مجتمع المعلومات والمعرفة هو مجتمع التنمية المتضامنة وحقوق الإنسان والتعددية

بقلم: الدكتور عبد الوهاب عبد الله

علنا نتفق جميعا أن هذا الحيّز الهام، والحضور الطاغي الذي يحتله دور البعد المعلوماتي والاتصالي في تحقيق رفاه الشعوب وتقدمها وتيسير الحوار بينها، يعود أساسا إلى الثورة الاتصالية غير المسبوقة والتي تتجاوز في حجمها ونوعيتها وآثارها ما سبق أن أنجزته البشرية من اختراعات وإبداعات وابتكارات طوال تاريخها. فالتوظيف المتزايد لتقنيات الإعلام والاتصال والمعلومات في مجمل الأنشطة أصبح سمة تميّز عالمنا اليوم، الأمر الذي انعكس على أشكال التفكير والتنظيم التقليدية.
إن هذا التشخيص المختصر يسمح لنا بالتأكيد على أن هذه الثورة الاتصالية غيرت في المشهد العالمي الراهن سياسيا وثقافيا واقتصاديا واجتماعيا، وطال التغيير علاقات الفاعلين فيه. بل لعلنا لا نغالي إن قلنا إن مستقبل البشرية سيتكيّف وفق شروط هذا التطور الاتصالي والتكنولوجي والمدى الذي سيبلغه، ولن يكون مستقبل البشرية على ذات الشكل الذي قد يكون عليه في ما لم توجد هذه الثورة الهائلة.
ولا شك أن هذا العامل الاتصالي له اليوم من الأهمية ما يبرر هذه المكانة التي يحتلها ويفسّر هذا الاهتمام الذي يلقاه.
لقد فتحت التكنولوجيات الحديثة آفاقا أوسع لم تكن معهودة من قبل من بينها سرعة انتشار الأفكار وإعلاء شأن المعلومة في كل فعل إنساني، إلا أن هذا الحضور الطاغي لا يمنعنا من التنبيه بداية إلى أن البعد الاتصالي ليس محايدا أو برينا، فهو بك شك عنصر تغيير وإحداث ديناميكيات فيها من السلبي والإيجابي الشيء الكثير.
ولعل من المظاهر السلبية لشبكات الاتصالية ما يتعلق بالمسألة الثقافية كقضية الهوية، أو ما يتعلق بتناغم التنمية الاقتصادية والموارد البشرية، وكذلك البينة وغيرها. وكل هذا يدعونا إلى عدم الاقتصار في تناول هذه المسألة على جانب واحد وإنّما تتأكد الحاجة إلى شمولية النظر والمقاربة والتحليل.
من هنا فإننا نرى أن بناء مجتمع المعلومات لا يقتصر فقط على إعداد البنية التكنولوجية وتوفير الحواسيب وغيرها من الأجهزة الحديثة والمتطوّرة، وإنما يعني أيضا، وربّما بداية، صياغة رؤى واستراتيجيات وقيم ومعايير تهم مختلف جوانب الحياة، الاقتصادية منها والسياسية والثقافية والتربوية، استراتيجيات ورؤى تهدف إلى تحقيق التنمية المتوازنة والعادلة والشاملة وذلك من خلال التوظيف الأمل والأسلم لثمرات الثورة الاتصالية التي تعمل على تسريع نسق التنمية وتعميما وتطويره، وتشكيل المجتمع وإعادة بنائه بصورة جديدة.

ومن هذه الزاوية فإن مجتمع المعلومات والمعرفة هو في النهاية خيار استراتيجي ينعكس على مستقبل الشعوب بقدر تأثيره على حاضرها. وككل الخيارات الاستراتيجية فهو حمّال لأسئلة تتعدّى ما هو تقني لتطال النموذج التنموي الذي يحقق تحديث المجتمعات وتطوّرها وازدهارها واستقرارها وتواصلها مع العالم. لكل هذا باتت الحاجة أكيدة لتحديد مفهوم ما مشترك لمجتمع المعلومات أو مجتمع المعرفة من حيث خصائصه ومكوناته وخياراته.
