مثنى الضاري: لا مستقبل للعراق في ظل الاحتلال

بغداد - من اياد الدليمي
الضاري: المشكلة في الاحتلال

دافع قيادي بارز في هيئة علماء المسلمين في العراق عن حق المقاومة العراقية في اختطاف الأجانب المتعاونين مع قوات الاحتلال، معتبرا أن أولئك المتعاونون هم في العرف العسكري محاربون يستحقون معاملتهم كما يعامل أي محارب.
وقال الدكتور مثنى حارث الضاري، الناطق الإعلامي باسم هيئة علماء المسلمين، ونجل الدكتور حارث الضاري، الأمين العام للهيئة، إن "العراق بلد محتل، وبالتالي يجب مقاومة هذا الاحتلال بكل الوسائل الممكنة".
وأضاف أن "استهداف قوات الاحتلال والجهات المتعاونة معها، نعتقد بأنه هدف مشروع، تسوغه الشريعة (الإسلامية)، ويسوغه العقل والمنطق".
لكن الدكتور الضاري نفى بشدة أي علاقة بين هيئة العلماء والخاطفين، مثلما نفى أن تلعب الهيئة دور الوساطة في إطلاق سراح بعض المختطفين، مشددا على أن عمليات اختطاف معينة، مثل تلك التي حصلت للرهينتين الإيطاليتين لا تقف وراءها جهات مقاومة، ملمحا لاتهام الحكومة وقوات الاحتلال وجهات خارجية بالوقوف وراء ذلك، بهدف تشويه سمعة المقاومة العراقية.
وأشاد الدكتور الضاري في حوار مفصل مع وكالة "قدس برس" بالمقاومة العراقية، معتبرا أن سجلت إنجازات كثيرة، متهما الجهات، التي تنتقد غياب المشروع السياسي لدى المقاومة، معتبرا أن ذلك أمر طبيعي، بالنظر لحداثة عمر المقاومة، مشيرا إلى أن كل المقاومات لم تتمكن من إفراز أجنحة سياسية إلا بعد مرور وقت طويل، قد يصل إلى عشرات السنين، كما قال.
واعتبر الدكتور الضاري أن لا مستقبل للعراق، ما دام الاحتلال مسيطرا عليه، مشددا على رفض هيئة العلماء الاشتراك في أي انتخابات تتم تحت سلطة الاحتلال ولمصلحته، مشددا في المقابل، على أنه يمكن تنظيم انتخابات تحت إشراف عربي وأممي كامل، بعد انسحاب قوات الاحتلال من المدن العراقية، مؤكدا على ضرورة أن تكون تلك الانتخابات نزيهة، وأن تفرز برلمانا وحكومة معبرين عن مصالح العراقيين، لا مصالح قوات الاحتلال.
وفي ما يلي نص الحوار:

أين وصلت مفاوضات إطلاق سراح الصحفيين الفرنسيين؟ - بخصوص موضوع الرهائن الفرنسيين، ذكرنا سابقا وأكدنا بأن الهيئة لا تتفاوض مع الخاطفين، وأن جل جهود الهيئة منصبة على المناشدة، وخاصة في موضوع الفرنسيين، لما له من أهمية، ولتداخل عدة جهات.. الهيئة ناشدت ووجهت رسالة إلى الخاطفين بغية إطلاق سراحهم، ولا نعلم شيئا غير ذلك، لأنني أؤكد مرة أخرى على أن دور الهيئة هو المناشدة فقط، باعتبارها مرجعية شرعية، نعتقد أنها تسمع من بعض الجهات، ولكن مجيء الوفود إلى الهيئة باعتبارها الجهة الوحيدة، التي يمكن أن يلجأ إليها أعطى انطباعا بأن الهيئة بيدها مفاتيح الحل، وأن الهيئة تتفاوض حول هذا الموضوع، ولكن أقولها بصراحة بأن دور الهيئة مقتصر على المناشدة فقط. قيل الكثير عن قرب إطلاق سراح الصحفيين الفرنسيين.. ولكن شيئا من هذا لم يحصل، ما السبب؟ - هناك أسباب عديدة. السبب الأول هو أن بعض وسائل الإعلام قد لعبت لعبة غير أمينة، وخرجت عن العرف الإعلامي السائد، بتسريب أخبار لا صحة لها أبدا، لأهداف سياسية. وللأسف وقعت بعض القنوات الفضائية في هذا الخطأ، فنسبت أقوالا كثيرة لا مصداقية لها، وأبرز دليل على ذلك أن إحدى القنوات الفضائية أرسلت مراسلتها إلى الهيئة الجمعة الماضي، وقامت بنقل حي ومباشر على الهواء، وادعت بأنه سيتم الإفراج اليوم عن الفرنسيين، علما بأنها كانت الصحفية الوحيدة الموجودة، ولم يكن هناك أي أخبار بشأن الموضوع، بل لم يكن هناك أي أحد من أعضاء الهيئة.
