مجيد طوبيا .. دون 'وليف' في 'غرفة المصادفة الأرضية'!

بقلم: مصطفى عبدالله
طوبيا ود. عبدالله سرور وكاتب المقال

هل يذكر أحدنا آخر مرة التقى فيها بالروائي والقاص الكبير مجيد طوبيا؟ هل يعرف أدباء جيل الستينيات الذي ينتمى إليه مجيد ما إذا كان على قيد الحياة أم فارقها؟ وماذا يفعل ناشروه بكتبه ومن الذي يحصل على مستحقاته عن النسخ التي تباع منها؟ وهل يهتم أحد بإصدار طبعات جديدة من رواياته الشهيرة التي ترجمت بعضها إلى لغات أجنبية، أو كانت محوراً لرسائل جامعية في مصر أو في الكثير من الجامعات الأوروبية: "دوائر عدم الإمكان"، و"الهؤلاء"، و"غرفة المصادفة الأرضية"، و"الوليف"، و"حنان"، و"ريم تصبغ شعرها"، و"عذراء الغروب"، و"الحادثة التي جرت"، وثلاثية "تغريبة بني حتحوت"، أو مجموعاته القصصية: "فوستوك يصل إلى القمر"، و"خمس جرائد لم تقرأ"، و"الأيام التالية"؟

وأين ذهب الأصدقاء الذين كانوا يلتقون معه يومياً على مقاهي مصر الجديدة وكازينوهاتها التي اختفى بعضها من الوجود أو استحال إلى كيانات إنفتاحية جديدة؟!

ظلت هذه الأسئلة تؤرقني طويلاً، إلى أن اهتديت إلى صديق مشترك يقيم في الإسكندرية: الناقد الدكتور عبدالله سرور، فأكد لي أن "مجيد" لا يزال على قيد الحياة وأنه يحضر من الإسكندرية خصيصاً ليطمئن عليه.

فرجوته أن يستأذنه في أن أتوجه لزيارته، ولم يعترض، وذهبنا إليه في الأسبوع الماضي. تركنا السيارة بالقرب من باب الكلية الحربية وكان الشارع الذي يقيم فيه أمام ناظرينا، وبعد أن قطعنا أقل من مائة متر وصلنا إلى البيت الموجود على الجانب الأيمن من الشارع، الذي تحتل شقته واجهة الطابق الأرضي منه، ونادى عليه صديقنا فرد على الفور، وفتح الباب الحديدي وهلَّ علينا وقد طال شعره ولحيته وغزاهما الشيب وانحنى ظهره وضعف بدنه وتردت صحته ونفسه، ولفتني ارتعاش يديه واضطراب لسانه، وإن لم يمنع كل هذا من ترحيبه بنا بشكل طفولي يشوبه الإنكسار واغروراق عينيه بالدموع أحياناً، أغلقنا نحن باب الشقة وعبرنا الردهة التي واجهتنا فيها لوحة بريشته ودخلنا إلى غرفته الأثيرة وجلس هو على مقعد تعلوه براءة حصوله على جائزة الدولة التشجيعية في الآداب عام 1979، وقد جعل من منضدة خشبية صغيرة مكتباً تتناثر عليه مخطوطات كتابات سبق نشر معظمها، وفي مواجهته جهاز تليفزيون عتيق صامت دائماً، وقد أشار إلي أنه لا يفتحه وكذا جهاز الكمبيوتر البدائي المجاور له لا يتمكن مجيد من التعامل معه بمفرده، وقد كان "شيش البلكونة" المطلة على الشارع موارباً وربما وافق على أن يشرعه قليلاً بسبب زيارتنا له.

طوبيا 2012
لم يُخف علينا أنه لم يذق الطعام منذ أيام، ومع ذلك أصر على أن يحتسى ثلاثة أكواب من القهوة دون أن يكمل سندوتش طعمية واحد! سألناه عن معاش اتحاد الكتاب الخاص به، وذكر أنه من أعضائه المؤسسين، وحدد أن رقمه 33 بين الأعضاء الذين زادوا الآن على ألفي عضواً، وعندما طلبت منه رقم تليفونه وانتهى من إملائه عليّ، علق الدكتور عبدالله سرور بهدوء قائلاً: "لا يا مجيد.. ده مش رقم تليفونك"، واملى عليّ رقماً مختلفاً تماماً، طلبته من تليفوني المحمول، فإذا بجرس تليفونه القديم الملاصق ليده اليسرى يرن، وعندئذ أدركت أن "مجيد" لم تعد به حاجة لمعرفة رقم هاتف بيته!

