محاكمة النخب الدينية في ذكرى ثورة يناير

أصبح السؤال الأكثر احتداماً في البحث عن إجابة عنه هو: هل نجحت النخب الدينية بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 في التقريب بين وجهات النظر لدى عموم المسلمين في مصر من جهة؟ وهل استطاعت ونجحت وفلحت تلك النخب المترامية اتساعا وصوتا وطرحا في تعميق الصلة بين المسلمين وصحيح الدين من جهة أخرى.

باستقراء بسيط وسريع للطروحات الفكرية والأيديولوجية التي دارت حول هذا السؤال ولم تتناوله بصورة قصدية مباشرة نستطيع إقرار حقيقة مفادها أن التناول لم يخرج عن سياق الحديث المطلق دون عمق في ضرورة الالتحام بسدة الشريعة ورغبة عموم المصريين في تطبيق شعار الإسلام هو الحل الذي حصلت على حق استغلاله حصريا جماعة الإخوان، لكن بعد ذلك لم يعد حكراً على جماعة الإخوان وحدها بل صار الشعار طرحاً جماعياً لكافة الفصائل والتيارات الدينية، ولكن هذا الطرح لم يستعرض إجراءات ووسائل تطبيقه وتغلغله في نسيج المجتمع.

لذا اجتهد الكثيرون في الالتحاف بهذا الطرح الأيديولوجي وتقديمه بصورته الخام مع التقاط بعض التفاصيل الفرعية المرتبطة به والتي من شأنها باعدت كثيراً بين هؤلاء العموم وبين الطرح الديني ذاته.ولكن الأمر الذي لابد من الإشارة إليه بغير مواربة أو استحياء فكري هو أن هذا الطرح العام للنخب الدينية ساهم في تأزيم الموقف الاجتماعي، وازدياد استعار اللغط السياسي الذي أدى إلى زيادة انقسام المسلمين إلى فرق وجماعات، ولخطورة الموقف كان بعض صور الطرح الديني طعاماً شهياً يغذي الشحن الطائفي أيضاً.

على النقيض من دور النخب الدينية في التواجد الشرعي لها بين عموم المسلمين، فشلت هذه النخب في جذب المواطن وسلب عقله بمنطق أن الدين سلاح سريع وخطير في دغدغة مشاعر المرء، لكن خلو خطاب النخب الدينية من المصطلحات السياسية التي صارت من مفردات لغة المواطن اليومية مثل الثورة الشعبية والحرية وتداول السلطة والفصل بين السلطات كانت من أبرز العوامل التي باعت بين النخب الدينية وبين المواطن.

في الوقت الذي نجحت فيه بعض الفصائل السياسية ذات الطابع الديني كجماعة الإخوان وأحزاب الحرية والعدالة والنور والبناء والتنمية والإصلاح في استلاب المجتمع بخطاب سياسي ذي هوية دينية، مبرزة أن مشكلة تأخر المجتمعات الإنسانية ومنها المجتمع المصري هو البعد عن الدين ومبادئه وتعاليمه، وتجريده من البدع وتبرئته من الخرافات رغم ما شاب عملية الدعاية الانتخابية الخاصة بهم من خرافات وادعاءات افتراضية هي بالأساس بعيدة عن الدين الإسلام الحنيف.

ونحن بإزاء المشهدين المختلفين للطرح الديني بين مشهد النخب الدينية وبين التيارات السياسية الدينية نستطيع أن نقرأ كيف تعامل كل منهما مع المواطن ومعارفه وأيديولوجياته الفكرية الحاكمة له، فالنخب الدينية تعاملت مع معارف المواطن الدينية بطريقة عرضية سطحية مثل سرد الرقائق والقصص المسلية أكثر منها الداعمة له والاعتماد المباشر على النقل والرواية والحكاية رغم ما تتمتع به هذه النخب من حرية مطلقة في الظهور وتناول التراث الإسلامي بغير اتهامات مسبقة توجه إلى أقطابها.