ولا شك، ان ندوتكم ستساهم في التفكير في مختلف هذه الإشكالات، ومن بينها ما تثيره مسألة التسمية التي تتصل بالموضوع الذي تتدارسونه على مستوى المصطلح وعلى مستوى تعدّده وشموليته، وستجلي مفهوم مجتمع المعرفة أو مجتمع المعلومات أو مجتمع الإعلام والاتصال من البس المصطلحي والمفاهيمي الذي يحيط به أحيانا، وتضعه في سياق استعمالاته السليمة، وتوضّح الأفكار التي يحيل عليها وتتساءل حول طبيعته وموقعه وتتوقف عند الرهانات التي يطرحها هذا المفهوم.
فعمّ نتحدث عندما نتحدث عن مجتمع المعلومات، وفيم يختلف عن مجتمع الإعلام والاتصال أو مجتمع المعرفة؟ وهل من فوارق بين اقتصاد المعرفة والاقتصاد اللامادي واقتصاد الذكاء في إطار هذا المجتمع الجديد؟
ولعل هذا اللبس يعود إلى توظيف العديد من الفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديين والسياسيين لهذا المفهوم الذي أصبح موضوع نقاش وجدل على الصعيد العالمي.
وقد اختلفت مقاربات هؤلاء الفاعلين فالبعض يدافع من خلاله عن مصالح اقتصادية والبعض الآخر يطرح مبادئ وقيما...
أقتصر على طرح بعض الأسئلة التي تشغل بال المشتغلين في هذا الحقل أو الذين على علاقة بتأثيراته وتطبيقاته، أسئلة آمل أن تساهم في إثراء النقاش ومزيد الإنارة.
فهل عندما نتحدث عن مجتمع المعلومات نحيل على البعد التقني، بل ربما التقنوي Techniste أم أننا نتحدث عن مفهوم يطرح رهانات اقتصادية واجتماعية وثقافية، أي أننا نتحدث عن مجتمع نتطلع أو نطمح للعيش فيه ونحيل على القيم التي نودّ أن يقوم عليها هذا المجتمع، أي أن يكون مجتمعا منفتحا على حرية التعبير وعلى حقوق الإنسان عامة وعلى التعددية الثقافية واللغوية، ومتمتعا بمزيد من الديناميكية الاقتصادية تقود إلى رفاه أكبر؟
وهل هناك نمط واحد لمجتمع المعلومات والمعرفة أم أن الأمر يتعلق بأنماط متعدّدة، بتعدّد التجارب التنموية التى تعيشها بلدان العالم، وخاصّة منها البلدان الصاعدة، وبلدنا تونس إحداها؟
وأيّة ثقافة جديدة تحملها صناعة المحتوى الرقمي؟ وأية استعمالات فعلية يقوم بها الجمهور للتجهيزات التكنولوجية الحديثة؟
وقبل هذا وذاك، كيف لنا أن نسخّر البحث العلمي لنبني مجتمعا للمعرفة دون هزّات واختلالات اجتماعية وثقافية، أكان ذلك على مستوى تعميق الفوارق الاجتماعية والجهوية، أو على مستوى تحلل الروابط - خاصة روابط الشباب - بهويتنا الوطنية والحضارية وبمرجعياتنا الثقافية والروحية التي تمتدّ عميقا في التراث الإنساني؟
وهذا يقودنا إلى التساؤل عن ماهية العلاقات الاجتماعية الجديدة التي تفرزها التكنولوجيات الحديثة، وأساليب التواصل الجديدة التي قد تغذيها.
وأمام هذا التفاوت الدولي الكبير في صناعة المحتوى وفي ترويج ثقافات الدول المتحكمة في التكنولوجيا، يطرح سؤال الفجوة الرقمية التي تفصل بين دول الشمال ودول الجنوب، وماذا نعني تحديدا بالفجوة الرقمية، فهل أن هذا المفهوم يحيلنا إلى تفاوت في استنبات التكنولوجيات الحديثة وتوظيفاتها، أم أن الفجوة الرقمية تحيلنا في الحقيقة إلى فجوة تنموية بما تعنيه من قلّة الموارد والإمكانيات وصعوبات تطوير المجتمعات، فجوة لا أحد يشكّ في أن الدول الكبرى تتحمل بعض مسؤولياتها؟
لا يمكن أن ننهي أسئلتنا دون التساؤل عن أثر التفاوت الدولي الكبير في صناعة الثقافة الرقمية وفي ترويجها، على ثقافات الدول النامية والصاعدة؟ ومن أي موقع نتعامل مع ثقافة الدول المتحكمة في التكنولوجيا، إذ أن الخطاب التكنوقراطي لا يجب أن يخفي الانعكاسات الثقافية والاجتماعية الهامة والخطيرة التي تفرزها هذه التكنولوجيات، وأن البحث العلمي لا يجب أن ينحصر في الأبعاد الاقتصادية أو التكنولوجية يجب أن يشمل القضايا الاجتماعية والثقافية ومن هنا تتجلى أهمية البحث في مجال العلوم الإنسانية عموما وفي علوم الإعلام والاتصال بصفة خاصة.
