مجلة الدوحة: هل سيسقط الثقافي في فخ الاخواني الاسلامي؟

القاهرة
الثقافي بغير مواصفاته

تناقلت وسائل الاعلام "عرضاً جاهزاً" للعدد الاخير من مجلة الدوحة الثقافية "يونيو- حزيران" ونشرته بما يحمل من ثناءات، من دون ان يكلف أحد من المحررين إعادة قراءة المجلة وتقديم عرضا لها، على الاقل لاكتشاف ميزة جديدة وليس تكرار ما منشور من ثناءات ارسلها المحرر نفسه عن جهده.

ومهما يكن من أمر فأن الاحتفاء بالتنويع الجديد للمجلة يستحق الثناء، بلا شك، وفق التقويم المفرط بالتفاؤل للتغيير نفسه...، استقطاب اسماء مهمة في الكتابة أو ترجمة مقالات لكتاب عالميين، فتح ملف أو قضية العدد أمام اقلام من مختلف التوجهات، اختيار فنان العدد وتوزيع لوحاته على صفحات المتن...

لكن ثمة اسئلة ترافق هذا العدد وتثير علامات التعجب المتصاعدة عما اذا كانت المجلة قد تخلت عن مهنيتها الثقافية وبدأت تعكس خطابا سياسياً لقطر في متن الخطاب الثقافي؟

يقدم العدد الجديد "بن لادن" بصورة المجاهد الرومانسي ويصنع مقارنة وهمية لشخصيته مع جيفارا!

المادة التي نشرت بتميز مع تخطيط لصورة بن لادن ينم عن براعة فنية ويقدم وجهه بتعبيرية الانسان الرؤوم المتسامح الطيب... وليس غير ذلك!! تحمل من التساؤلات والشكوك ما يحعلنا نقف امام تكليف الكاتب بمثل هذه المادة والكتابة وفق ما ترغب به هيئة التحرير، أم بمبادرة منه!

في المادة التي كتبها علاء عبد الوهاب من القاهرة "بن لادن بطل تراجيدي" ثمة مقدمة لا تبدو من التصميم محسوبة على كاتب المقال مع انها تنحو الى التوجه نفسه "جيفارا واسامة الوجه والمرأة"، تقدم بن لادن بصورة المجاهد البطل وفق تعريف الاخوان المسلمين وليس أي شيء آخر!

غلاف مجلة الدوحة
صورة طبق الأصل للخطاب القطري في تقديم الاخوان المسلمين كنوع من الحل والترويج لهم. الخطر لا يبدو في اعلان الرأي، ولا حتى في الاصرار عليه، لكن الخطر يكمن هنا في تغليف الخطاب الثقافي بمسحة اسلاموية متشددة بمثل ما يروج له الاخوان سواء في مصر أو تونس أو على منصة قناة الجزيرة.

فهل نتوقع ان يكون الشيخ القرضاوي مثلا أحد كتاب المجلة في أعدادها المقبلة؟ اذ كان الامر كذلك، فيا للخيبة الثقافية!

في ملف الكاتب خوان جويتيسولو الذي أعده أحمد عبد اللطيف من القاهرة أيضا! فقد هذا الملف المواصفات الصحفية لحوار كاتب مهم، مثلما سعى، كما في المقدمة الى لي الحقائق وفق ما يشتهي المحرر او حسب الخطاب المعلن لقطر حول الأزمة الليبية، فالموضوع ليس رفض خوان جويتيسولو لجائزة القذافي حسب بل التغاضي المعلن عمن قبلَ الجائزة "الدكتور جابر عصفور"! واختصر بنهاية المقدمة بجملة ".. و بقية القصة معروفة".

لنا ان نتخيل سؤالا سطحياً يسأله المحاور لخوان جويتيسولو مثل كيف ترى المرحلة الانتقالية في مصر وكيف تنظر الى الثورات العربية وكيف تنظر لغياب المثقف العربي عن الثورات العربية، وكأن جويتيسولو ليس سوى كاتب عربي!

الحوار برمته خيبة صحفية وفرصة مقتولة لحوار كاتب مهم بقلم محاوره.

