مجلس محافظة كركوك... بئس التصريح وبئس ما طرحتموه

الان توصلت لقناعة بان كركوك في يد امينة يشرف عليها رجال لا تاخذهم في حقوق الأكراد لومة لائم، يعون عظم الامانة القومية الملقاة على اعتاقهم ويتصرفون وفقها بالكثير من الشعور بالمسئولية. فالسيد المحافظ نجم الدين كريم مثلا يتخذ قراراته السياسية وكان المدينة هي اقليم مستقل بذاته دون ادراك بان كركوك ليست ملكا لشخص او لحزب او حتى لسكان المدينة فحسب بل هي قضية مصيرية تهم كل كردي من زاخو ولغاية مندلي ويجب عليه مراعاة الحقوق الكردية في المدينة قبل كل شيء.

ان كان الامر ينحصر في المحافظ فالامر يسير، ولكن يبدو ان رجال المدينة المخلصين لقضيتهم الكردية في ازدياد، فرئيس اللجنة الامنية لمجلس محافظة كركوك مثلا يعي تماما المخاطر الامنية على المحافظة للحد الذي يجعله يستبدل خطرا بخطر اخر، فتصريحه الاخير بخصوص مليشيات الحشد الشعبي يدل على حنكة امنية قل نظيرها، فبعد كل الشد والجذب الذي شهدتها الاحداث فيما يخص ميليشيات الحشد الشعبي في الاسابيع الماضية، ياتي السيد احمد العسكري لـ"يمسك الذئب من ذيله" ويحل هذه المعضلة التي عجز عن حلها الساسة ويشترط شرطين لدخول الحشد الشعبي الى المدينة وهما:

- ان تكون مليشيات الحشد الشعبي الداخلة لمحافظة كركوك تحت ادارة واشراف السيد محافظ كركوك.

- ان يكون هناك اتفاق بين الطرفين لخروج الحشد الشعبي من المدينة بمجرد طرد الدواعش منها.

هل رايتم حلا اكثر عبقرية من هذا الحل الذي "اكتشفه" السيد العسكري؟

وبالطبع فان السيد العسكري لم ينسَ مصالح الشعب الكردي في كل هذه المعمعة. فبما ان الحشد الشعبي هي ميليشيا غير رسمية ولا ننضوي ضمن المؤسسة العسكرية العراقية، فلقد ارتأى السيد العسكري الزامها باتفاقية تجبرها على الخروج من المدينة بمجرد طرد داعش منها. وهكذا ضمن السيد احمد العسكري حقوق الشعب الكردي ومصالحه القومية.

وكما يقول الشافعي "ضاقت فلما استحكمت حلقاتها.. فرجت وكنت اظنها لا تفرج".

هنا نريد ان نسال السيد العسكري بعض الاسئلة الملحة علنا لا نعي سهولة حل معضلة الحشد الشعبي هذه ونجد عنده الجواب الامني الشافي كونه مسئولا عن اللجنة الامنية في المحافظة:

- هل يتصور السيد العسكري انه بالامكان الزام مليشيات الحشد الشعبي (غير الرسمية) باي اتفاق ملزم يخرجها من المدينة بمجرد طرد الدواعش منها؟ وهل تمكننا نحن في اقليم كردستان وطوال العشر سنين السابقة من الزام الجهات الرسمية في الحكومة العراقية باي اتفاق كي نأتي اليوم ونامل بان نلزم مليشيات باتفاق ملزم وهي التي لا تعترف حتى بالحكومة العراقية؟

- كيف سيتمكن محافظ كركوك (المدني) من الاشراف وادارة هذه الميليشيا المسلحة وكيف ستكون ادارته لها؟ وما هي الاوراق التي سيلعبها في هذا الشان؟

- دعونا نستبق الامور ونفترض انه قد تم طرد الدواعش من مناطق محافظة كركوك ورفضت ميليشيا الحشد الشعبي الخروج من المدينة، ما هو بديل السيد احمد العسكري لمعالجة هذا الوضع؟ هل سيلجأ الى المحكمة الدستورية مثلا او سيهرع الى الدستور العراقي؟ ام انه سيعلن النفير العام في المدينة لطردهم؟ ما هي المقومات التي يمتلكها السيد العسكري لمواجهة هذه الاحتمالية؟ الا يفترض ان يجد البدائل الممكنة لكل طارئ؟

- لو استغل الجيش العراقي (بعد طرد داعش) وجود ميليشيا الحشد الشعبي في كركوك وارتأى استبدالهم بقطعات من الجيش العراقي الرسمي، هل يمتلك مجلس محافظة كركوك الحق القانوني للوقوف ضد هذا التوجه ورفضه بشكل رسمي؟

يبدو ان الاحزاب الكردية وساساتها لم يعوا دروس التاريخ الاليمة، فاغلب النكسات الكردية كانت سسبها التهاون في الحقوق القومية وعدم الوقوف بحزم امام مؤامرات الخصوم السياسيين وكذلك المنافسات الحزبية فيما بينهم.

ان كان مجلس محافظة كركوك وراء هذا التصريح فهو تخبط سياسي واضح نتمنى لهم الخروج منه. واذا كان بموافقة من الحزب الذي ينتمي اليه العسكري فهي معضلة حقيقية تندرج تحت يافطة المنافسات السياسية البلهاء. اما ان كانت حكومة اقليم كردستان على علم بهذا التصريح وبموافقة منها فستكون كارثة لن نجد امامها الا ان نضع رؤوسنا في التراب (كما النعام) كي لا نستشعرها واقعا. وفي كافة الاحوال... فبئس التصريح هذا وبئس من صرح به وبئس من يوافق عليه.