هذا من الأسباب، التي أظن أنها أثرت على الموضوع، أضف على ذلك بأن الحملة العسكرية للقوات الأمريكية، مدعومة بقوات عراقية، على بعض المناطق كاللطيفية والفلوجة وسامراء وتلعفر قد أثرت تأثيرا كبيرا على هذا الموضوع، لأنه يبدو أن القوات الأمريكية تسعى لإفشال مهمة تسليم هؤلاء المختطفين إلى السفارة الفرنسية، من أجل أن تمنع تسليمهم، وبالتالي تحقق نصرا بأن لا تعطي فرصة لفرنسا للاستفادة من ورقة ضغط على أمريكا. وما حقيقة الأنباء التي تحدثت عن اختطاف الإيطاليتين
على يد جهات خارجية، ليست من المقاومة العراقية؟
هذا الكلام صدر عن الشيخ عبد السلام الكبيسي، عضو هيئة علماء المسلمين، في مؤتمر صحفي عقدته الهيئة يوم الاثنين قبل الماضي.. حقيقة كان المؤتمر منصبا على قضية تلعفر وقضية الفلوجة، وكانت قضية الرهائن على الهامش، لكن للأسف الإعلام ركز على هذه القضية، وتناسى القضايا الإنسانية الأهم.
الشيخ الكبيسي كان يقول بأنه يظن أن هناك جهات خارجية، وأنا أضيف وداخلية، متهمة بموضوع المختطفتين الإيطاليتين، لأن هناك معطيات يعرفها الشيخ الكبيسي، واطلع الهيئة عليها، وهي أن الرهينتين زارتا الشيخ عبد السلام في مقر الهيئة قبل الاختطاف بيوم، وشكتا له بأنهما تعرضتا لمضايقة، وأنهما خائفتين من تدخل القوات الأمريكية وقوات الحكومة العراقية في عملهما، وأنهما تتوقعان اعتقالا أو اختطافا لهما من قبل هذه الجهات، أو جهات أخرى خارجية، وأرادتا الذهاب إلى الفلوجة للعمل هناك، لكي تكونا في مأمن من هذه الضغوط.
الشيخ الكبيسي أبلغهما بأن هذا الأمر غير ممكن وصعب جدا، وقال لهما "نريد أن نطمئن على نشاطكم خلال السنوات الماضية"، فاتفق معهما على أن يأتيا ببرنامج العمل الكامل يوم الأربعاء، وخطفتا يوم الثلاثاء.. وبعد الاختطاف أحضر السائق للشيخ عبد السلام المنهاج الكامل لعملهما، وقال للشيخ الكبيسي، إن الذين اختطفوا الإيطاليتين جاؤوا إلى المبنى، ودخلوا بصورة طبيعية، ومعهم عدة سيارات حديثة، ويرتدون زيا مدنيا، يدل على أنهم صحافة، ويرتدون أيضا واقيات من الرصاص، ولم تظهر عليهم بأنهم من المتدينين أو الملتزمين إسلاميا، وكان زعيمهم يطلق عليه الأستاذ من قبل مرافقيه، وبالتالي فإنهم دخلوا بصورة طبيعية كدخول أي جهة لمؤسسة أخرى، ولم يثيروا ريبة أحد، ثم حصل الاختطاف..