إننا في تونس ونحن نطرح هذه الأسئلة وغيرها من أسئلة الوجود في عالم متغيّر ويسعى باحثونا ومثقفونا ومفكرونا وسياسيونا لتوفير الإجابة عنها، لا ننطلق من فراغ، ولا نسقط أسئلة مصطنعة على واقعنا، ولا نستعير أسئلة الآخرين، وإنما هي نقاط استفهام كبيرة حتّمها واقعنا المتقدّم باستمرار وهي أسئلة الشعوب المبدعة والخلاقة الحريصة على الانخراط في قضايا العصر وعلى امتلاك مفرداته المعرفية والتقية إلى جانب قيمه الكونية.
إنّها أسئلة حقيقية، فمجتمع المعلومات واقع قائم في تونس اليوم تعددت شواهده وترسّخت قاعدته، مثلما تعددت الشهادات والاعترافات الدولية بشأنه.
لقد راهنت تونس على الانخراط في مجتمع المعلومات والمعرفة وعلى امتلاك العلوم والتكنولوجيات الحديثة للنهوض باقتصادها وتوفير فرص تشغيل أكبر لشبابها وضمان الرّفاه لشعبها.
ولا شك أن ما أثار اعتزاز التونسيين جميعا، ما جاء في التقرير السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس الصادر أخيرا، والذي صنّف تونس في المرتبة 31 عالميا من أصل 104 بلدان تعتبر أكثر الدول المتقدمة في هذا المجال محققة بذلك تقدّما بتسعة مراكز مقارنة بتقرير سابق.
وتتقدم تونس في هذا التقرير على عدد من البلدان الأوروبية والآسيوية والأمريكية منها إيطاليا وروسيا والمجر والهند والبرازيل والمكسيك.
ولاشك ان منتدى دافوس يستند في ترتيبه هذا إلى مقاييس ثلاثة تتسم بالموضوعية التامة وهي : المناخ الذي تمّ إرساؤه من أجل النهوض بالتكنولوجيات الحديثة للمعلومات والاتصال في ما يتّصل بالإطار التشريعي والبنى التحتية وبرامج الاستثمار. ويتمثل المقياس الثاني بمدى استعداد الأطراف الاقتصادية من سلطة عمومية وباعثين خواص وأسر، للتحكم في التكنولوجيات الحديثة. أما ثالث هذه المقاييس فيتمثل في درجة استعمال التكنولوجيات.
ويقيم هذا الاعتراف الدولي، من جهة، الدليل على حجم الخطوات العملاقة التي قطعتها تونس على طريق التحكم في تكنولوجيات المعلومات والاتصال، ويبرهن، من جهة أخرى، على فاعلية الاستراتيجية الطموحة التى اعتمدتها تونس بهدف تكريس اقتصاد المعرفة تحقيقا للتنمية الشاملة.
لقد شكل المسعى إلى الانخراط في الثورة التكنولوجية والاتصالية العالمية ركنا متينا ومكوّنا أصيلا ضمن مقاربة التنمية البشرية التي انتهجتها تونس وتثابر على انتهاجها بما تعنيه من مراهنة على الإنسان، وعلى الارتقاء بمكاسبه العلمية والمعرفية ومهاراته العملية والمهنية. وقد جعل سيادة الرئيس زين العابدين بن علي من هذا القطاع، قطاعا داعما للاقتصاد وجالبا للاستثمار ومكرّسا لحق الجميع في الاتصال.
ويعكس هذا الخيار التونسي إدراكا عميقا بأن تونس ذات الموارد الطبيعية المحدودة لا تمتلك إلا إنسانها أداة لخوض غمار تحديات التنمية وكسب رهانات العولمة ومواجهة رياحها العاتية. فضلا عن أن خيار تونس الإرادي في ترسيخ مجتمع المعرفة والمعلومات هو خيار في مداخله ومقاصده وأهدافه يتنزّل في صميم المشروع الإصلاحي التحديثي الذي اختارته تونس لتحقيق نقلة نوعية مجتمعية ومعرفية وتنموية.
