مجلة 'العربي' سفيرة الإبداع والرقمنة!

كتب ـ عبدالواحد محمد
نتواصل دوما نحو الحقيقة

كم تداعبنا الأحلام في الخروج من مأزق التبعية لكل ماهو سطحي بيننا مهما كانت المبررات الواهية في عالمنا الثقافي الذي أراه منزويا وقابعا في يتم، نتيجة طبيعة لغياب المناخ الصحي لكل ماهو إبداعي؟ وهذا نلمسه جميعا في مجتمعنا العربي الكبير بعمد أقرب إلى الجهل في تبوير عقولنا والنيل منها بكل ما هو رخيص وفوضوي مما انعكس سلبا علي أجيالنا، فلم نعد نرى مبدعا أصيلا إلا في حالات استثنائية جدا!
مما يعطينا انطباعا عاما أننا بحاجة ملحة إلى تصحيح أوضاعنا؟ فأي قيمة نضيفها لنا ونعتز بها بين الأمم ربما نتصور أن الإبداع يكمن في فلسفة العبث بكل ما تحمله من إرهاصات عميقة في أدبنا الحداثي، وطربنا البهلواني، وقصائدنا المهاجرة خارج العصر.
رويدا أتعجب من عقولنا التي تحولت إلى وعاء يستقبل دون أن يفكر لكي يطرد أصوات الغربان بلا رجعة!
خذ مثلا بعض ما نطلق عليه فنا شعبيا اليوم مجازا:
"بحبك يا حمار .. بحبك يا حمار" ومظلوم الحمار المسكين!
الجسد العاري!
السينما التي فقدت بريقها وتحولت إلى كباريه من أول الحكاية حتى آخرها!
الغناء الفوضوي المزعج بلحن مهجن من قارة مجهولة!
فنحن لا نسعي لعودة الماضي، إنما ننشد حاضرا يشهد لنا ونحقق فيه آمالنا بوعي مدروس وقائم على منهجية عقل يدير لا ينحني خوفا وكسلا وعجزا ومرضا سرطانيا، إنما منافسا مبدعا بلا حدود حتي نخرج من عباءة الأصنام ونسترد حضارتنا وتاريخنا وأقلامنا التي جسدت من أحلام واقع لا يزال هو جسر تواصلنا؟ ولعلنا نراهن على ثقافة المدونات، واتحاد كتاب الإنترنت العرب الذي يؤدي دورا محوريا نحو تخطي ثقافة اللاوعي والتي جعلوا الحمار في القصيدة أو الأغنية العمياء بطلها بلامنازع؟
فلماذا لا نسعى إلى فك كل الشفرات المعتمة ونستيقظ بهمة كم كان أجدادنا في زمن الفروسية والسيف والشهامة والقدرة على إبداء رأي وحوار بعكس ما نراه سائدا في مسلسل هروبنا .. إدماننا .. صراخنا .. فرقتنا .. تعاويذتنا .. أقلامنا .. مسرحنا .. كتابنا .. جامعاتنا .. دروبنا .. إعلامنا .. فوضويتنا الملعونة؟
نعم أعلم كم التحديات والأسفار والمعاهدات والاتفاقيات وغير ذلك كثير وكثير في تطرفنا الطبيعي تجاه الحقيقة الغائبة! مفتاح الطريق ليس بالمستحيل لأننا نملك عقولا وانتماءً ووطنا إذا أحسنا التعامل مع مفردات العصر وغيرنا من تفكيرنا لأنه وسيلة الحوار الآمن مع النفس. هنا سنكتشف الفرق بين حاضر .. وحاضر.
ربما تكون سطوري فلسفية في نظر البعض لكنها مستمدة من لغة عقل خرج من طور إلى طور، ليحلق في الفضاء، ومن ثم قرر أن يكون أو لا يكون. وهذا الخروج من جنة الواقع الذي نحياه هو إدماننا لكل الرغبات الضعيفة والتي تنتج كتابا لا يقرأ مهما كانت حجم الدعاية والميديا ويقينا أننا لا تستهوينا لعبة الشطرنج أو الاعتكاف الفضائي ـ لا سمح الله ـ على كل المواقع العابثة والغارقة في أحلام مراهقة جدا؟
لذا أعتكف في العشرة الأخيرة من رمضان، اقرأ كتابنا العربي من جديد، وأنا لست دهشا من واقعنا المتردي والمغيب دائما بإرادتنا نحن العابثين بأوطاننا فلا مسؤلية نتحمل مشاقها وتباعاتها لتكون أسفارنا حدوتة غير مقرءوة وأصواتنا عاجزة وقت الفجر أن تغرد كما كان يغرد بلبلنا العربي في سابق الزمان؟
أنظر غزة المحاصرة!