هذه كلها علامات وقرائن، من خلال أساليب الخطف السابقة، يتبين بأن هناك فارقا كبيرا بين هذه العملية وبين تلك العمليات. ثم أيضا جو الاطمئنان الذي ساد العملية، إذ دخلوا بكل سهولة، ولم يكونوا يشعروا بأن هناك مضايقة، وخرجوا بصورة هادئة جدا.. هذا كله يدل على أن الجهة الخاطفة لم تكن خائفة من تعقب قوات الاحتلال أو القوات العراقية. هل تتهمون جهة معينة بالوقوف وراء خطف الإيطاليتين إذن؟ - نحن لا نقول ذلك، وإنما نقول إن العراق صار مفتوحا للعديد من أجهزة المخابرات العالمية، ومنها أجهزة مخابرات لدولة إقليمية معروفة بعدائها للشعب العراقي، وسعيها لإبقاء الأزمة كما هي، إضافة إلى أجهزة وقوات الاحتلال، والأجهزة الداخلية المتعاونة معها، ولكن لا يوجد دليل على أحد، وإنما نقول ما نقول بناء على القرائن والمعطيات، التي جعلتنا نتوصل إلى هذه النتائج. وماذا عن موقفكم من عمليات الاختطاف؟.. هل تعتبرون عمليات الاختطاف التي يتعرض لها الأجانب في العراق جزء من المقاومة المشروعة؟ الهيئة تقول بأن المقاومة حق مشروع.. العراق بلد محتل، وبالتالي يجب مقاومة هذا الاحتلال بكل الوسائل الممكنة، وهذه الوسائل الممكنة لها ضوابط، منها شرعية، ومنها ضوابط أخرى.. نحن ننطلق من منطلقاتنا الشرعية، فالحرب في الإسلام لها ضوابط، واستهداف قوات الاحتلال والجهات المتعاونة معها نعتقد بأنه هدف مشروع، تسوغه الشريعة، ويسوغه العقل والمنطق.
بل إن من أساسيات حرب الأنصار، أو حرب العصابات، هي استهداف المتعاونين مع قوات الاحتلال، قبل استهداف قوات الاحتلال ذاتها. لكننا هنا نتكلم عن قضية الاختطاف، ونقول إن العمليات الموجهة لقوات الاحتلال، أو الجهات التي تتعاون مع قوات الاحتلال، من الناحية الشرعية، هو هدف مشروع، لكن قضية الاختطاف الآن تطورت.. بعض الجهات الداخلية والخارجية رأت بأن الوسيلة الأفضل والأنجع لإعطاء انطباع سيء عن المقاومة هو التدخل في هذا الموضوع، فنعتقد بأنه دخلت جهات خارجية وداخلية في هذا الموضوع، وانتقل الموضوع من موضوع اختطاف محتلين، وهو أحد أساليب المقاومة، وهو أسلوب معروف من قبل الكثير من حركات المقاومة.
دخلت مجموعات أخرى، وبدأت تقوم بالاختطاف لأسباب مختلفة، فمنها من يختطف لقضايا ابتزاز المال فقط، ومنها من يختطف لقضايا سياسية.. هناك خطف سياسي لا أحد يتكلم عنه أبدا في داخل العراق. هناك أدلة قوية على أن قوات الاحتلال سهلت على بعض المجموعات، أو أنها أسهمت في حصول بعض عمليات الاختطاف غير المبررة شرعا، وبالتالي إعطاء صورة غير صحيحة للمقاومة.
أما قضية القتل بعد الاختطاف كما حصل للنيباليين، فالهيئة بينت موقفها صراحة. هناك بعض التصريحات من بعض أعضاء الهيئة غير المصرح لهم بالتصريح، لأن التصريحات الرسمية للهيئة تكون من الأمين العام أو الناطق الرسمي للهيئة الدكتور محمد بشار الفيضي حصرا، بعض الشخصيات في الهيئة استضيفت وتكلمت عن هذا الموضوع من وجهة نظر شخصية، وللأسف الإعلام أبرزها على أنها رأي الهيئة، بينما رأي الهيئة يكون من خلال بيان رسمي، أو تصريح رسمي.
وفيما يخص قضية النيباليين ذكرنا أن استهداف النيباليين هدف مشروع، لأن النيباليين الآن، على عكس ما يشاع عنهم، هم حرس خاص للأمريكان، استجلبوا من الخليج، وأعطوا رواتب ضخمة، مقارنة برواتبهم في دول الخليج، وبدأوا يعملون حراسا شخصيين للمؤسسات والأمريكان، تعويضا للنقص الحاصل في صفوف قوات الاحتلال، أو ناقلين للإمدادات لقوات الاحتلال الأمريكي، وبالتالي فإن استهدافهم مشروع، ولكن اختلافنا مع الخاطفين هو قضية قتلهم، لأنهم عند اختطافهم صاروا أسرى، وبالتالي تنطبق عليهم أحكام الأسير، ولا يجوز قتل الأسير. هل لدى الهيئة وسطاء يلتقون بالخاطفين مباشرة؟ لا أبدا، نحن لا نقوم بدور الوساطة أبدا، لأن دور الوساطة والتفاوض، رغم أنه قد يأتي بنتائج إيجابية للجهتين الخاطفة والمخطوفة، لكنه في الغالب يأتي بنتائج سلبية على الجهة المتوسطة، لأنها حينذاك ستكون موضعا للاتهام والشك، وموضعا لأشياء كثيرة أخرى..
