مجلس سياسات أم مجلس ترضيات؟

بقلم: د. عادل البياتي

منذ أجريت الإنتخابات النيابية في العراق أوائل شهر مارس 2010، وآلت نتائجها إلى عكس ما تشتهيه إيران ووكلائها، حيث أشّرَت النتائج حينها تقدماً لقائمة الدكتور أياد علاوي بـ91 مقعدا، تليها قائمة نوري المالكي بـ 89 مقعدا. ولأن إيران بنفوذها وتأثيرها الواضحين على الشأن السياسي العراقي، وضعت الفيتو أمام تولي علاوي رئاسة الوزراء، وعمدت إلى إلزام أتباعها من الكتل الشيعية، كل من دولة القانون لنوري المالكي وقائمة المجلس الأعلى بزعامة عمار الحكيم والتيار الصدري والمتآلفين معهما، على التحالف بينهم، بعد ظهور نتائج الإنتخابات، كما أن نوري المالكي بمنصبه ونفوذه استطاع التأثير على المحكمة الإتحادية الفاقدة للحيادية، فأجازت في قرار مشبوه لها للكتل الشيعية (كتلة المجلس وكتلة الصدريين وكتلة نوري المالكي) التحالف بعد ظهور نتائج الانتخابات، وتشكيل الكتلة الأكبر لسحب البساط من تحت أياد علاوي.

أحتج علاوي بكل ما أوتي من قوة على هذه اللعبة، ولكنه لم يفلح، فلجأ إلى التهديد بمقاطعة العملية السياسية، وتأخرت عملية تشكيل الحكومة حوالي الستة أشهر، لحين تدخل الأكراد وتوسطهم بين الطرفين في ما سميت "مبادرة مسعود البارزاني"، في إجتماع أربيل الشهير (10 نوفمبر 2010) الذي أنتج صفقة سياسية ملغومة، بأن يتولى المالكي رئاسة الوزراء وأن يستحدث مجلس سياسي يسمى "المجلس الوطني للسياسات الأستراتيجية" يخول بعض الصلاحيات السياسية لإدارة شؤون البلاد.

كان قبول علاوي بهذه الصفقة سببا في إعادة تكليف نوري المالكي بتشكيل الحكومة، ولكن بدون الوزراء الأمنيين (الداخلية والأمن الوطني والدفاع) الذين لم يتم للآن التوافق عليهم رغم مرور سنة ونصف تقريبا على انتخابات مارس 2010.

ولكن مع مرور الأيام ثبت أن المالكي يلعب لعبة الوقت، فقد مرت عشرة أشهر على "صفقة أربيل" ولم يصدر قانون مجلس السياسات الموعود، لأن المالكي لا يريد كيانا آخر ينافس سلطاته وصلاحياته المطلقة كرئيس للوزراء وقائد أعلى للقوات المسلحة وممسك بوزارتي الداخلية والدفاع وجهاز المخابرات، ولكن الطرف الكردي عاد وتدخل في الأمر، حفظاً لماء الوجه، فجمع الأطراف من جديد خلال الأسبوع الماضي في أربيل، وتم الاتفاق على تمرير مشروع قانون مجلس السياسات من خلال مجلس النواب، وفعلا تم تمريره كمرحلة أولية تحتاج الى مراجعة أخرى، حيث ما زال أعوان لدى المالكي يطلقون تصريحات بالضد من مجلس السياسات باعتبار أنه غير دستوري، ويريدون تمريره خارج البرلمان بينما يصر أياد علاوي على أن يتم تشكيل رئاسة المجلس الموعود من خلال البرلمان لكي يأخذ قوة تشريعية تمنع أي تراجع مستقبلي محتمل من قبل المالكي وقائمته عن مشروعية مجلس السياسات.

أكد نوري المالكي عدم اقتناعه بمجلس السياسات في وقت تتجه فيه الدولة للترشيق – حسب رأيه - معتبرا أن المجلس "قضية ارضائية" في اشارة الى علاوي المرشح لرئاسته مشيراً الى انه لن يكون للمجلس المستحدث أي دور في الحلول التي تعترض العملية السياسية (!). وفور منح البرلمان الموافقة المبدئية على مشروع القانون بدأ بعض نواب دولة القانون بزعامة نوري المالكي بإطلاق تصريحات تشكيكية تعارض تشريع هذا القانون. حتى أن أحد أعضاء إئتلاف نوري المالكي وهو النائب حسين الأسدي هدد باللجوء إلى المحكمة الاتحادية في حال التصويت بشكل نهائي على مجلس السياسات وقال الاسدي خلال مؤتمر صحافي ان التصويت عليه يمثل نهاية الديمقراطية في البلاد (!). واشار الى ان رسم السياسات الإستراتيجية للدولة هو من اختصاص مجلس الوزراء فقط، ولا يحق لمجلس السياسات أن يقوم بهذا الدور الذي اعتبره دكتاتورية مبطنة.

مشروع قانون المجلس الوطني للسياسات العليا الذي ناقشه مجلس النواب يتضمن 10 مواد، الأولى بتأسيسه، والثانية بآلية صدور قراراته بأغلبية 80%، والثالثة عن الهدف منه وهو المساهمة الفاعلة في حل العقد التي تعترض العملية السياسية في العراق والخطوط العامة للسياسات العليا للدولة، وتقديم التوصيات والمقترحات بشأن التشريعات والقوانين وبشأن إصلاح النظام القضائي وفق السياقات الدستورية. اما الرابعة فعن مجالات نشاطه في السياسات الخارجية والداخلية والامنية والعسكرية والاقتصادية والمالية والنقدية والطاقة والاستثمار واتخاذ القرارات بشأن المصالحة الوطنية، والمادة الخامسة تختص بإختصاصات المجلس من النواحي التشريعية والسادسة اختصاصاته من النواحي التنفيذية والسابعة اختصاصاته في المجالات القضائية، أما المادة الثامنة فقد حددت عضوية المجلس في رئيس الجمهورية ونوابه ورئيس الوزراء ونوابه ورئيس اقليم كردستان ورئيس المجلس الاعلى للقضاء وعضوين من الكتل الرئيسية الأربعة الكبرى في البرلمان.

صفقة مجلس السياسات الترضوية، تلكأ تنفيذها حوالي العام ومنح رئاسته لأياد علاوي وهو مجلس لم ير النور بعد ومازالت تحيطه التأويلات والترددات والشكوك، فكثير من الكتل وخاصة كتلة المالكي تنظر اليه بريبة، للخوف من تقليصه أو تناقضه مع صلاحيات وسلطات رئيس الوزراء، بينما يريده الأكراد وبعض الكتل الأخرى خاصة كتلة العراقية أداة لتقليم مخالب حكومة نوري المالكي ومنع استبدادها، ووقفا للتدخل الإيراني السافر في الشأن العراقي، ولكن العراقيين أصحاب الشأن يراقبون تطورات الأحداث بمزيد من الحيرة والألم، لما آلت إليه أحوال العراق وسط يأس عارم عام من أي أمل في سياسيي صناعة الإحتلال من أن ينقذوا البلاد من محنتها، أو يوصلوا البلاد إلى مرسى الأمان، والخاسر الأول في مجلس السياسات هو أياد علاوي الذي شرب الكذبة واقتنع بالاكذوبة، أما الخاسر الأكبر فهو العراق!

د. عادل البياتي

كاتب وأكاديمي عراقي