ومن هذا المنطلق، وكما يؤكد على ذلك الرئيس بن علي، فإن بناء مجتمع المعلومات والاتصال يشكل خيارا استراتيجيا وطنيا جوهريا تم العمل على تكريسه واقعا في إطار مقاربة جامعة من خلال الإصلاحات المتواصلة ودعم البنية الأساسية لتكنولوجيات الاتصال والمعلوماتية باعتبارها من أبرز ركائز اقتصاد المعرفة وعاملا أساسيا لدفع نسق النمو.
بل إن هذه المقاربة جعلت من تكريس مجتمع المعلومات مكوّنا رئيسا لعملية الإصلاح السياسي ورافدا لمسار ترسيخ حقوق الإنسان في شمولية أبعادها.
وفي هذا السياق عملت تونس على "دمقرطة" النفاذ إلى العلوم والمعارف وإلى تكنولوجيات الاتصال وتطبيقاتها وفي مقدمتها الإنترنت، وعلى تعميم استخدامها بهدف إتاحة فرص الاستفادة منها لكل شرائح المجتمع وكل الفئات العمرية.
ولا يخفى مدى انسجام المقاربة التونسية في هذا المجال مع "إعلان المبادئ" الصادر عن قمة جنيف، إذ أن سياسة تونس الوطنية في تكريس الحق في الاتصال والحق في النفاذ إلى أدوات مجتمع المعلومات تستند إلى مبادئ وآليات تكرس شمولية عملية النهوض بالفرد في كل احتياجاته السياسية والاقتصادية ولاجتماعية والثقافية.
وإذ لا يتّسع المجال هنا لتعداد عناصر السياسة التونسية في بناء مجتمع المعلومات، وقد أصبح جزء كبير منها معلوما في الداخل والخارج، فانه تكفي الإشارة إلى الجهد المبذول فى تنمية قدرات تونس البشرية، وتعميم تدريس الإعلامية في مختلف المستويات التعليمية، وإحداث معاهد عليا للدراسات التكنولوجية وإقامة أقطاب تكنولوجية وفضاءات للمشاريع المجدّدة في كل الجهات، إلى جانب تكوين المختصين في الاتصالات والمعلوماتية وتشجيعهم على تنمية مهاراتهم واستيعاب ما يستجدّ من تكنولوجيات حديثة والسعي إلى توظيفها تحقيقا لأهدافنا التنموية.
كما حرصت تونس على تعميم الثقافة الرقمية ونشرها على أوسع نطاق من خلال ربط المؤسسات التربوية من المرحلة الابتدائية إلى الجامعة بشبكة الإنترنت. وقد تم إحداث العديد من المؤسسات الجامعية المتخصصة في المعلوماتية والملتميديا وعلوم الإعلام والاتصال الحديث. وارتفع عدد الطلبة الدارسين في هذه المؤسسات إلى قرابـة 20% من مجموع الطلبة في تونس، وأصبح تدريس الإعلامية يشمل مختلف الاختصاصات الجامعية، كما تقوم الجامعة الافتراضية بوضع خطة طموحة لإرساء نظام ناجع للتعليم الجامعي عن بعد.
ويحظى الشباب الطالبي بتكوين تكميلي في مجال تكنولوجيات الإعلام والاتصال في مرحلة ما بعد الأستاذية لتمكينه من فرص أوسع للتشغيل.هذا إلى جانب بعث مراكز الإعلامية الموجهة للطفل وتعميم نوادي الإعلامية والإنترنت في الفضاءات الثقافية، وإقامة شبكة من مراكز الإنترنت المفتوحة للعموم وكذلك تمكين الأسر التونسية من تسهيلات وحوافز لاقتناء حواسيب عائلية. وقد تطوّر عدد مستخدمي الانترنات في تونس إلى ما يقارب 800 ألف مستعمل، وهو عدد في ازدياد بعد قرار الرئيس بن علي التخفيض في معاليم الاشتراك وفي كلفة الإبحار عبر الإنترنت لفائدة العائلات.
وبالتوازي مع كل هذا أرست تونس منظومة قانونية وتشريعية تضمن مواكبة التحولات التي يشهدها القطاع على المستويين الوطني والدولي، فضلا عن التدعيم المستمر للقطاعات الاقتصادية الجديدة مثل التجارة الإلكترونية.