الهيئة تعرف هذا الشيء، وهي إضافة إلى هذا، حريصة على سمعتها، باعتبارها مرجعية شرعية لقطاع كبير من الشعب العراقي. وهي ليست لديها اتصالات حقيقية مع هذه المجاميع، لأن هؤلاء مجموعات سرية، وفي الظروف الحالية فإن العمل السياسي العلني والعمل الإعلامي العلني يحتاج إلى قدر من السرية، فما بالك بالعمل العسكري.
ولعل من أسباب تأخر إطلاق سراح الفرنسيين هي قضايا أمنية أولا وأخيرا، لأنني أحس بأن المختطفين الآن في حرج كبير جدا، لأنهم يريدون إطلاق سراح هؤلاء، ولكنهم يتخوفون من انكشاف الأمر أمنيا، من قبل قوات الاحتلال، قبل تسليمهم، فيقعون في حرج أكبر من هذا الحرج، لذلك ترى بعض بياناتهم تعطي إشارات إيجابية، وبعض البيانات تعطي إشارات سلبية، دليلا على أن هناك اضطرابا. كيف تنظرون في هيئة علماء المسلمين إلى الحكومة العراقية المعينة برئاسة أياد علاوي؟ رأينا في الحكومة أعلناه منذ زمن.. منذ تأسيس الحكومة، الهيئة صرحت بأن هذه الحكومة غير شرعية، لأنها خالفت ما تم الاتفاق عليه مع الأمم المتحدة، من خلال الأخضر الإبراهيمي في القرار 1546، الذي كان ينص على تشكيل جمعية وطنية تختار هي الحكومة العراقية المؤقتة، لحين إجراء الانتخابات.
نحن، مع اعتراضنا، وافقنا على هذه العملية، واشترطنا في ذلك الوقت أن تنسحب قوات الاحتلال من المدن العراقية، وأن تحل محلها قوات دولية، بما فيها قوات عربية، من أجل أن تجري هذه العملية كلها تحت مظلة الأمم المتحدة، وليس تحت مظلة الاحتلال، لأننا لا نعترف بأي عملية تتم تحت مظلة الاحتلال، وبالتالي فإن هذه الحكومة غير مشروعة.
وإضافة إلى عدم مشروعيتها فإنها خالفت ما أعلنت أنها ستعمل عليه. فقد تم الاتفاق على أن تكون هذه الحكومة هي حكومة تصريف أعمال، ولكنها ابتدأت بجدول مهام كبير جدا على رأس هذا الجدول محاربة ما يسمى بـ"الإرهاب". ألا تفكر الهيئة في مد جسور من الحوار والتبادل البناء مع الحكومة العراقية المؤقتة، من أجل تقويم المعوج، وتصحيح المسار، إن صح التعبير؟ حقيقة نحن نمد الجسور مع كل جهة نرى أنها تعمل لصالح البلد. هذا هو الرابط الأساس، يبقى هنا التقويم، فهل هذه الحكومة تعمل لصالح البلد حتى نمد الجسور معها؟ الجواب لا. وإذا أرادت هي أن تتصل أو تحاور أو تمد الجسور، فمن الممكن أن نسمع لها.. استمعنا إلى كل الأطراف حتى الأمريكان زاروا الهيئة.. بعض أعضاء مجلس الحكم السابق زارونا عدة مرات، وفي إحدى الدورات زارنا رئيس مجلس الحكم آنذاك الدكتور عدنان الباجه جي.