تهويد القدس!
احتلال العراق!
عرقلة قافلة الحرية عن أداء مهمتها الإنسانية!
فساد العقول من فساد الشياطين !
فراية العصيان نرفعها لكل ما هو جاد ونفيس كما كان يذكرنا نزار قباني في قصائده العذرية "بلقيس" و"قالت لي السمراء". والعقاد في "عبقرياته" يضعنا في اختبار عقلي أمام تاريخ وتاريخ ربما كان العقاد يؤرخ لعصرنا لا عصره دون أن يشعرنا بالمصائب وكم العلل التي ابتلي بها بعض من يظنون أنهم مبدعون وخارقون للعادة؟ والدروبي الكبير (النوبلي) نجيب محفوظ إمارة الرواية وقاهر المانش هو الآخر يمنحنا صوت الشحاذ، واللص والكلاب، وثرثرة فوق النيل، والكرنك، بمكر الباحث عن حل يخرجنا من حماقتنا ويعود بنا إلى زمن السيد عبدالجواد في الثلاثية المعروفة؟ فيكفينا العجز والدجل في طابور الزواج العرفي الذي حول مجتمع كبير لمآتم باسم حرية عقل ..لا .. حرية وهم؟
وتذكرت أن "بيت الحكمة" في زمن هارون الرشيد والمأمون عنوان إبداعنا الذي كان نشيدا يقرأ بفضل يقظة عقل لم يترنح في فوضوية الحجرات المغلقة والشعارات المخدرة والأكاذيب المنمقة؟
وللقراءة أصول وقواعد في آلية البحث عن عنوان يمطرنا إبداعا في مقدراتنا. واقعنا الجليدي الذي فرضناه على أنفسنا لأننا لا نصدق غير نبوءة عراف من ديار راقصة؟
ويقينا لا نقبل غير ثقافة جادة ترفرف علينا من جديد تحت مظلة من نثق في نخوتهم وضمائرهم، وخير مثال مجلة "العربي" الكويتية، عربية الثياب والعقل والتي تحتضن كثيرا وكثيرا من مقدرات إبداعنا العربي منذ نشأتها التاريخية عام 1958 من القرن العشريني المنصرف عبر أقلام وأقلام على رأسها المفكر العربي الكبير الدكتور سليمان العسكري الذي يرأس تحريرها اليوم، ومن قبل نخبة عربية مثقفة نذكر منهم الدكتور أحمد زكي، وأحمد بهاء الدين، والدكتور محمد الرميحي، ومعهم ومعنا نخبة عربية من كل عواصمنا السعودية .. لبنان .. مصر .. المغرب .. سوريا .. العراق .. فلسطين.. الكويت .. الإمارات .. الخ، والتي لا تزال ترتدي الثوب العربي الأصيل بثقافة عصر تشع فيها كثير من الهاماتنا وقضايانا التي ننشدها أمام كل مدع وفوضوي وماجن لا يرتدي غير الوهم؟! كما كان لموقعها على الإنترنت أثر نفسي وثقافي يتسق مع دورها الفاعل والتنويري في تواصلها الحميمي مع القارئ والمثقف الذي تؤكد لهما ولنا رؤيتها المعاصرة جدا لكل جديد كسفيرة تحمل كل الأعلام العربية صوب هدف استراتيجي جدير بالبحث والتنقيب عن مكنونها المبدع والذي لم ولن يتوقف.
ولعل تبني مجلة العربي الكويتية لدور الثقافة الرقمية مؤخرا يؤكد كثيرا من تلك النقاط التي تدعم ثقافة الإنترنت والمدونات بفلسفة قائمة على منهج المعاصرة وحرفية الإبداع وسياسة الرقمنة التي تقفز بقفزات سريعة ومؤثرة تحسب للمفكر الكبير عربي الهوية والعقل الدكتور سليمان العسكري ودائما تسوقفني عباراته الرصينة والرشيقة في "حديث الشهر" والتي تثري عقولنا بثقافة يوم وغد ومستقبل!
فلم تعد ثقافة الرقمنة ترفا بل شيئا ملحا كالماء والطعام والهواء وبدونها سوف يخرج كثيرون من الألفية الثالثة عرايا العقل؟
فمع هذه المجلة العريقة نتواصل دوما نحو الحقيقة لنرى كثيرا من الأصوات الشابة التي ترفض بشدة من يسعي لعرقلة مسيرة الفكر والرقمنة والإبداع العربي فيما ينشرونه علي صفحاتها الخالدة لمواجهة كل الأدعياء الذين ظنوا أن رايتهم المزعومة لن تخفق؟!
عبد الواحد محمد abdelwahedmohaned@yahoo.com