محاكمة النص..تحليل الخطاب السياسي الشعبي

ظل الخطاب السياسي الشعبي على الهامش لفترة طويلة باعتباره على الدوام خطاباً خارجاً عن سياق المؤسسة الرسمية، وبحد وصف كبار المحللين السياسيين الذين أصيبوا كرهاً بالغياب السياسي عن المشهد الراهن بفضل تنظيراتهم الغارقة في اجترار ذكريات الماضي، بأن هذا الخطاب ينفلت بحكم كونه منتجاً خارجاً عن المعايير الشرعية السياسية إضافة إلى أنه نص سياسي يفتقد الكثير والكثير من شروط إنتاجه، ورغم هذا التهميش القصدي ظل هذا الخطاب الشعبي يمارس كافة حقوقه الشرعية بل شكل صداعاً مزمناً ومستداماً برؤوس الأنظمة الحاكمة.

ومشكلة هذا الخطاب السياسي ليست في لغته أو في نصه وإحداثياته، بل تكمن المشكلة الحقيقية له في عملية تأويله وتحليله، واختلاف آليات فهمه وإدراكه، وبالأحرى تباين التوجهات الأيديولوجية حينما تتلقى هذا النوع من الخطاب السياسي.

لكن الأدهش في هذا الموضوع أن خطاب الشعب السياسي يستحيل بمرور الأيام لا سيما عقب الفعاليات السياسية الكبرى كالثورات أو الانتفاضات الشعبية إلى معيار أو محك أو أحكام استشرافية يمكن من خلالها التنبؤ بمشاهد سياسية واجتماعية في المستقبل، وهذا ما رأيناه جميعاً منذ اشتعال الانتفاضة الشعبية البيضاء في الخامس والعشرين من يناير، وتجسد الأمر بضراوة أيام حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي، انتهاء بوصول المشير عبد الفتاح السيسي إلى سدة الحكم في مصر المحروسة.

وقديماً كان الخطاب الشعبي يطلق عليه اسم منشور سري، وسرعان ما تحول المسمى القديم بفضل عقاقير الديموقراطية إلى مسميات معاصرة مثل بيان رسمي، أو إعلان، أو نداءات أو ثمة استغاثات تتحول إلى تحذير موجه إلى أي نظام حاكم، وكل هذه الأسماء التي التصقت بالخطاب السياسي دليل قاطع على تباين تلقي الخطاب نفسه، وربما معاناة خطاب الشعب السياسي من الإقصاء والتمييز هو الذي دفع إلى تعدد مسمياته، وحينما حاولت الأنظمة السياسية الرسمية في تهميش حركة الخطاب السياسي الشعبي وعزله عن الفكر السائد للمؤسسة الرسمية استطاع هذا الخطاب في حجز مقعد دائم له ولمدشنيه في الشهود المجتمعي والبقاء لفترات طويلة على الألسنة وفي الأذان أيضاً.

وقد هيأ أصحاب الخطاب السياسي الشعبي أنفسهم على أن يكونوا على الدوام هامشيين يرتدون قناعات مستترة تقيهم وطأة بطش الأنظمة السياسية والدول البوليسية التي اعتادت ملاحقة النشطاء السياسيين، واكتفى هؤلاء بجعل نصهم السياسي هو المركز والمحور الرئيس غير مبالين بالتهميش الذي ينال أسماءهم وكنههم الشخصي، وربما هذا الاكتفاء بدور المهمش هو الذي مكن الخطاب السياسي الشعبي من الاستمرارية والبقاء ومن ثم التوالد والتكاثر من أجل وقوف رمزي أمام أي حاكم أو نظام سياسي رسمي.

وإذا كان الخطاب السياسي الرسمي يعد في قوة القانون لأنه بالقطعية صادر من مؤسسات سيادية حاكمة فإن الخطاب الموازي له لا يتقيد بالقانون وإن كان يسعى بخطى وئيدة لأن يصير قانوناً أو عرفاً سياسياً شفاهياً غير مكتوب.

وإذا كان الخطاب السياسي الشعبي يتسم بالتشفير أو باللغة المشفرة لأنه عادة ما يحاول الفكاك من شرك الاستلاب الأمني، والتركيز على الدلالة والإيحاء الرمزي دون الاعتماد على الأسلوب المباشر في العرض، فإن الخطاب الرسمي يتقيد باستخدام مفردات لا تقبل التأويل أو اختلاف دلالة التلقي، الأمر الذي دفع البعض إلى الحيرة في تأويل وفهم وتحليل هذه النصوص الشعبية التي تكتفي طوعاً بالتلميح دون التصريح، وربما الخطاب السياسي الرسمي الذي لجأ إلى مثل هذه اللغة الرمزية هو ما جاء به الرئيس المعزول محمد مرسي لعوامل مختلفة وإن اتفقت في مصدر الرمزية.

فمحمد مرسي رئيس مصر المعزول استخدم كثيرا لغة رمزية ربما لم يفهمها سوى أهله وعشيرته وقيادات مكتب إرشاد الجماعة وحدهم، فضلاً عن استخدامه لمؤشرات رمزية استثنائية حفل بها خطابه السياسي الذي من المفترض أنه رسمي يصدر من مؤسسة الرئاسة لكنه فضل استخدام لغة خاصة تشير إلى فكر ظل سنوات بعيدة يعمل في الظل وبغير وجهة شرعية، لذلك لم يستطع الرئيس المعزول وقتها التخلي عن الشفرة الكودية الخاصة بلغة تنظيمه السري.