نحن مستعدون لاستقبال أي شخصية أو جهة تريد أن تزور الهيئة، وتعرف مواقفها، وبالتالي مد الجسور ليست مهمة الهيئة، وإنما مهمة الحكومة، لأن الحكومة بدأت الآن مد الجسور كما تقول مع كثير من الجهات، بل قالت إنها مدت الجسور حتى إلى فصائل المقاومة العراقية، فإذا كانت تمد الجسور مع الجهات، التي ترفع بوجهها السلاح أليس من الأولى أن تمد الجسور إلى الجهات التي تقاومها سلميا، ولا ترفع السلاح في وجهها، لكن أظن بأن جهات ولنقل مراكز قوى داخل هذه الحكومة تصنف الهيئة على أنها عدو شديد للحكومة، وبالتالي تتخذ منها هذا الموقف، الذي يظهر أحيانا من بعض زلات اللسان. رفضتم المشاركة في المؤتمر الوطني، وكان لكم مؤتمركم البديل، ما الذي كسبته الهيئة من تلك المقاطعة؟ خاصة وأن هناك من يقول إن الهيئة خسرت أكثر مما كسبت؟ نعتقد أن مقاطعة المؤتمر الوطني هي أولا واجب وطني، لأن هذا المؤتمر انعقد تحت مظلة احتلال، ونحن مبدئيا، وهذه قاعدة مستمرة، لا نعترف بأي مؤسسة تقام في ظل الاحتلال، وهذا ليس رأينا وحدنا.. هذا رأي 35 قوة سياسية ووطنية عراقية منضوبة تحت مسمى المؤتمر التأسيسي الوطني العراقي، كما إنه رأي الكثير من القوى السياسية الأخرى. هناك أيضا الجبهة الوطنية لتحرير العراق، التي تضم ثمانية أحزاب وقوى وطنية، ترفض هذا الشيء.
إذن نحن لا نعترف بأي مؤسسة تقام في زمن الاحتلال، لذلك اعترضنا على مجلس الحكم، واعترضنا على قانون إدارة الدولة العراقية المؤقت، واعترضنا على المؤتمر الوطني، ونعترض على الحكومة المؤقتة، ولا نشارك فيها، ونعد هذا مكسبا سياسيا ووطنيا، في الوقت نفسه، لأنه أثبت للناس صدقية الهيئة ومبدئيتها.
ثم هناك قضية أخرى، وهي أن المشاركة في المؤتمر الوطني ستضفي شيئا من المشروعية تنسحب هذه المشروعية على الحكومة، ومن ثم تنسحب على الاحتلال، وهذا ما يريده المؤتمر، لذلك تراهم قد ركزوا كثيرا عن الموضوع، وأخروا المؤتمر وأجلوه، من أجل الضغط على القوتين الرئيسيتين المعارضتين، وهما هيئة علماء المسلمين وتيار السيد مقتدى الصدر، إضافة إلى المؤتمر التأسيسي الوطني العراقي، الذي يضم تيارات كثيرة جدا. ولما يئسوا أخيرا من اشتراك هؤلاء، عقد المؤتمر الوطني، الذي تمخض عن فوز قائمة موالية للحكومة، وبالتالي أعتقد أنه لا توجد أي خسارة.. أعتقد أن الذين دخلوا في المؤتمر الوطني هم الذين خسروا. يدور كلام كثير بشأن تأجيل متوقع للانتخابات العراقية، بسبب أعمال العنف.. هل تعتقدون بأن الانتخابات ستجري في موعدها؟ اعتقد، وهذه وجهة نظر شخصية، أن الانتخابات لن تجري في وقتها المحدد، وإن جرت فإنها ستجري بذات الطريقة، التي جرت فيها انتخابات المؤتمر الوطني. فالقائمة التي فازت الآن في المؤتمر الوطني ستمهد لإجراء انتخابات تمهد لتمديد أمر الحكومة. ستعمل على إجراء انتخابات بشروط خاصة لتؤهل هذه الحكومة كي تنتقل من حكومة مؤقتة إلى حكومة دائمة، وبالتالي من الممكن أن تجري الانتخابات في وقتها، ويحصل ما أتوقعه، ولا يلقى بال لكل الاعتراضات الأخرى، لأن هناك جهة ساندة وهي قوات الاحتلال، أو أن تبرز بعض القوى المعارضة من داخل المؤتمر الوطني نفسه، أو تكثف القوى المعارضة من خارج المؤتمر جهدها من أجل أن تكون الانتخابات نزيهة. وإذا أردنا انتخابات نزيهة فإن العملية ستتأخر. أما إذا دبرت انتخابات مسلوقة فسيرفع وصف المؤقتة من الحكومة الحالية، وتعطى وصف الدائمية مع بعض التغييرات الشكلية. وهل ستشترك الهيئة في الانتخابات إذا ما أجريت في موعدها؟ الهيئة لن تشترك، لأن المانع مازال موجودا وهو الاحتلال، وبالتالي فإننا لن نعترف بمشروعية هكذا انتخابات. وما هي الشروط اللازم توفرها من أجل إجراء انتخابات يمكن للهيئة أن تشترك فيها، وترى فيها انتخابات شرعية؟ الشرط الأول أن تبتعد قوات الاحتلال وتنسحب من المدن العراقية، ودخول قوات دولية تشرف على هذه العملية، وإشراف دولي تام على هذه الانتخابات في كل أنحاء العراق، لأن هذا الإشراف يمنع ويحول دون عمليات التزوير، وأن يسبق هذه العملية، لا أقول تعداد، لأن الوقت لا يسمح، ولكن الاعتماد على الأرقام الموثقة قبل الاحتلال بشأن عدد سكان العراق، وأظن أن وزارة التخطيط في الإحصائية، التي سلمتها إلى المؤتمر الوطني، بناء على طلبه، بالاعتماد على سجلات عام 1997 ووثائق وزارة التجارة.. أعتقد أن هذه الأرقام هي أقرب ما تكون إلى الصواب، فيجب أن تكون الانتخابات مستندة إلى هذه الأرقام.. هذه العوامل الثلاثة أظن أنها ستعطي نزاهة أكبر للانتخابات. بعد عام ونصف العام تقريبا من المقاومة الشرسة التي واجهتها قوات الاحتلال.. ما الذي حققته تلك المقاومة؟ لقد حققت المقاومة العراقية أشياء كثيرة، من أبرزها أنها صاحبة أسرع مقاومة في العصر الحديث، وهو كلام كل المختصين في موضوع المقاومة، لأنها انطلقت بعد احتلال العراق بأيام قليلة جدا، وهو ما أعطى للمقاومة كسبا سياسيا وإعلاميا كبيرا جدا. ثم إن المقاومة حققت كسبا سياسيا آخر، وهو أنها أبطلت الدعاوى الأمريكية قبل الاحتلال بأن العراقيين سيستقبلون القوات الأمريكية بالورود.
أما على الميدان فالنتائج التي تحققها المقاومة لا تخفى على أحد، وهي كبيرة جدا، بحيث وصلت إلى أن (وزير الدفاع الأمريكي دونالد) رامسفيلد، قبل أيام، كان يشكو من هذا الموضوع، وكذلك (وزير الخارجية الأمريكي) كولن باول، وتصريح الرئيس الفرنسي الذي وصف العراق بعش الدبابير ونار جهنم، التي فتحت عليهم..
هذه الأوصاف لا تقال إلا بناء على أن هناك أثرا كبيرا قد وقع من قبل المقاومة. ثم إن معدل العمليات، الذي أعلن عنه قبل فترة على لسان ضباط الجيش الأمريكي، عندما أعلنوا بأنهم تمكنوا من خفض معدل هذه العمليات من 53 إلى 49 عملية في اليوم الواحد، علما أن معدل العمليات الحقيقية هو أكثر بكثير، ومعدل الذين يسقطون من قوات الاحتلال هو عدد كبير جدا، بحيث اضطرت القوات الأمريكية إلى استجلاب عمال نيباليين وألبستهم ملابس عسكرية، لكي يقوموا بالحراسات الخاصة في المؤسسات الأمريكية.
على الأرض هناك نتائج كبيرة، أضف إلى ذلك بعدا آخر وهو دخول مصطلح "المدن المحررة"، كما هو الحال في الفلوجة وسامراء وتلعفر والنجف وكربلاء ومدينة الصدر، وهو يحصل الآن في العديد من المدن العراقية، ولكن لا يعلن عنها، ولعل المعارك القائمة الآن في الرمادي قد توصل إلى نفس النتيجة.
هذه كلها نتائج سياسية وميدانية تحققت على يد المقاومة، يضاف إليها أمر آخر مهم جدا، وهو أن المقاومة استطاعت أن تعدل من مواقف الكثير من السياسيين العراقيين. بعض القوى التي دخلت كانت ضد الاحتلال، وتحسب نفسها في المعارضة، ولما دخل الاحتلال وتمكن، حسبت أن الأمر قد قضي، فلما اشتدت وطأة المقاومة بدأت هذه القوى بالعودة إلى أصولها، ومراجعة نفسها.. هناك أسماء عديدة لا أستطيع أن أذكرها ولكنها موجودة.
