محاكمة ابن تيمية في تركيا

بقلم: السيد زرد

قدم حزب الرفاه التركي الذي تم حظره عام 1998، ومن بعده حزب العدالة والتنمية الحاكم، تجربة في غاية الثراء والإبداع، شديدة التأثير على المستويات الداخلية والإقليمية والدولية. تجربة اتخذت من المواءمة بين الحداثة والإسلام شعاراً لها، نجحت في اكساب تركيا المزيد من الحضور والتأثير والنفوذ اقليميا ودوليا.
والملفت في النموذج الذى تقدمه تركيا حاليا أنه تتضافر فيه جملة من السياسات والمواقف والأفكار النظرية، كلها تعزز من بعضها البعض، وتصب في اتجاه واحد، نحو تحقيق أهداف محددة، تنهض بالمجتمع التركي، وتدفع بالدولة التركية الى تصدر المشهد الاقليمي بدور نافذ ومؤثر في الدوائر الأوربية والعربية والإسلامية. فتوى ماردين في القرن الثامن الهجري – الرابع عشر الميلادي – سُئل ابن تيمية الملقب بشيخ الإسلام عما إذا كانت ماردين – تلك المدينة الواقعة بجنوب شرق تركيا – التي احتلها المغول آنذاك دار حرب أم دار سلام، وهل يجب على المسلم المقيم بها الهجرة الى بلاد الإسلام أم لا، وإذا وجبت عليه الهجرة ولم يهاجر وساعد أعداء المسلمين بنفسه أو بماله هل يأثم في ذلك، وهل يأثم من رماه بالنفاق وسبه به أم لا.. فأفتى ابن تيمية بفتواه التي اشتهرت بـ "فتوى ماردين"، وجاء نصها على النحو التالي:
"الحمد لله ‏.‏ دماء المسلمين وأموالهم محرمة حيث كانوا في ‏‏ماردين"‏ أو غيرها. وإعانة الخارجين عن شريعة دين الإسلام محرمة، سواء كانوا أهل ‏ماردين‏، أو غيرهم‏.‏ والمقيم بها إن كان عاجزًا عن إقامة دينه، وجبت الهجرة عليه‏،‏ وإلا استحبت ولم تجب‏.
ومساعدتهم لعدو المسلمين بالأنفس والأموال محرمة عليهم، ويجب عليهم الامتناع من ذلك، بأي طريق أمكنهم، من تغيب، أو تعريض، أو مصانعة ‏.‏ فإذا لم يمكن إلا بالهجرة، تعينت‏.‏
ولا يحل سبهم عمومًا ورميهم بالنفاق، بل السب والرمي بالنفاق يقع على الصفات المذكورة في الكتاب والسنة، فيدخل فيها بعض أهل ماردين وغيرهم.
وأما كونها دار حرب أو سلم، فهي مركبة: فيها المعنيان، ليست بمنزلة دار السلم التي تجري عليها أحكام الإسلام، لكون جندها مسلمين. ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار، بل هي قسم ثالث يعامل المسلم فيها بما يستحقه، ويقاتل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه ." أهمية الفتوى والمفتي للمرة الأولى في تاريخ الفقه الإسلامي، يتم إضافة قسم جديد لأقاليم العالم، فإلى جانب ما يُعرف بدار الحرب ودار إسلام، أضافت فتوى ابن تيمية دار ثالثة مُركبة، لا هي دار حرب ولا هي دار إسلام، بناء على واقع مدينة "مارين ".
وتم توظيف فتوى ماردين لابن تيمية من قبل الجماعات الإرهابية، وجرى استخدامها كدليل شرعي يبيح ارتكاب أعمال العنف الدموية. واعتمد أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة على هذه الفتوى لتبرير هجماته ضد الغرب وضد الحكومات في البلدان الإسلامية بدعوى موالاتها للكفار.
والحق أنها ليست الفتوى الوحيدة لابن تيمية التي تحض على العنف والتطرف، وتعد ذخيرة فقهية للجماعات الإسلامية ذات الطابع الإرهابي.. يقول ابن تيمية في احدى فتاويه:
"إن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك. والكافر تجب معاداته، وإن أعطاك وأحسن إليك. فأن الله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله، فيكون الحب لأوليائه، والبغض لأعدائه، والإكرام لأوليائه، والإهانة لأعدائه، والثواب لأوليائه والعقاب لأعدائه"!
ولابن تيمية مكانة كبيرة لدى كل جماعات الإسلام السياسي المتطرفة، وهو واجهة رئيسية للتيار السلفي بمختلف فرقه، ومرجع معتمد لكل الحركات الجهادية. وهو صاحب تاريخ مرير مع الشيعة والمتصوفة والأشاعرة وغيرهم ممن كان يعدهم من غير أهل السنة والجماعة. وتحفل كتابات قياديي الحركات الإسلامية المتطرفة ومُنظّريها بكثيرمن الاستشهادات بفتاوي ابن تيمية وأقواله.
وتكفي نظرة سريعة على أرصفة المساجد، وأرفف دور النشر الإسلامية للتعرف على المكانة العالية التي تحتلها مؤلفات ابن تيمية، والتي يجرى الترويج لها بطبعات متعددة زهيدة الثمن، وتوزع أحيانا مجانا! مؤتمر ماردين في أواخر مارس الماضي وفي مدينة ماردين التي أصدر عنها ابن تيمية فتواه الشهيرة، اجتمع فقهاء مسلمون من خمس عشرة دولة من بينها السعودية والكويت والمغرب وموريتانيا وإيران والسنغال واندونيسيا والهند وتركيا والبوسنة والولايات المتحدة، للنظر في تلك الفتوى، وإعادة تفسيرها.. كان من بينهم بعض المختصين في فكر ابن تيمية من أربع جامعات سعودية: جامعة أم القرى، وجامعة الملك سعود، وجامعة الإمام محمد بن سعود، وجامعة الملك عبد العزيز. بالإضافة الى مفتي البوسنة مصطفي سيريش، والداعية اليمني علي الجفرى، والقاضي عبدالله ولد أعلي رئيس المجلس الدستوري الأعلي بموريتانيا.
