محاكمة مبارك: عدالة ما قل ودلّ لن تجلب لنا إلا الذل

بقلم: د. توفيق قريرة

أثارت صور محاكمة الرئيس المصري حسني مبارك وابنيه وبعض معاونيه يوم 3 أغسطس الجاري تعليقات كثيرة دفعت بكثير من المثقفين العرب إلى توجيه الناس إلى استخلاص العبر من أنّ دولة الاستبداد لا تدوم وأنّ تلك محاكمة رأس السلطة الفاسدة يمكن أن تكون خير رادع لمن تحدثه نفسه بأن يسير سيرة الجبارين. إنّ هذا الخطاب الذي يرضي نفوس كثير من منتجيه ومن قارئيه لا يمكن أن يقود إلى علاج السرطان المتفشي في الجسم العربي بل هو نوع من المسكنات التي لا تقتل الداء بل تسكنه وتترك له الفرصة لكي ينتشر بشكل أكثر هيجانا واستشراء.

ماذا يعني أن ينام المخلوع مبارك وراء القفص ويلعب بأنفه كما كان يلعب بتاريخ أعرق بلاد عربية وبحغرافيتها؟ وأيّ نصر حققته الثورة من وراء ذلك المشهد؟ وأي مكسب للعدالة الإنسانية تحقق بعد أن أجاب المبارك القاضي بإنكار كل ما نسب إليه؟ هل تساوي المدة الوجيزة التي قضاها الرئيس المصري المخلوع مستلقيا من وراء القضبان يداعب خياشيمه الأزمنة المتطاولة لحكمه والتي قضتها شعوب مستضعفة وراء القضبان؟ هل يتساوى إنكار المجرم لما اقترف مع إجبار الأبرياء على أن يعترفوا وتحت الضغط بجرائم لم يقترفوها؟ هل انتصرت العدالة حين أظهرت رجلا لا يستطيع أن يصلب طوله وهو مغشى وراء القضبان؟ ألن يكون في ذلك المشهد مدعاة للشفقة لدى من يراعي حقوق الإنسان؟ ألم يقل بعض من المصريين المتعاطفين: ارحموا عزيز قوم ذلّ؟

إنّ ما شاهدناه نزر قليل في عمر العدالة المنتهكة وحركة رمزية ليس إلا ّ.. يريد الساسة أن يلعبوا على رمزية مشهد المحاكمة لأنهم يعرفون أنّ شعوبهم يمكن أن ترضى بالقليل وأنّها تكتفي بما قلّ ودلّ.. يكفي أن تقدم لهده الشعوب المغلوبة على أمرها دهورا قليلا من الحقّ حتى تفتك منها قناعة تعتبرها كنزا لا يفنى..

العدالة الانتقالية في البلدان التي فصلت أو ستفصل رؤوس سلطتها عن جسم نخره سوس الفساد تنتهج في الهدالة مبدأ ما قل من العدالة ودلّ.. القائمون على العدالة وهم في الغالب جزء من الجسد الذي فصل رأسه يعلمون أنّ الشعوب العربية لم تتعوّد على أن تحاكم الرئيس ولا الوزير ولا المدير ولذلك يعلمون أنه يكفي أن تقدم الرئيس أو الوزير حاضرا كالغائب أو غائبا كالحاضر حتى يشفي غليل الشعب بهذا القليل الرمزي.. شعب لم يكن مسموحا له بأن يحلم بهذا المشهد. شعب كان يسلم أنه من حق الرئيس أن يخطئ وتعاقب بالّسمل كل عين رأته. كان الشعب يؤمن أنه ليس من حقّ أحد أن ينقد الرئيس فما بالك أن يتعقبه لإيجاب حقوقه.. وحين تثور الشعوب وتطالبت بالمحاكمات العلنية لحاكميها الظالمين لن يكون في وعي كثير منهم أن ّ هذه المحاكمات تتجاوز مجرّد رؤية الحاكم وراء القفص فهذا جزء من المشهد ضروري تتجاوزه إلى محاسبة متعقلة للفساد وبحسب الاختصاصات والأبواب.. تبقى أسئلة بسيطة تطرح على القائمين على العدالة: هل من الممكن أن نحاسب حاكما على آخر خطأ افترفه وننسى دهرا من حكمه محفوف ومكلل بالأخطاء؟ أليس من باب ما قل ودلّ أن يحاكم الرئيس على قنص الأرواح أيام الثورات وينسى أنّه قنص أرواحا أخرى قبل ذلك؟ وأليس من من باب ما قل ودل أن يحاكم آخر الوزراء على آخر الأحداث ولا يحاكم كل من سبقت يده إلى هتك القوانين والأعراف؟

ذنب العدالة في ما قل ودلّ أنها غير تراجعية لا يمكن أن تنال وبالتقادم ممن اعتدى عليك منذ عقد ولم يكن لك عليه سلطان.. على عقود الظلم السابقة في تصور العدالة الرمزية المتسامحة أن تدفن في قلوب المظلومين وعلى أموالهم التي سلبت منهم أن تذفن في جيوب من استولوا عليها وعلى أعراضهم المنتهكة أن تدفن في مجاهل النسيان.. في منوال العدالة القائم على ما قل ودلّ يلعب الرمز دورا في القصاص: حذ نموذجا من الأشخاص الفاسدين ونموذجا من قضايا الفساد واغلق القوس.. ولا تخشى فإنّ الجمهور الذي أتخمته الغطرسة والاستبداد سيكتفي بهذه النسائم من العدالة وسيغلق القوس..بعدها عليك أن تحيي قيم الإسلام السمحة الداعية إلى التسامح والمؤمنة بأنّ العفو من شيم الشجعان وأنّ الله يعفو عما سلف..و غيرها من الأقوال المأثورة التي لا يملك الطيبون من المؤمنين غير التسليم بها.. عندئذ سيسامح المظلومون المجرمين وحين يخرجون من دائرة الإثم ومن انكسار الهزيمة سيعودون من جديد إلى دائرة الانتقام والجبروت.. يعود المواطن البسيط إلى مرحلة أخرى من اللعبة..يعود كما كان عبدا لسادة الأمس أو لأحفادهم أو لأقرانهم.. ويومها سيعود الحساب كما كان أول مرة عسيرا.. وعندئذ نبدأ من جديد في دورة الحرية الآنية والانكسار دورة كثيرا ما تتكرر في تاريخ الشعوب التي تفرط في الأخذ بناصية حقوقها ولنا في حضارتنا العربية أكثر من مثال.

د. توفيق قريرة

أستاذ بالجامعة التونسية