام الحكم السوري (الذي يمثِّل القلعة القومية العربية الأخيرة ضد العدوِّ الإسرائيلي) من أجل حَمْلِه على التنازل للولايات المتحدة (في المقام الأوَّل) في قضايا قومية، وبما يعود بنفعٍ كبير على عدوِّنا القومي الأوَّل وهو إسرائيل؛ فإنَّ ممارسي تلك الضغوط لا يستهدفون إطاحة نظام الحكم هذا وإنَّما إخضاعه لهم، وإرغامه على أنْ يلبِّي لهم مطالبهم وشروطهم على المستوى الإقليمي.

إنَّه قولٌ لا غرض يكمن فيه إلاَّ "الإمعان في التشويه"، و"بث الروح الانهزامية" بين المنتفضين الثائرين من الشعب السوري؛ فهذه الثورة الديمقراطية الأصيلة للشعب السوري، يُمْعَن في تشويهها، فتُصوَّر على أنَّها الجزء الأكبر والأهم من حملة الضغوط الدولية والإقليمية التي يتعرَّض لها نظام الحكم السوري الذي سيبقى، ولو كَرِه شعبه المنتفض الثائر عليه؛ لأنَّ ممارسي الضغوط أنفسهم لهم مصلحة في بقائه، ولا يمكنهم الاستغناء عنه، وعن خدماته؛ فَليَكُفَّ الشعب السوري عن طلب "المستحيل"، دولياً وإقليمياً.

أمَّا الواقع، الذي هو الآن كجهنَّم لأوهامهم، فيقول لو كان نظام الحكم السوري مقتنعاً بانتهاء ثورة شعبه عليه إذا ما تنازل للولايات المتحدة لتنازل؛ ولو كانت الولايات المتحدة تملك أمْرَ الثورة السورية لَعَرَفَت كيف تغري نظام الحكم هذا بالتنازل لها.

على أنَّ هذا الذي قُلْت لا يتناقض مع تتمته الواقعية الضرورية وهي أنَّ ثمَّة قوى دولية وإقليمية عدة تسعى في تسيير رياح الثورة الشعبية الأصيلة بما تشتهي مصالحها وأهدافها والتي هي مصالح وأهداف تتعارض، ولا تتفق أبداً، مع دوافع تلك الثورة، فتلك القوى لا تُصالِح نظام الحكم السوري، إذا صالحته، ولا تعاديه، إذا عادته، إلاَّ بما يعود بالضرر على ثورة الشعب السوري، الذي كلَّما تعمَّق وتوسَّع في ثورته اقتنع أكثر بعداء تلك القوى له ولثورته؛ وكلَّما ازداد اقتناعاً بذلك اشتدت وعَظُمَت حاجته إلى مزيد من الثورة على الدكتاتورية.

جواد البشيتي