ما يغفر لسطحية هذا الملف مطالعتنا ملفاً مهماً آخر وبتحرير صحفي متميز لفاطمة شرف الدين وحسين محمود عن الكاتب الايطالي فيتوريو اريغوني ووقائع موته المخجل من قبل "اسلامي غزة" وليس من اسرائيل، هو الذبيح العاشق!

اما الحوار الاخر الذي اجراه كرم نعمة مع الروائية عالية ممدوح فهو سقطة صحفية مريعة، اذ لم يحدث في الصحافة ان تحاور كاتبا ما ولا تشير الى اسمه، فخلت المقدمة من اسم عالية ممدوح وتوالت الاسئلة، لكن على من يطلقها المحاور؟

عنوان الحوار ينسب الى عالية ممدوح قولها "نكتب عن الغرام ولا نعيشه" وعندما تبحث في ثنايا الحوار عن هذه الجملة فلا تجدها!! الامر الذي يعني ان الحوار خضع الى مقص الرقيب او المحرر وبطريقة عشوائية تفتقر الى المهنية.

في النهاية الامر بحاجة الى توضيح من المحاور ومن الروائية عالية مدوح ومن محرر المجلة أولاً.

سعى التجديد في المجلة الى اعتماد القطع الصغيرة، وهو أمر لا يعني بالضرورة تميزاً عندما نتحدث عن مجلة شهرية وليس صحيفة اسبوعية أو يومية، فزاوية المتابعات بدت جهداً خاسراً لا ينم عن أكثر من تكرار ما منشور في الصحف اليومية والمواقع الألكترونية، ويبدو الانحياز فيه واضحاً الى دولة معينة بنشر أكثر من رسالة ثقافية والاقتصار على رسالة واحدة لدول أخرى.

صفحات "الميديا" لا جديد فيها على اهميتها في مجلة ثقافية باستثناء عناوين المواد القصيرة الجميلة والموحية، بل هي تكرار لمعلومات شائعة على الانترنت.

انقذ التصميم التخطيطات الجميلة لفنان العدد، فيما بدى حجم اختيار الصور لاينم عن أي احتراف مهني وتصميمي عندما تم اختيار أغلب الصور بقياسات ضعيفة لا تتناسب مع مجلة ملونة.

ولم يوحد المصمم حجم عناوين المواد والمقالات واختلفت القياسات بين مادة واخرى، وهو ما افقدها هوية تصميمية.

كما ان تكرار اسم كاتب في اكثر من مادة يعد ثغرة مهنية، اذ ما معنى ان تنشر مادتين لكاتب واحد في العدد نفسه.

وثمة ميزة تجعلنا نأمل بهيئة التحرير مراجعة "ثغراتها" التحريرية لاسيما وهي تعدنا بملفات مقبلة وباستقطاب الروائي الطاهر بن جلون في مقال دائم، كما كانت متميزة في نشر مقال للروائي امبرتو ايكو، وتقرير ينم عن براعة استقصائية عن زواج الامير البريطاني ويليام كتبته لينا أبو بكر بحس معاصر وتاريخي بعنوان "قبلات وشرفات".

كما نترقت التخلص من هاجس الصحافة اليومية في الاعداد المقبلة لمجلة الدوحة الثقافية، وكما يعرف محررها ان من يطالع مجلة شهرية لا يبحث عن اخبار صحفية فقدت قيمتها بعد نشرها في الصحف والمواقع الالكترونية. ثمة دور آخر للمجلة الشهرية في معالجة التداعيات وتحليلها.

ان استكتاب الاسماء العربية المختلفة والتأكيد على التنوع سيجعل من اعداد المجلة المقبلة محكاً للقارئ، على الأقل للتأكد من تخلص محررها من "خرافة أم الدنيا"! ولا يحتاج القارئ العربي في أقل اعتبار لتكرار الخطاب السياسي الذي تروج له قطر في قناة الجزيرة مثلا على مواد المجلة الثقافية.

ثمة "حكمة صحفية" قائمة منذ سنين في الصحافة البريطانية بانها لاتكلف أيا من الأدباء في تحرير الصفحات الثقافية، لأن المحرر يشعر بنرجسية الأديب وحساسيته من غيره، كما أن الأديب بوصفه صحفياً يتعالى عن ابسط التقاليد المهنية... ومجلة "الدوحة الثقافية" بصفتها منبر معاصر ومتنوع نأمل الا تقع في مثل هذا الفخ.