مجزرة غزة.. وصمة عار أخرى في جبين هذه الانسانية

بقلم: ناصر السهلي

المجزرة البشعة التي شهدتها غزة الصامدة هي واحدة من الاضافات الاكيدة على مجازر هذا الكيان الصهيوني الذي يثبت يوميا المزيد من وحشيته وهمجيته التي لا يمكن تبريرها الا من قبل من يماثلونه في الاجرام والبشاعة... وحتى الصامتين من العرب الذين يقولون في العلن ما لا يضمرونه في السر.
وليزداد منظر اللاادمية الصهيوني دعونا نقرأ ما قاله بعض هؤلاء الممثلين للكيان الصهيوني من اعضاء الكنيست ونبدأ مع زبولون أورليف الذي قال: الاغتيال المحدد هو أحد وسائل محاربة الإرهاب القاتل... المواطنون الذين يمنحون غطاء حيا للإرهاب ليسوا أبرياء"! فكم من البشاعة أن يدعي هؤلاء أنهم من البشر وهم يتصرفون ويتحدثون مثل مخلوقات لا مثيل لها على وجه الارض؟
كيف لا وهؤلاء يفهمون بأن الدم البريء للرضع ليس بريئا طالما أن الهدف هو الدم اليهودي وطالما أن البيت الابيض لا يرى في هكذا مجزرة الا انها "قاسية"! وعليه يصبح قتل الرضع والاطفال والنساء على مرأى ومسمع هؤلاء من القيادات العربية الجبانة، التي تنشغل في اعادة الوضع الفلسطيني الى مربعه الاول في فرض الوصاية والانتداب على شعبنا وفق مشروع اميركي لانقاذ هؤلاء من افتضاح جبنهم امام العالم اجمع وامام استجداء البيت الابيض تأجيل عدوانه على العراق، مجرد قضية ثانوية يجب القفز عنها.. بينما بعض الانسانية تستوجب أن ينظر هؤلاء الى أنفسهم في مرآة الهراء السياسي للتوقف عن دس الرأس في الرمل وهم يشهدون منظر القهر والفزع في عيون ذلك الطفل الغزي وهو يرى جسده الغض مضرجا بالدماء وأمه تنازع الموت بفعل قذائف الموت التي ترسلها واشنطن الى هذا الكيان لتحول الجسد الفلسطيني الى كومة من الاشلاء.
فالذين كان يثيرهم منظر هؤلاء المعربدين والمفسدين من المستعمرين المغتصبين للارض والحق الفلسطيني على اعتبار أنهم "مدنيين" أطلب منهم شخصيا أن يقرأوا ما قاله زعيم حزب موليدت بيني ايلون ليفهموا كيف يجب أن يكون التفكير "بمدنييهم": عملية الاغتيال مبررة.. اننا نعيش فترة حرب ونحن نتصرف وكأنها حرب إرهاب.." ومقابل اقوال بيني ايلون نجد بيننا من كان يعلق على عمليات المقاومة بشكل اتهامي باعتبار تلك العمليات غير مبررة ! بل كان يدعوا البعض الى ما يسمى مقاومة لاعنفية ضد كل هذا الاجرام الصهيوني..
يوم 22 يوليو أعلن الشيخ أحمد ياسين عن استعداد "حماس" لوقف العمليات الاستشهادية ان لبت دولة الاحتلال مجموعة من الشروط ومن بينها التوقف عن تلك الممارسات البشعة كالتي حدثت في مجزرة غزة بحجة اغتيال قيادي فلسطيني.. لم ننتظر كثيرا.. ساعات معدودة بعد تناقل وكالات الانباء لخبر الحوار الداخلي الفلسطيني حول مستقبل العمليات الاستشهادية.. والبعض يقول لنا ان شارون من خلال هذه المجزرة يثبت بأنه ضد السلام.. ويا سلام بما أن الرجل مفهوم لدى هؤلاء المتشبثين بالتفاوض معه فلماذا يصرون عليها؟ لا بد انهم سيقولون : المجتمع الدولي يضغط علينا.. ياسلام ، وأين هو هذا المجتمع الدولي الصامت عن هذا الاجرام؟ ولماذا نسترخص دماء شعبنا بحجة هذا المسمى مجتمع دولي.. بل أين هم هؤلاء الذين راهن عليهم سري نسيبة في المجتمع الصهيوني؟
وعلى مسؤليتي الكاملة انقل اليكم ما قاله ممثل هؤلاء "المسالمين" في مجتمع القتل وسفك الدماء، فهاكم ما قاله يوسي سريد صبيحة المجزرة: إن موعد تنفيذ عملية غزة بائس..." ياسلام على هؤلاء الذين يراهن عليهم الذين يخرجون من بيننا وكأن الله لم يخلق أدمغة الا في رؤوسهم.. ترى لماذا لم يقلدوا ولو مرة واحدة خبث سريد الذي لا يجد حرجا من القول [ان الجريمة مبررة لولا أنها تمت في الوقت الخطأ..