وجه الدعوة للمؤتمر كل من "المركز العالمي للتجديد والترشيد" ومقره ببريطانيا، و"جامعة أرتكلو" التركية، ومنظمة "كانوبيس" غير الحكومية.. ووفقا لما أعلنه منظمو المؤتمر فإنه لم يسعوا الى الرد على فتوى ابن تيمية، وإنما تجريدها من التوظيف السلبي لها من قبل الجماعات الإرهابية، على غرار آيات قرآنية وأحاديث نبوية أولها الإرهابيون في غير المقصود منها، خدمة لمنهجهم الفكري.
هدف المؤتمر إلى إمكان إيجاد توصيف جديد للدول، يتوافق مع المستجدات العالمية، ومنها إنشاء المؤسسات والمنظمات الدولية، وإعلان المواثيق الدولية التي تعطي للدول توصيفات جديدة، غير حصرها في دور حرب أو سلام.
وتضمن المؤتمر أربعة محاور، أولها: فتوى ماردين – الزمان والمكان والظروف والملابسات. المحور الثاني: مفهوم الموطن والمقر في الفقه التقليدى وفي ضوء العولمة والاتصالات الحديثة. المحور الثالث: أهمية الفتوى في سياق التاريخ الإسلامي. وتناول المحور الرابع: مفهوم الجهاد – ظروف القتال المسلح وقواعد الاشتباك كما تم تعريفها من قبل ابن تيمية وميثاق الأمم المتحدة. إعلان ماردين دار السلام صدر عن المؤتمر بيانا سمي "إعلان ماردين دار السلام" شدد على أن فتوى ابن تيمية في ماردين "لايمكن بحال من الأحوال أن تكون متمسكا ومستندا لتكفير المسلمين، واستباحة الدماء والأموال، وترويع الآمنين، والغدر بمن يعيشون مع المسلمين أو يعيش المسلمون معهم بموجب علاقة مواطنة".. وأكد البيان على أن "كل من استند الى هذه الفتوى لقتال المسلمين وغير المسلمين فقد أخطأ في التأويل، وما أصاب في النزيل".
ولقد أطلق العلماء المجتمعون في ماردين على العالم تسمية "فضاء" بدلا من كلمة "دار" لأن تعبير الدار، وتقسيم العالم الى دارين إنما هو وليد اجتهاد فقهي وليس أمرا توقيفيا يتعين اتباعه.. وتوصلوا في بيانهم الى أن العالم أصبح "فضاء تسامح" تحكمه مواثيق ومعاهدات دولية، على الرغم من الإخلالات التي تقوم بها بعض الدول فيما يتعلق بميثاق الأمم المتحدة وبحقوق الإنسان، فذلك ليس من شأنه التأثير جوهريا في وصف العالم، فالعالم كله يجب أن تُصان فيه الدماء والأموال.
وأكد إعلان ماردين أن "وجود المعاهدات الدولية المعترف بها، وتجريم الحروب غير الناشئة عن رد العدوان ومقاومة الاحتلال، وظهور دولة المواطنة التي تضمن في الجملة حقوق الأديان والأعراق والأوطان، تلزم جعل العالم كله فضاء للتسامح والتعايش السلمي بين الأديان والطوائف جميعها، في إطار تحقيق المصالح المشتركة والعدالة بين الناس".
ولأن المؤتمر يستهدف رفع الشرعية عن الحركات الإسلامية الجهادية، فقد تضمن الإعلان الصادر عن المؤتمر: "إن علماء الإسلام مافتئوا يؤكدون، عبر العصور، أن الجهاد الذي يعتبر ذروة سنام هذا الدين ليس نوعا واحدا، بل هو أنواع متعددة، منها القتال في سبيل الله، وهذا النوع أناط الشرع صلاحية تدبيره وتنفيذه بأولي الأمر (الدولة)، باعتباره قرارا سياسيا تترتب عليه تبعات عظيمة، ومن ثم فلا يجوز للفرد المسلم ولا لجماعة من المسلمين إعلان الحرب، أو الدخول في جهاد قتالي من تلقاء أنفسهم، درءا للمفاسد واتباعا للنصوص الواردة في هذا الشأن". تركيا تتقدم على طريق الاسلام السني جاء "مؤتمر ماردين" كخطوة في سياق الخطوات التي تقطعها تركيا الرسمية والشعبية على طريق إعادة تعريف نفسها وتجديد موقعها واحتلال مكانة متقدمة على خريطة العالم، وبالأخص في المحيط العربي والإسلامي، والسني منه تحديداً.
عبر المؤتمر أكدت تركيا تقديم نموذجها الإسلامي، إسلام حديث يقوم على الاعتدال والتسامح، ولا يتعارض مع المعطيات الدولية الراهنة.. الأمر الذي ينطوي على تطمينات داخلية للقوى العلمانية التركية، ورسالة مباشرة للاتحاد الأوربي والولايات المتحدة.. غير أنها تكشف - في ذات الوقت - مدى تهافت تيارات الاسلام السياسي في الدول العربية وتحجرها، واحتياجها الضروري للتحديث وإعادة صياغة مواقفها ورؤاها لذاتها وللعالم من حولها. السيد زرد
مدير مركز مساواة لحقوق الإنسان، بورسعيد – مصر Said2ahmed2@msn.com