إذن المقاومة عدلت من المسار الوطني لبعض القوى السياسية، ثم إن المقاومة هي التي أسهمت في تشكيل مجلس الحكم، وقانون إدارة الدولة المؤقت، والحكومة المؤقتة، والمؤتمر الوطني، لأن الأمريكيين ما كانوا يفكرون هكذا، ولا كانوا ينوون أن يفعلوا ذلك.. كانوا يريدون الحكم العسكري للعراق مباشرة لمدة سنة أو سنتين على الأقل، كما صرح (الحاكم الأمريكي الأسبق للعراق جي) غارنر بعد مجيئه إلى العراق.. هذه الأمور كلها تغيرت، وكان التغيير بفعل المقاومة. لماذا يغيب الجناح السياسي والمشروع السياسي لفصائل المقاومة العراقية رغم مرور عام ونصف العام من المقاومة؟ أنا استغرب كثيرا من هذا الكلام الذي كثيرا ما نسمعه من وسائل الإعلام، لأنه لا يمكن أن نتكلم عن مشروع سياسي لمقاومة ما إلا بعد مضي فترة، من الممكن نسبيا فيها أن تبرز هذه المقاومة مشروعا سياسيا.. المقاومة الفرنسية ضد النازيين لم تبرز مشروعا سياسيا. ارتكزت على فكرة التحرير فقط، ولم يعاتبها أحد، المقاومة الفلسطينية بدأت منذ العشرينات، ولم يتبلور مشروعها السياسي الواضح إلا في نهاية الستينيات من القرن الماضي.
المقاومة العراقية بطبيعة الحال هي مثلها تحتاج إلى فترة من الزمن، ولكن هناك أمر آخر يختلف، وهو أن الجو المناسب لإطلاق مشروع سياسي غير متوفرة في العراق، وحتى خارج العراق. فالعراق بسبب الضغط الأمني لا تستطيع أي قوة فيه الآن أن تقول إنها تمثل المقاومة سياسيا، لأن الأمريكان لا يسمحون بهذا الفصل بين ما هو سياسي وما هو عسكري، بل حتى الجهات التي تدعم المقاومة معنويا كهيئة علماء المسلمين والقوى الأخرى التي معها، تتهم بأنها واجهات للمقاومة، ويتم التعامل معها هكذا، فما بالك إذا انبرى شخص وقال أنا أمثل المقاومة سياسيا، سيقتلع من الأرض مباشرة.
قد يتساءل البعض لماذا لا يكون هذا الشيء في الخارج؟، وأين في الخارج؟ البيئة المؤهلة لذلك هي مكانيين فقط سورية، على اعتبار أن سورية تقر علنا بأن هذه مقاومة مشروعة، ولكن سورية لا تستطيع أن تمكن لناطق رسمي باسم المقاومة أن ينطلق من أراضيها، حتى لا تعطي المبرر لقوات الاحتلال لاستئصالها. ولعل ما حدث مؤخرا في القرار الأخير حول موضوع سورية ولبنان يدلل على ذلك.
لم تفعل سورية شيئا، ومع ذلك كانت هناك حملة واستصدر قرارا دولي ضدها، فما بالك إذا سمحت بصوت سياسي للمقاومة على أراضيها، والمكان الآخر بيروت، والحال في بيروت على عكس ما يشاع من أن فيها مجالا للحريات بالنسبة لموضوع مقاومة الأمريكان.. الأمر غير يمكن لأن الهيمنة الأمريكية على المنطقة، بل على العالم ككل، لا يسمح بظهور صوت سياسي للمقاومة، يمكن أن يبلور مشروعها السياسي، لذلك بدأ بعض الباحثين بجمع فتات هذا المشروع من خلال بيان هنا، وآخر هناك، وبعض النشرات، علما بأن بعض فصائل المقاومة أبرزت مشروعها السياسي ولو بشكل مختصر، والذي يزور مواقع الإنترنت يستطيع أن يقف على مشاريع كثيرة لبعض هذه القوى.