وعندما سألته عن أصدقائه رد في تلقائية: لا أعرف أخباراً عن أحد، فقط سمعت - لا أدري ممن - أن عبدالرحمن أبو عوف مات، وقبله الدكتور أحمد كمال زكي الذي كنت أتردد معه على المقهى، وذكر في ثنايا كلامه أنه لم يعد يمتلك القدرة على الخروج من باب شقته بمفرده، وعندما تجرأ وفعل سقط في الطريق وحمله أحد المارة وأعاده إلى بيته، فلم يكررها.

هذا يا سادة ما وصل إليه حال فارس من أهم فرسان جيل الستينيات. آلا يستأهل مجيد طوبيا أن يتوجه الدكتور شاكر عبدالحميد، وزير الثقافة، ومحمد سلماوي، رئيس اتحاد الكتاب، لزيارته والوقوف على حالته، وإدخال بعض الطمأنينة إلى نفسه المنكسرة، قبل أن يقررا ماذا سيفعلان لإنقاذه؟

وفي طريق عودتنا سألت الدكتور عبدالله سرور: ما الذى قرَّبك من مجيد طوبيا؟ فرد قائلاً: روايته "تغريبة بني حتحوت" التي صدرت عام 1988 عن دار الشروق بالقاهرة في 280 صفحة من القطع المتوسط، تابعتها عندما نشرت مسلسلة فى جريدة "الأهرام" في عام 1987، ولفتني بناؤها الذي جاء في تسعة عشر فصلاً، فإخترتها موضوعًا للبحث للأسباب الآتية:

طوبيا في الزمن الجميل

أولا : إنها لكاتب من أبرز مبدعي جيل الستينيات دأبًا وإصرارًا، هذا الجيل الذي مزقته صواعق الأيام، ونهشت وجداناته هزيمة يونيو 1967، فاتجه أبناؤه في جملتهم إلى التراث يغوصون فيه ويجوسون في حناياه، يستلهمون منه المثل، ويفتشون فيه عن إجابات لأسئلة الحاضر المغلقة عليهم.

وتباينت مواقف أفراد هذا الجيل، فمنهم من غاص في التراث وعجز عن الخروج منه إلى اليوم، أو اتخذ منه زيًّا مغايرًا يطل به على عالمنا، ومنهم من استلهم من التراث روحه، وسعى كي يبثها في ثنايا الحاضر، حفزًا له ودفعًا إلى الأمام، ومنهم مجيد طوبيا الذي راح يجوب ساحاتنا حاملاً مشاعل الماضي الباهرة وقيمه الزاهرة، وكأنه يقول إنه لا خلاص لنا ولا منجاة بغير هذه القيم، وهي في هذه الرواية: العلم والمعرفة.

ثانيًا: يعيش مؤلف هذه الرواية بعيدًا عن ضجيج الزيف الإعلامي المعاصر، فهو لم يشغل منصبًا إعلاميًا ينتفع به، ولا يؤمن بالعلاقات الإجتماعية الوطيدة بديلاً عن الإبداع الجيد، فقد عاش حياته راهبًا في محراب فنه الذي عشقه.

لذا فإن واجب الباحث أن يفتش عن مثله من المبدعين، وألا يبهره الوهج الذي قد يحيط ببعض الأسماء فيخطف الأبصار. إضافة إلى أن هذه الرواية لم يتناولها أحد بالنقد أو الدرس.

ثالثا: الرواية موضوع الدراسة نموذج على جهاد جيل من المبدعين الذين أصروا على كتابة رواية مصرية خالصة، تنبع من تراثنا وحضارتنا، وتنير أمامنا سبيل المستقبل على أساس من عناصر القوة والإجادة فينا، وقد يكون في دراسة هذه الرواية تفصيل لخصائص هذه النزعة، وبيان لما وصلت إليه.

رابعًا: الرواية نموذج او مثال على قدرة الكاتب على الإستفادة من الفنون المختلفة، ومحاولة إبداع شكل روائي جديد، فهي رواية أدبية، وهي سيرة شعبية، وهي رواية تاريخية معًا. فضلاً عن كونها محاولة لصنع تلك الجديلة الفنية الجديدة وهذا أمر جدير بالعناية والدرس.

وهكذا إستقر عزمى على ان أدرس صلة رواية "تغريبة بنى حتحوت" بكل من الرواية التاريخية والسيرة الشعبية، فبدأت بالوقوف عند الرواية وتقديم عرض لها، وثنيت بدراستها بوصفها سيرة شعبية، وأخيرًا درستها كرواية تاريخية.

mostafa4100500@hotmail.com