محاكمة مبارك: السيناريو الأسود!

بقلم: ماجد ضيف

للمرة الألف أستأذنكم بالتأكيد على ثوابتي الحصرية بشأن الثورة كمدخل حتمي إلى مقال اليوم:

1. أن مصر شهدت في خلال العقد الأخير من حكم مبارك معارضة متصاعدة تجسدت في كافة صور المعارضة من كتابات ومواجهات برلمانية واعتصامات وإضرابات وتظاهرات كان آخرها وأكبرها حجماً وأوسعها انتشاراً تظاهرة 25 يناير 2011.

2. أن الثورة الحقيقية ولدت يوم 28 يناير بخروج مختلف فئات الشعب وطبقاته.

3. أن البعض من شباب الثورة حاولوا ولا زالوا يحاولون استلاب الثورة من الشعب ونسبتها لأنفسهم، وقد شجعهم على تصديق هذا الوهم والترويج له أن ثورة 28 يناير قد تواصلت دون فاصل زمني مع تظاهرات 25 يناير التي لم تكن من حيث الحجم وقوة التأثير وسقف الطوح سوي تظاهرة كبيرة كما أسلفنا.

4. أن الطموح الشخصي والبروز الإعلامي لهذه الفئة من الشباب وتملق أغلب النخبة لهم قد دفعهم إلى مزيد من التمرد على كل شيء وفي أي وقت انسياقاً لوهمهم بأنهم أصحاب الثورة والأوصياء عليها دون سواهم، الأمر الذي ترتب عليه بالتبعية فقدانهم لتعاطف قدر كبير من الشعب وربما مؤسساته الرسمية وعلى رأسها دون شك المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

5. أن مبارك لم يكن ذلك الحاكم الديمقراطي الذي يتنحى عن الحكم من أجل الملايين التي احتشدت مطالبة بسقوطه، إذ يقيني أنه لم يقدم على التنحي إلا بعد أن أيقن أنه قد صار الطرف الأضعف بعد أن تخلى عنه المجلس العسكري ومن ورائه الجيش.

6. أن فئة الشباب المشار إليها قد ارتكبت لحداثة سنها وقلة خبرتها ونضجها العديد من الخطايا السياسية والأخلاقية التي أشرت إليها سلفاً، إلا أن أفدح هذه الخطايا من وجهة نظري هي رفع الشعارات التي تندد بالمجلس العسكري وتتطاول على قادة الجيش وتتوعدهم بالمحاكمة، كل ذلك دون أدنى إثبات قانوني بضلوع المجلس في جرائم محددة.

تبعاً لما أسلفت وأخص بالذكر البند الأخير فقد بدأ ينبت في داخلي هاجس لا أملك تأكيده، إنه السيناريو الأسود والأسوأ بين كل السيناريوهات التي يمكن توقعها، وقد تعزز هذا السيناريو الأسود في ظني بعد صدور الحكم القضائي على مبارك ووزير داخليته العادلي ومساعديه الستة فيما يتعلق بقتل المتظاهرين في الأيام الأولى من الثورة!

فقد أوحت لنا مقدمات الحكم أننا بصدد حكم شديد القسوة إلى الدرجة التي قد تجعل أكثر الناس بغضا لمبارك ورجاله في حالة من الشفقة عليهما، إلا أن الحكم ـ وهو حكم قابل للإستئناف والنقض ـ جاء على النقيض من ذلك تماماً، فقد عوقب كل مبارك والعادلي بالسجن المؤبد في ذات الوقت الذي حكم فيه بالبراءة لمساعدي العادلي الستة !!

فأما مبارك والعادلي فقد استند الحكم عليهما إلى مشاركتهما في قتل المتظاهرين بطريق غير مباشر باعتبارهما لم يصدرا قرارات بالقتل ولكنهما لم يأمرا باتخاذ التدابير التي من شأنها حماية المتظاهرين من القتل، وأما المساعدون الستة للعادلي فقد تأسست براءتهم على أنهم لم يشاركوا في قتل المتظاهرين بأية صورة مباشرة أو غير مباشرة!

وفي تقديري الشخصي أن الطعن من جانب مبارك والعادلي على الحكم الصادر ضدهما سيؤول حتماً إلى براءتهما، لماذا؟ لأن الإدانة كما أسلفت تأسست على كونهما لم يأمرا بتوفير التدابير اللازمة لحماية المتظاهرين من قتلتهم المجهولين! وهي جريمة يمكن بسهولة لكاتب مثلي لم يعمل يوماً بالقضاء الجالس أو الواقف نقضها بكل بساطة حينما أدفع بأن مبارك والعادلي لم يكن باستطاعتهما الأمر باتخاذ التدابير الكفيلة بحماية المتظاهرين لسبب بسيط وموثق بالعديد من الأدلة ألا وهو أن الشرطة بكل فروعها كانت قد انسحبت من الشوارع والميادين اعتباراً من عصر يوم 28 يناير الذي بدأت فيه أعمال القتل!

وهنا قد يسأل سائل : ولماذا انسحبت الشرطة؟ وهل لم يكن بمقدور مبارك والعادلي إصدار الأوامر للشرطة بالعودة إلى الشوارع والميادين لتأمين الثوار؟ وهنا ستكون إجابة الدفاع صادمة حين يؤكد أن هذا الأمر كان مستحيلاً لتنامي الموقف العدائي من الثوار تجاه الشرطة من جهة، ومن جهة أخرى لأن الشرطة آنذاك كانت قد فقدت الكثير من عتادها ومعداتها حرقاً وعطباً على يد الثوار بما يفقدها القدرة على السيطرة! وفي تقديري أن هذه الإجابة ستكون بمثابة دفع واتهام في آن معاً، فهي دفع ببراءة مبارك والعادلي وهي في ذات الوقت اتهام للثورة بالفوضي وللثوار بالتخريب!

أسلفت أن ما أكتبه هو مجرد هاجس بسيناريو أسود، ولكنني الآن أكمل لكم السيناريو؛ حكم نهائي ببراءة مبارك والعادلي فيما يتعلق بقتل المتظاهرين، وفي يقيني أن هذا الحكم سيكون بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية بفترة كافية، وفي يقيني أيضا أن هذا الحكم سيعقبه حراك شعبي شديد الغضب، وفي تقديري كذلك أن هذا الحراك الشعبي لن يقل كماً وانتشاراً وقوة عن حراك الثورة في 28 يناير بل قد يزيد، وفي يقيني منطقياً أن هذا الحراك الشعبي الغاضب ستتم مواجهته بقوة تستند في شرعيتها إلى أحكام قضائية وإلي نظام رئاسي جديد برأسه رئيس جديد يؤمن بالقوة لفرض الاستقرار، ويؤمن أن الثورات ما هي إلا أفعال صبيانية، ويؤمن أن الصبيان حين يتمردون يمكن استئناسهم بالبنبون!

وإلى هنا تنتهي الثورة الشعبية الحقيقية وفق السيناريو الأسود القائم فقط على هاجس ظني موطنه خيال الكاتب أردت فقط أن أنقله إليكم عسى أن تشاركوني فيه ولو بصورة مؤقتة وحتى إشعار آخر..وعاشت مصر لنا وبنا وعشنا بمصر ولها.

ماجد ضيف

maged.daif@hotmail.com