محاكمة مبارك

بقلم: أحمد إبراهيم

"محاكمة مبارك"..هذا العنوان بإيجاز كلمه، وصغر حجمه وقلّة حروفه وُلد اليوم، فأعطى من مهده لشعب مصر الكثير من الأرقام، القاضي ومستشاريه لم يغمض لهم جفنٌ طوال 100 يوم حتى صباح اليوم بعصارة 49 جلسة، و250 ساعات عمل، و700 صفحة مَحاضر (بفتح الميم)، بما تجاوز 60 الف صفحة من صفحات الدعم والمرافقات والمذكرات، لأيام المرافعة بين 31/1/2012 الى 22/2/2012 شهرين متتالين، أى ستّين يوماً أو اكثر اذا جمعنا شهرين متتاليين ايامهما بلياليهما دون توقف، دون استراحة، دون عطلات نهاية أسبوع، ودون طعام ونوم او إسترخاء كما جاء بالنص: "لم يغمض لنا جفنٌ!".

"محاكمة مبارك" كانت تعني الكثير لشباب مصر بهتافات "لا أرانب ولا نمور في الميدان"..انتم ياشباب مدعوون اليوم الى إعادة الحياة لإنسان مصر، الصور الخيالية المنسوجة بالشعارات لن تدوم، فلن تنجلي إشراقة مصر جديدة بمجرد محاكمة مبارك او بموته وحياته.

يا مصرُ نريدك وطناً بالإصالة والصدق، والمصري نريده مواطناً بالصدق والأصالة، وهما (الأصالة والصدق) كانا يُطردان من الأوطان، ويُطرد من يتمسك بهما بالميزان، فيفقد الطريد أصالته والصادق صدقه، لأنه بات يكره نفسه مواطناً بلا وطن، فلن ألومه على بكائه مقهوراً "ما لي بالصدق والأصالة في هذا الزمان!".

في أمستردام التقيتُ بشابّين وخنجرهما المبرح لا زال في ظهري، كل منهما على حدة وفي سكّتين مختلفتين، والجرح لم يندمل الى اليوم تذكرتهما انهما ادّعيا أنهما مصريان! ومصرُ بريئة منهما، والمصريون منهما بُرآء من أمثالهما، الأول كان يجلس في دكان ببداية السكة، والثاني يقف في قارعة الطريق على نهايتها، الأول كان يتاجر بزوجته الهولندية (كما يدّعي)، أقبل نحوي باسماً اول ما رآني دخلت السكة، صافحني، ثم عانقني بابتسامة صفراء تسود ملامحه العربية التي كان يخفيها على كتفي من الواجهة وتكشفها مرآة الدكان من الخلف!

همس في أذني اليسرى "أهلا ياشيخ، يا الحاج ويا باشا"..يعني في ثانية واحدة صرت له شيخاً وحجّياً وباشا! رغم اني لم اكن بالبشت أو بهندام البشوات، ولكني كنت ملتحياً بالكرفتّة والبدلة..ثم أكمل همسته في اذني اليمنى "هي حُلوة، وسُخنة، ومتغلاش عليك بثلاثمائة دولار، وهي زوجتي! طبعاً كان زمن الدولار 1995، وأخته اليورو لم تنجب بعد.

ما كرهت نفسي ان يشارك بني جلدتي هذا الخنزير، بأنه نظيري في الخلق من سلالة آدم وحوّاء، قدر ما كرهت كلماته عن نفسه "أنا مصري"..لا والله مصر الحضارة والتاريخ ما يشرّفها امثالك، كان هذا صوتي من الداخل، ولساني أخرس وانا أتخطّى عنه بعيداً، دون أُن اشعره باني فهمت كلامه، او اني أفهم العربية، مشيت عنه كما يقال دون أن انبسّ ببنت شفه إلى نهاية السكة، فالتقيت هناك بآخر يخاطبني واقفاً بصوت جسور يقطع هدوء الليل: "أوامرك يا الحاجّ"..لأخفف عن صدمتي الأولى، اقتربت منه ولاطفته "بسلامٌ عليكم، هل تعرف فندق فكتوريا في أي إتجاه يا اخا العرب؟"..ابتسامة هي الأخرى صفراء وساخرة علت وجه وهو يقول "إدفع عشرة دولارات لأخبرك عن اتجاهه!"..تسمّرت مكاني مقهوراً على "سلام عربي إسلامي" ضيّعته في سكك هولندا، ثم التفتُّ يُمنة ويُسرة وإذا بلافتة "فندق فيكتوريا" أمامي على بعد مترين!

أهكذا المصريون يا دنيا؟، لا والله، انهم في ابراجهم على النيل بالقاهرة هم ذاتهم البسطاء المتواضعون الكرماء في أسوان وأسيوط وأرياف مصر، كتلةٌ من الجود والكرم والإخلاق والأدب هم المصريون، نريد من المحاكم المصرية، مهما رأفت او غلظت على الرئيس الأسبق، أن تحاكم دون رحمة ذلك المصري الذي يبيع الوطن باسم الوطن ثم ينسب نفسه إليه.

المصريون عباقرة، والعبقرية لا تكمُن في البذخ والثراء فقط، وبالأخص العبقرية المصرية كثيراً ما نبعت من العذاب والحرمان والشقاء! و"محاكمة مبارك" على قلة حروفها، وأينما اتجهت أسهمها، عليها ان نحافظ على سمعة مصر وسلامة مصر وقوة مصر، ولا أعتقد أن ذلك صعبٌ تحقيقه على شعب الوحدوي المسالم المنتج البنّاء في ميادين العلم والعمل.

التركيز على مصر التعمير خيرٌ من التركيز على ميدان التحرير وشعارات التدمير، إن كنت تعلم انك لا تبني شيئاً بدولار ودولارين مسروقين، فالعلم ذاته أكّد لك اليوم أنك لن تبني شيئاً حتى بمليار ومليارين مسروقين، حافظ على كرامتك المصرية بإنسانية إنسانك، لترتقي عروشاً ارتقاها العباقرة المصريون بالملاليم والقروش.

لا أعتقد طه حسين والعقاد (وهما ابسط مثالين عن العبقرية المصرية لكل العرب)، كانا يعرفان كيف يُنطق مليار جنيه او دولار وكيف يُكتب! وبافتراض انهما عادا للحياة وتمرّسا نطقه وكتابته وحيازته، لما رصدتهما الكاميرات خلف الزنازين بتهمة المتعة والزواج المؤقت مع الستّ او الآنسة مليار دولار!

لأنهما يبقيان بمحاكمة الذات بالذات، وبصوت القاضي من الداخل قبل الابتدائية والاستئناف والتمييز، عش صعلوكاً ومت عبقرياً، أنت مصريٌّ فأنت عظيم، ما أحوجك ربك لغير رغيف مصر ومياه النيل، مهما علوت واستعليت لن تأكل أكثر من رغيفين متاحين لك بالجنيه المصري فمالك بالدولار واليورو؟

بمحاكمة مبارك، قد تحاكم نفسك بنفسك في يومك الثاني، إن لم تكن حاكمتها فعلاً في يومك الأول، فطوبى لك على يوميك، وطوبى لمصر بأبناء اليومين.

أحمد إبراهيم

كاتب من الإمارات

ui@eim.ae