كما يبرز تصميم تونس على إشاعة الثقافة الرقمية وتجذيرها في كل جوانب حياة المواطن التونسي من خلال جملة من الإصلاحات والتدابير العملية التي ترمي إلى ضمان مواكبة التطورات المتسارعة في مجال التكنولوجيات الحديثة للإعلام والاتصال والاندماج في النظام الاقتصادي الجديد وذلك عبر إرساء محيط ملائم وأرضية ناجعة تكفل التحكم في المعلومة وفي وسائط الاتصال وأدواته بالاستناد إلى بنى تحتية للاتصالات في تطور مستمر توفر سلسلة متنوعة من الخدمات، ولعل أحدث مثال في هذا الجانب هو ما يتصل بالمنظومة التي أصبح المواطن منذ أيام قليلة يستخدمها لإسداء حاجياته في البلديات...
وبما أن تونس ترفض الاكتفاء بما كان والنّوم على وسادة المنجز، ويسكن قيادتها وشعبها هاجس الإرتقاء، فإنها تواصل عملها الدّؤوب باتجاه احتلال مراتب أعلى وأرفع وتحقيق خطوات نوعية جديدة تواكب النسق المتسارع لتطور هذه التكنولوجيات التي تضطلع بدور محوري في تفعيل أداء مجمل قطاعات التنمية المادية والبشرية وفي تهيئة الأرضية المناسبة لبناء مجتمع المعرفة والمعلومات.
وقد تجلّت هذه الإرادة في برنامج الرئيس زين العابدين بن علي "لتونس الغد" حيث أفرد هذا القطاع الحيوي في اقتصاد المعرفة بثلث المحاور وبـ 58 إجراء لها علاقة مباشرة به وذلك لمزيد تدعيم البنية الاتصالية وإتاحة فرصة رقمية لجميع التونسيين سواء كان ذلك عبر اقتناء الحواسيب أو النفاذ إلى شبكة الإنترنت إلى جانب كونها إجراءات تهدف إثراء المحتوى المعلوماتي المتاح في تونس سواء على مستوى الانفتاح على الشبكة العالمية أو من خلال إثراء إسهامات الكفاءات الوطنية وتعزيزها في مجال التطبيقات الإعلامية المتعددة متعدده الاهتمامات والاختصاصات، وهي إسهامات تجاوز إشعاعها الحدود الوطنية بعد اقتحام تونس مرحلة تصدير الذكاء.
من الأرقام الواردة في البرنامج والتي هي محمل لدلالات على عمق المنجز القادم في مجال تركيز اقتصاد المعرفة، المرور من 6% إلى 18% من نسبة الاقتصاد اللامادي ضمن الناتج الإجمالي الخام في ظرف خمس سنوات. كما ينتظر ارتفاع العدد الجملي للحواسيب من 500 ألف سنة 2004 إلى مليون حاسوب سنة 2009، وأيضا ارتفاع عدد مستعملي الإنترنت مما يقارب 800 ألف سنة 2004 إلى ثلاثة ملايين بعد خمس سنوات.
إن ما جاء في برنامج "لتونس الغد" يؤكد مرة أخرى عزم القيادة السياسية في تونس على إثراء المكاسب الوطنية على درب الانخراط من موقع الفعل والإضافة في الثورة المعلوماتية وإحكام توظيف أدواتها في خدمة أهداف التنمية الشاملة وبناء مجتمع جديد، واقتصاد جديد، وثقافة جديدة تتبنّى الرقمنة والتكنولوجيات الحديثة.
ولعلّ أبلغ وتعريف لهذه الثورة العلمية والمعرفية، بل الحضارية، التي تشهدها تونس تأمينا لستقبلها، ما جاء على لسان الرئيس زين العابدين بن علي من أن "سعينا هذا ينطلق على أساس الوعي والإدراك بأن مجتمع المعلومات والمعرفة هو مجتمع المستقبل".