أما التيارات السياسية الدينية التي برزت بقوة جنونية عقب ثورة يناير فنجحت في التعامل مع معارف المواطن الدينية بطريقة رأسية أي التي تعتمد على النقد والتحليل وتأويل التراث بما يتوافق أولاً مع مرجعية تلك التيارات، وما يجد صدى وقبولاً في التلقي لدى المواطن ذاته. وبالرغم من أن كافة الكتابات والطروحات الليبرالية اتفقت على هجوم التيارات الدينية السياسية والدفاع عن النخب الدينية المتمثلة في أئمة ومشايخ الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف وأساتذة الشريعة واللغة العربية بالجامعات، إلا أنه من الصدق أن نقول بإن هذه النخب وطرحها الديني خلق حالة من الفصام بين المواطن المثقف وواقعه، وأن هذا من شأنه أفرز تخلفاً فكرياً، وبات واضحاً حاجة هذا الخطاب أو الطرح الديني لتجديده وإصلاحه وبناء قدرات المواطن المفكر والنقدي.

ومأساة النخب الدينية في مصر أنها اقتصرت على الحكمة والموعظة الحسنة التي تدعو إلى الخير والرشاد فحسب، دون التماس طريق مباشر بينها وبين المواطن وواقعه وعالمه المعاش والافتراضي أيضاً، وهذه المأساة هي التي دفعت بالنخب الدينية إلى الشعور بالكمال والاكتمال المعرفي والغرور الديني. في الوقت الذي أمسكت فيه التيارات والفصائل السياسية بزمام المبادرة نحو الاتصال الفعال مع المواطن من خلال الخطب والندوات والمنشورات والمطبوعات الدينية المجانية والتي حاصرت المواطن في كل بقعة يرتادها لذا كان طبيعياً أن تجد هذه التيارات وطرحها الديني والفكري قبولاً لديه.

ولم تدرك النخب الدينية الرسمية أن واجباتها ومسئولياتها أكثر شمولاً من النخب السياسية الوثقافية، وهي بذلك القصور في إدراك تلك الواجبات لم تفهم متطلبات المجتمع والمواطن بالقدر الكافي فكان خطابها الديني مجرد رصد لإحداثيات المشهد السياسي دون تحليله أو تأويله، واقتصر دورها على التسليم المطلق بما تقرره الميادين الثائرة فقط، أما طرح التيارات الدينية السياسية فبدا مختلفاً كل الشئ، كان ثائراً كثورة الميادين، وكان محفزاً ودافعاً للمواطن نحو المشاركة في صناعة الحدث السياسي.

ولو قارنا بين إمكانات ومقدرات النخب الدينية الرسمية وبين التيارات الدينية السياسية لاكتشفنا على الفور أن تلك النخب الرسمية تمتلك أدوات مؤثرة في تكوين المجتمعات وفي التأثير فيها، ورغم ذلك وجدناها بعيدة تمام البعد عن تجديد الفكر الديني، أو عن ممارسة النقد العلمي للتراث أو صياغة مشروع حضاري، اللهم سوى فئة قليلة من هذه النخب التي اجتهدت بصورة فردية دون حراك جماعي ممنهج ففقد جهدها وسط تخاذل جمعي واستعلاء وغرور وابتعاد القدر الأكبر من النخب الدينية.

وإذا كان المواطن قد وقع في َشَرَك وفخ القضايا الدينية الثانوية والهامشية مثل تفسير الأحلام ومشروعية النقاب واللحية وإخراج الجن من الجسد وهل العولمة حرام أم حلال، فإن النخب الدينية كانت فريسة سهلة المراس لهذه القضايا، فبدلاً من أن تهتم بتصحيح مسار العقل لدى المواطن نحو هذه القضايا وجدناها أكثر تناولاً لمثل هذه الفتاوى السطحية والساذجة، مما ساعد على انتشارها وهيمنتها على واقع وقلب وعقل المواطن.