في حين أنه كان عليه استخدام لغة مباشرة لاسيما حينما نال بالتلميح بعض الشخصيات المجتمعية والقضائية والإعلامية في مصر. ولا ينبغي التغافل عن أن حديث الرئيس الأسبق محمد مرسي السياسي كان من أبرز العوامل التي دفعت الملايين من المصريين للخروج عليه والمطالبة بعزله وعزل تنظيمه عن سياق النسيج المصري.

وتبدو مشكلة أخرى عند تناول النص السياسي الشعبي، وهي ما يسعى إليه غالباً المحسوبون على النخبة التنظيرية التي أصابت الكثير من المصريين باللغط والجدال، هذه المشكلة هي قراءة المتحول بالثابت، والمتحول هو الخطاب الشعبي، الذي لا يستقر ولا يهدأ ولا يميل إلى استعمال مفردات سياسية ثابتة بل طالما أدهشنا هذا الخطاب بتنويعات لغوية مثيرة، فالذين يستخدمون آليات الثابت في التحليل يدعون أنهم يمتلكون وحدهم حق المعرفة السياسية وربما الحقيقة أيضاً، في حين أن المهمشين قصداً يعمدون في خطابهم السياسي الشعبي إلى امتلاك حق الإحساس بنبض الشارع بغير مشاركة.

وأصحاب الخطاب السياسي الشعبي لم يكونوا يوماً مجافين للواقع المشهود، لكنهم يعتبرون أنفسهم دوماً رجع الصدى وصورة حية لاستكناه مشاعر المواطنين البسطاء الذين لا تصل أصواتهم الباهتة إلى أصحاب القرار السياسي الرسمي، وربما غفل علماء الاجتماع رغم دراساتهم وأبحاثهم الكثيرة والمترامية على أرفف المكتبات الجامعية والتجارية أيضاً عن البحث الدقيق لتحليل دوافع هؤلاء الذي أخذوا على عاتقهم كتابة خطاب سياسي شعبي بغير تذييل لأسمائهم أو إعلان لهويتهم.

ورغم أن كافة دول العالم تدغدغ مشاعر وعواطف مواطنيها بدعاوى الديموقراطية والإيمان بالتعددية السياسية والنفور من الإقصاء والتمييز، إلا أن ثمة فوارق بينية تكشف عن التمايز بين الخطابين السياسيين الرسمي والشعبي ليس في مصر وحدها، بل هي فوارق نجدها ثابتة وراسخة في جميع الثقافات أيضاً، فبينما يبدو الخطاب الرسمي خطاباً فوقياً، فإن تحتية الخطاب السياسي الشعبي أشبه برياضة تسلق الجبال، بل هو خطاب يشبه مقولة الروائي العالمي جابرييل جارثيا ماركيز إن المتعة تكمن في تسلق وصعود الجبال وليس البقاء والاستقرار على قمة الجبل، وهذا ما يدفعنا لتفسير سر ابتعاد أصحاب الخطاب الشعبي عن المشاركة في الفعاليات السياسية الرسمية كلانتخابات والذهاب إلى صناديق الاقتراع أو المشاركة في أي برنامج سياسي رسمي بعد استقرار أي استحقاق ديموقراطي، وهو أيضاً ما يجعلنا نقبل طوعاً سر بقاء تفاصيل الخطاب الشعبي السياسي على ألسنة المواطنين لفترة أطول من الخطاب الرسمي لأنه يسير ببطئ ويشحذ الذهن بخطى ثابتة، في حين أن الخطاب الرسمي عادة ما يقترن بمناسبة رسمية أو بأمر طارئ فسرعان ما تنتهي آثاره.

الملمح الآخر الذي يفرق بين الخطابين هو مدى الشهود للآخر داخل الخطاب نفسه، فالخطاب الشعبي طالماً أكد على أنه صوت ممايز لصوت النظام السياسي الحاكم، لذا فهو يحرص على وجود الآخر في سياقات الخطاب وإن اختلف كنه التواجد بين الإيجابية والسلبية، وعادة ما يكون الخطاب عبارة عن ثمة مطالب موجهة من الشعب إلى النظام الحاكم، بخلاف الخطاب السياسي الرسمي التقليدي الذي لا يرى ضرورة لوجود الآخر لأنه خطاب فوقي، وتختلف نبرة الاتصال بين الأنا والآخر تبعاً لطبيعة الخطاب نفسه، فبين التوجيه والتهديد وتقديم النصيحة والرغبة في المشاركة السياسية دون تقديم إجراءات يمكن للشباب الاسترشاد بها.

ودلالة المعنى في الخطابين تبدو أيضاً متمايزة، فالمعنى في كليهما يعاني من الاستهلاك والانتهاء إذا ارتبط بحادثة سياسية أو اجتماعية معينة، وهناك دوما حركة بين الدال والمدلول سواء كان الخطاب رسميا أو شعبياً، وإذا كان النظام السياسي الرسمي يتمتع بالقبول الشعبي ويتسم بالقوة والسيادة فإنه يستخدم خطاباً سياسياً مباشراً بغير تورية أو مواربة للمعنى، أما الخطاب الشعبي فكثير ما يلجأ إلى تورية المعاني واستعمال رموز بهدف الحفاظ على سرية أصحابه.

إذن، فالقراءة هي التي تمنح النص السياسي شرعيته وخلوده ومن ثم بقاءه لفترة طويلة والقدرة على الحراك السياسي، إضافة إلى قوة صاحب الخطاب نفسه ومدى تمتعه بالقبول السياسي العام، وأيضاً مدى قدرة الخطاب السياسي على قبول الآخر والانفتاح عليه بغير قيود والسرعة في المباشرة عند تناول الأحداث الجارية، لكن الأمر الذي ربما نؤكد عليه أخيراً أن كلا الخطابين مسكون بالآخر في مفرداته وحركة معانيه بصورة قليلة أو كبيرة.