مجلس الامة الأردني، مجلس تكميم الأفواه

بقلم: محمد سليمان الخوالده

في سابقة هي الأولى من نوعها في العصر الحديث، يقوم مجلس نواب يمثل ارادة الشعب كما يدعي باقرار قانون يكمم الافواه ويسجن الكلمة ويغرم صاحبها بمبالغ خيالية لا يملك عشرها، قانون يعيدنا الى الوراء عشرات السنين (زمن الاحكام العرفية البائسة)، والادهى والامرّ من ذلك ان يلاقي مباركة من شقيقه المجلس الاعيان، فيقر قانونا يحمي الفساد ويحارب مكافحة الفساد وذلك باقراره المادة 23 من القانون المذكور (على أن كل من اشاع او عزا او نسب دون وجه حق الى احد الاشخاص او ساهم في ذلك بأي وسيلة علنية كانت اياً من افعال الفساد المنصوص عليها في المادة (5) من هذا القانون ادى الى الاساءة بسمعته او المس بكرامته او اغتيال شخصيته عوقب بغرامة لا تقل عن ثلاثين ألف دينار ولا تزيد عن ستين ألف دينار).

حقيقة مثل هذا القانون يمثل خرقا فاضحا للدستور الاردني في مادته الجديدة (128) التي يقيّد بموجبها ويمنع من أن تتضمن القوانين أي نص أو قيد يمس بالحقوق والحريات الأساسية التي حدّدها الدستور أو تمس اساسياتها، ايها السادة لقد ارتكبتم جرما جسميا بحق الدستور الاردني ونزعتم عنه ثوب القداسة وجعلتموه ورقة غير قابلة للاستخدام! فانهار حلمنا بتأسيس دولة القانون!

حقيقة بات واضحا وبالبرهان أن السلطة التشريعية والتنفيذية لا تروق لها الصحافة التي تمتلك الجرأة على أن تقول ما يريده الشارع الاردني المكتوي بنار الفساد وظلم العباد ومديونية يعجز عنها الافذاذ! لم يعجبها ابدا ان يكون لدى الشعب الاردني سلطة رابعة حقيقية، تراقب وتنتقد وتكشف المستور، بعد أن نجحت في كشف بعض خيوط الفساد والاجابة على تساؤلات الشارع الاردني الذي خدع بالشعارات، ولم يجد من يجيبه عن سبب المديونة التي تجاوزت سبعة عشر مليار دولار، رغم بيع مؤسسات عامة لها وزنها الاقتصادي والمالي بثمن بخس.

كان ينبغي على مجلس الامة أن يقف مع حرية الكلمة والتعبير، لا أن يقر قانونا لتكميم الأفواه وتخويف الصحفيين والكتاب، وإرعابهم بالدعاوى والملاحقات القانونية، بغرامات مالية لم نقرأعنها في قانون شريعة الغاب!

كان من المفترض بالسلطة التشريعية، أن تقدم انموذجا حضاريا راقيا في سن التشريعات التي تحصّن وسائل الإعلام وما تنشره وما تعبر به عن آراء الناس وتطلعاتهم،وحقهم في أن يعرفوا ما يجري وما جرى من صفقات فساد تمت بصمت مريب.

قوى الفساد والظلام، التي تحكم في الخفاء هي وراء قانون الفساد، فهي التي صنعت اعضاء في المجلس التشريعي لينفذ رغبة حكومات الفساد ويأتمرون بأمرها، فيحكم على نفسه بالاعدام امام الشعب الاردني ويسجّل في تاريخه وصمة عار، فيطلق النار على شعار الاصلاح ومحاربة الفساد، فيرديه قتيلا، فنقول "انا لله وانا اليه لراجعون"، فشعار الاصلاح ومحاربة الفساد اصبح في ذمة الله، فشعار الاصلاح بحاجة الى مجلس امة يكون منتخبا بشقيه النواب والاعيان، لا يخضع للابتزاز ولا للضغوط، رصيده خال من الشبهات، يشرّع قانون مشرف في سجل القوانين الاردنية كقانون من اين لك هذا؟

قوانينكم، اسلحة تكميم الافواه، ها هي الان تمتد لقتل الاقلام الحرة بمباركة مجلس نواب عتيد وشقيقه مجلس الاعيان الفريد، مجلس نواب بعض اعضائه تلوثت أيديهم بشراء الاصوات، رغم وجود اصوات وطنية حرة نسمعها احيانا، لكن الرهان سيبقى على الجماهير، مصدر السلطات، جماهير ذاقت طعم الحرية وأنارت الصحف الحرّة عقولها، لن تقبل أبدا بعودة الاستبداد الفكري والقوانين العرفية التي تكمم الافواه.

نقول لكم لملموا قوانينكم الفاسدة التي لا تطرحها الا حكومات تعاني التخلف السياسي ولا يصادق عليها ويقرها الا مجالس نواب فقدت شرعيتها منذ ان قبلت بان تكون اداة تنفيذ وتخلت عن دورها الدستوري كرقيب. وقبل اقالتكم نريد منكم ان تعتذروا عن اهانة الشعب الاردني بالغاء قانونكم الفاسد، ولن يجدي نفعا حل مجلسكم واقالة حكومتكم ما لم يلغى قانوكم الفاسد، تداركوا الامر قبل فوات الاوان، فالشعب لن يرضى بالهوان.

واخيرا وليس آخرا نقول أن الشعب هو مصدر السلطات وهو صاحب القرار، والنواب ما هم إلا حراس لقضايا الشعب، فالحارس يمكن تغييره وتبديله ويؤتى بجديد يحل محله فالذاهب غير مأسوف عليه، والقادم مسؤولية هذا الشعب.

محمد سليمان الخوالده

Drkmal_38@yahoo.com