وكم هو محزن حقاً أن التحول الديموقراطي المصاحب للثورات الشعبية لم يصب النخب الدينية في مصر، وأن الاهتمام بالشأن العام لم يكن أمراً ضرورياً لديها، وكان الحديث الرائج ولا يزال لدى النخب المصرية هو حديث عام وعائم أيضاً مفاده الحرص على وحدة الصف وعدم الفرقة وهم بذلك لا يعلمون أن الثورة قامت في الأساس عن طريق توحيد صفوف المصريين في المطلب الجماعي واختلافهم الفطري في الأيديولوجيات الفكرية، لكن النخب الدينية تتعامل مع مواطن الثورة كما كانت تتعامل معه قبلها، وهي في ذلك لم تدرك بعد أن ثورة الشعوب علامة فارقة في حياتها.

حتى في تعامل النخب الدينية والتيارات الدينية السياسية مع الملف الطائفي ندرك الخلل والقصور الواضح في الرؤية والطريقة، فالتيارات الدينية التي تسيدت المشهد السياسي في مصر عقب الثورة الشعبية كانت ولا تزال تتناول الآخر المخالف في العقيدة أقصد المصريين الأقباط بصورة مباشرة وبغير تحايل دعوي من حيث إنهم شركاء في الوطن وأنه من الضروري المساهمة يد بيد من أجل إصلاح الوطن حتى وإن ظهرت بعض الرؤى الفردية المتطرفة التي استبعدت التواجد القبطي في المشهد السياسي فإن ذلك الاستبعاد السياسي نحو السلطة ومنافذها الرسمية لم يكن ذا صلة بالحياة الاجتماعية التي يشارك فيها المسلم نظيره المسيحي. أما النخب الدينية الرسمية فاستمرت في تطبيق منهجها الرتيب والقديم في التعامل مع الآخر حيث إنها تظهره دوماً في صورة لوحة الإعلانات أو التعامل معه عن طريق الكيانات المسيحية الرسمية من خلال اللقاءات والمؤتمرات.

إن مستقبل النخب الدينية في مصر بهذه الصور والمشاهد المختلفة ينذر بحرج شديد لها، ويلزمها أيضاً بدور فاعل في المجتمع، وآن الوقت أن تعي النخب والمؤسسات الدينية رسالة الرئيس عبدالفتاح السيسي بأنه صار لزاماً عليها الوعي برسالتها التنويرية وبدورها الاستشرافي في إصلاح وتطوير وتجديد المجتمع وفكره وليس فقط تجديد الخطاب الديني الذي يبحث عن مخرج وملاذ آمن منذ التجديد الأخير له على يد المجدد الإمام محمد عبده، وبأنه على النخب الدينية الرسمية أن تجد لنفسها خطاباً دينياً متوافقاً مع مطالب واهتمامات المجتمع، ليس هذا فحسب، بل الرسالة في جملتها تمثل دعوة حقيقية لضرورة إعادة هيكلة وتأهيل الحقل الديني للتعايش مع المواطن بما يحمله من هموم ومطامح وتطلعات.

ولا شك ونحن نتداعي إحداثيات ذكرى ثورة يناير البيضاء التي يمكن توصيفها بالانتفاضة الشعبية الإشارة والتنويه على ملمح مهم صاحب نتائج الانتفاضة وحتى وقتنا الراهن؛ وهو أن هناك ثمة تطور في المنهج مع وجود تراجع واضح في الأداء، برغم تعرض المجتمع المصري لهزات مجتمعية عنيفة، وحراك سياسي ترنح بين الإيجابي والسلبي إلا أن النخب الدينية والمؤسسات الدينية أو ذات الصبغة الدينية تعاملت مع هذه الموجات السياسية والاجتماعية بنعومة غير موازية للأحداث، نجم عنها تجديد شكلي في المنهج الذي يدعو إلى الإصلاح الديني وتجديد الخطاب الموجه إلى العقل قبل الأذن، إلا أن أداء تلك النخب والمؤسسات باء بالفشل ولم يتسم بالتنوع أو قبول التعددية واتسم الأداء للنخب الدينية بالاستلاب والاستقطاب واللجوء إلى ترسيم خطاب واحد لا يقبل الاجتهاد.