إن رؤية كهذه، ومنجزا كالذي استعرضنا بعضا من جوانبه وخطة مستقبلية كالتي وردت فى البرنامج الانتخابي لتونس الغد، إلى جانب احتلال تونس اليوم لمرتبة ريادية مقارنة بالبلدان النامية المماثلة على صعيد التحكّم في تكنولوجيات الاتصال وامتلاك بنى أساسية متطورة وكفاءات بشرية مقتدرة، ونظرة تضامنية تنهل من القيم الكونية المشتركة على مستوى العلاقات الدولية، كل هذه العوامل مجتمعة هي التي أهّلت تونس لاحتضان المرحلة الثانية من القمة العالمية حول مجتمع المعلومات في شهر نوفمبر القادم، كما أنها عوامل تؤكد صواب هذا الاختيار.
وقد انطلقت تونس في دعوتها لانعقاد هذه القمة منذ سنة 1998 من أبعاد قيميّة وإنسانية قبل أن تكون مادية تقنية. ففي تشخيصه لواقع البشرية اليوم في ظلّ سطوة التكنولوجيات الحديثة، أدرك الرئيس زين العابدين بن علي أن الهوة الرقمية التي تقوم حاجزا بين البلدان هي بالأساس هوّة تنموية إلى جانب كونها تكنولوجية، وأن التفاوت بدأ يتخذ أشكالا جديدة لم تعرفها البشرية من قبل، وبالتالي فإن معالجة القضايا المتولدة عنها تستدعى اعتماد منهجية تقوم على المبادئ الإنسانية.
فمجتمع المعلومات، كما يراه الرئيس بن علي، هو مجتمع تتساوى فيه فرص الانتفاع بمزايا هذه التكنولوجيا، مجتمع يتيح لكل الشعوب والأطراف، دون تمييز أو إقصاء إمكانية النفاذ إلى مصادر المعرفة والمعلومات والخدمات التي تتيحها والتي أصبحت اليوم تطال كل المجالات وتعتبر مقوّما أساسيا لتحقيق التنمية البشرية العادلة.
وإن تونس التي تفتخر بأنها صاحبة المبادرة، وتعتز باستضافة المرحلة الثانية من القمة ستوفر لها كل مستلزمات النجاح حتى تجعل من مرحلة تونس عنوانا بارزا للتنمية المتضامنة، وللتأزر والتكافل الإنساني بما يجعل من هذه التكنولوجيات أداة للنهوض بأوضاع الدول الأقل نموا وحظا في مجال البنى المعرفية الجديدة، وبما يوفّر لها أسباب تحقيق تطلعات شعوبها في الرفاه والتنمية وبما يحقق التوصل إلى رؤية عالمية مشتركة للوصول عمليا إلى مجتمع المعلومات في العالم بأسره.
إن احتضان تونس لهذه القمة شرف سيخلده التاريخ، مثلما خلّد مواقف ومبادرات تونسية أخرى، شرف السبق في الدعوة إلى مقاربة إنسانية والمساهمة الفاعلة في بلوغ أهدافها، كما أنه شرف ينال كل العرب وكل الدول النامية، شرف يتوج بوضوح ما بذل من جهود من أجل تجذير مكانة تونس في فضاء الحداثة الاتصالية والتكنولوجية والمعلوماتية ممّا يستدعي توظيف كافة الإمكانات ومختلف القوى لكسب هذا الرهان دعما لإشعاع تونس الساعية إلى رسم معالم مجتمع عالمي يوظف البعد الرقمي فيه لتحقيق غايات أنبل وأشمل، وتعتبر قمة تونس، القمة المفصل لإرساء دعائمه ممّا يجعل من مجتمع المعلومات مجتمعا إنساني الأبعاد، مجتمعا تتكامل فيه الجهود وتتضامن من أجل إرساء تعاون دولي جديد وشراكة متكافئة تدعمان مقومات السلم والرفاه للجميع.
إن مجتمع المعلومات والمعرفة هو مجتمع يؤكد على مفهوم التضامن الإيجابي ويقف على أرضية كونية حقوق الإنسان ويهدف إلى تحقيق التنمية المستديمة، ويسعى إلى تجذير مفاهيم التعددية والإدماج والمشاركة والتضامن، مجتمع يلبي حاجيات الناس وطموحاتهم، يكفل مزيد الانفتاح على المعرفة والثقافة، ويوسّع فضاءات الحوار وقاعدة المشاركة.

الدكتور عبد الوهاب عبد الله الوزير المستشار لدى رئيس الجمهورية التونسية والمقال مقتطفات من كلمة القيت في إفتتاح الملتقى الدولي لمعهد الصحافة وعلوم الإخبار حول "التفكير في مجتمع المعلومات".