لم تصل الأمور إلى حد النضج المطلوب، ولكنها نسبيا مقارنة بعمر المقاومة، اعتقد أن شيئا كبيرا جدا قد حدث، لكن المشكلة أنه يتم التغاضي عن كل ذلك، وإبقاء النقد هذا دائما، لأنني اعتقد أن القضية الآن ليست قضية علمية، وإنما القضية سياسية وإعلامية.. هذه النبرة التي تردد بأنه لا يوجد مشروع سياسي للمقاومة، الهدف منها هو الحط من قيمة المقاومة، ومن يريد أن يصل إلى مشاريع المقاومة السياسية بإمكانه ذلك من خلال البيانات، التي تصدرها فصائل المقاومة العراقية المختلفة. أليس من الأجدر بالمقاومة العراقية أن يكون لديها على الأقل جناح إعلامي يمكن أن يغطي عملياتها العديدة، حتى يتمكن المتابع أن يتلمس حقيقة الأوضاع الميدانية على الأرض، وحقيقة ما يجري من عمليات ومعارك؟ حقيقة هذا سؤال في مكانه، ولكن القضية ليست بهذه السهولة.. نحن في هيئة علنية تمارس دورا سياسيا، وتجد متسعا للعمل أكثر من المقاومة العسكرية، ولكننا نواجه حربا إعلامية شرسة.. كثير من مواقف الهيئة السياسية تعطى لجهات إعلامية رصينة، ولكننا للأسف نفاجأ بأن هناك موقفا غير لائق من قبل التصريحات وبيانات الهيئة، بل إن قسما منهم نبه عدة مرات إلى قضايا بسيطة منها قضية الاسم.. نبهنا كثير من القنوات إلى إننا هيئة علماء المسلمين ولكن مازالت بعض وسائل الإعلام تقول هيئة علماء السنة، وهذا هدف اعتقد أنه هدف سياسي غير سليم النوايا. أضف إلى ذلك أن كثيرا من الأخبار والمؤتمرات الصحفية يتم التعتيم عليها أو تحريفها، كما حصل في المؤتمر الأخير للهيئة.. إذن نحن جهة سياسية شرعية علنية تواجه صعوبات إعلامية، فما بالك بالمجموعات المسلحة التي تعمل سرا. من خلال تقصيكم لفصائل المقاومة العراقية، في بحث علمي، هل لهذه المقاومة قيادة موحدة؟ قيادة موحدة لكل فصائل المقاومة غير موجودة. أنا انطلق هنا من دراستي العلمية التي قدمتها إلى مؤتمر مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت. الدراسة قامت على أساس جمع البيانات المنشورة على الإنترنت، زائدا القنوات الفضائية، أو ما يوزع في المساجد، أو يعلق على الجدران.. من خلال الدراسة اكتشفت بأن المقاومة بدأت عفوية.. مجموعات صغيرة ثم تطور الأمر بمرور الزمن إلى مجموعات أكبر، من خلال اتحاد هذه المجموعات، فوصل الأمر إلى هذا الحد فقط.. لم يتطور إلى قيادة موحدة، لذلك تجد أن هنالك بعض الأخطاء تقع من هذه الجماعة أو تلك، وهذا دليل على أنها لم تصل إلى تشكيل قيادة موحدة مركزية، ولكن هناك قيادات مركزية في بعض المناطق وبعض المحافظات. إذا أردنا أن نتعرف على فكر فصائل المقاومة العراقية فماذا سنجد؟ بحسب الدراسة السابقة ودراسات أخرى لأحد الزملاء، الذي استند على دليل مادي محسوس، وهو عدد الشهداء الذين سقطوا من المقاومين، ومن خلال سكنه في مدينة الفلوجة، استطاع أن يتعرف على أسماء كثير من هؤلاء، وأضاف إليها أسماء من المحافظات الأخرى فتبين لديه، من خلال هذه العينة، أن نسبة الدوافع الإسلامية عند هؤلاء هي النسبة الغالبة، حيث بلغت 85 في المائة، ونسبة 13 في المائة هي دوافع وطنية مع دوافع دينية مختلطة، و2 في المائة دوافع أخرى.
ومن خلال البيانات الموجودة تلاحظ أن كل الواجهات، التي تظهر على الساحة هي واجهات إسلامية، كما إن العنصر الأكبر والأبرز في هذه المقاومة هو العنصر، وأقولها بصراحة، الإسلامي العربي السني، لكن هذا لا يعني أن المقاومة تقتصر على هؤلاء، بل إن المقاومة اشتركت فيها كل تيارات الشعب العراقي. تعمد قوات الاحتلال إلى عمليات قصف المدن، وسياسة العقاب الجماعي، وخاصة في المدن المتمردة على سياساتها، برأيكم هل ستنجح هذه العمليات في كبح جماح المقاومة العراقية أم ستؤدي إلى تأجيجها؟ أظن العكس، لأن المقاومة، كما ظهر في الفلوجة، ومن خلال ما حصل في بعقوبة وبهرز بالتحديد وتلعفر والنجف، فإن المقاومة هي مقاومة مبدئية، وليست مقاومة مصلحية، يمكن أن تتأثر بالشدة، لذلك أنا اعتقد أن عمليات القصف على تلك المدن ستزيد من أوار المقاومة ولن تخمدها. كيف تنظرون إلى مستقبل العراق؟ العراق لا مستقبل له مادام الاحتلال موجودا.