وبالعودة الى ما قاله بيني ايلون وهذا "المنطق" الذي يتمنطق به هؤلاء الصهاينة يصبح من المنطقي جدا ان يعتبر الفلسطينيون كل المجتمع الصهيوني أهدافا مشروعة طالما انه اختار وبأغلبية كبيرة سفاحا ومجرم حرب على شاكلة شارون ليحكمهم.. أو باعتبار أن مجازره اليومية تغطيها عوائل القتلة من الجنود والضباط والاحتياط.. وحتى في " منطق الارهاب" الذي تمارسه طائرات ودبابات الاحتلال يصبح كل هدف صهوني هدفا مشروعا في مواجهة ارهاب الدولة المنظم..
الغير مفهوم قبل المجزرة بات مفهوما بعدها.. فهذا هو ممثل المجتمع الدولي كوفي عنان لم يجد من الكلمات الكبيرة كالتي يستخدمها لوصف العمليات الاستشهادية وكل ما قاله "يجب على اسرائيل الاخلاقية أخذ الخطوات لمنع المس بالأبرياء"! فأية أخلاق يملكها ممثل المجتمع الدولي، أين مشاعر الاشمئزاز والفزع والهول أم انها لا تصلح لوصف دم رانيا الرضيعة التي ستبقى تؤرق أخلاق هذا العالم المزيفة تماما مثلما ستبقى دماء محمد الدرة وايمان حجو والمئات من أطفال فلسطين الذين لا مكان لهم فيما يبدو في ضمير كوفي عنان ولا هذا الراعي للارهاب المسمى رئيس اكبر دولة في العالم! ولا يستطيع كوفي عنان بعد المجزرة ان يخبرنا من الذي يحدد براءة الشعب المحتل، فهل هو الاحتلال أم القانون الدولي والانسانية التي يطالبنا الالتزام بها؟
شارون يتبجح امام حكومته بأن هذه المجزرة من انجح الاعمال فما هو قول هؤلاء الذين اجهدوا انفسهم وهم يرجونه قبول مبادرتهم في بيروت التي رمى بها بوش على مزبلة شارون؟
هؤلاء الذين لا يعرفون معاني الاخلاق والانسانية عليهم بعد هذه المجزرة أن يخرسوا تماما حين ينتقم الفلسطيني لدمه... وقد يعتر البعض بأن نصوص الانتقام مسألة لا تمت للتحضر بصلة.. فهل قالوا لنا كذلك حين كان دافيد ليفي يتقمص الهستيريا الهتلرية في الكنيست الصهيوني "دم مقابل دم.. روح مقابل روح........" وذلك قبيل مجزرة قانا!
نعم، نعرف بأن التاريخ الدموي والارهابي الاجرامي لكيان قائم على اغتصاب حق الاخرين لهو تاريخ متجدد مهما فعل المنهزمون والمتخاذلون والمستسلمون والمؤتمرون بأوامر الاسياد في البيت الابيض... لكن الذي بتنا نشك فيه إن كان العرب.. العرب.. قادرين على أن يبقوا كما في الايام الخوالي حين كان للكرامة معنى وللاخلاق معان.
اليوم الثلاثاء خرجنا مجموعة من الفلسطينيين لنعتصم امام مبنى بلدية المدينة التي نقيم بها حاملين صور ايمان حجو متسائلين: ماذا لو كانت هذه الطفلة اسرائيلية؟
دعوني أقول لكم صادقا من هؤلاء الدانماركيين الذين مروا بنا قال بعضهم: الان نفهم لماذا كان الفلسطيني يقوم بمثل تلك العمليات التي يسمونها "ارهابية"... وبعضهم الاخر قال: إن أكبر خطأ تاريخي إقترفه الغرب تمثل في دعم قيام "اسرائيل" في بلادكم فلسطين!
فإذا كانت قناعات هؤلاء الدانماركيين تراكمت حتى وصلت الى هذا الحد، فماذا يقول إخوة الدم والتراب والدين.. الذين انتظر بعضهم ليستمع الى تعليقات البيت الابيض قبل أن يعلق على المجزرة؟
وأين هؤلاء الذين انسحبوا من الساحات مخافة البلل من ماء ترشه شرطة مكافحة الشغب.. أو طلقة تصيب "المناضلين"؟ ناصر السهلي- كاتب فلسطيني مقيم في الدانمارك