مثري العاني.. أغنية على الممر العراقي

بقلم: د. إبراهيم خليل العلاف
الجائزة الأولى

منذ 40 سنة وأنا اقرأ للأستاذ مثري العاني. وقد كانت بداية اهتمامي هي بما يكتبه في مجلة "الثقافة" (البغدادية) لصاحبها الدكتور صلاح خالص.

وأتذكر بأن أول مقال أعجبت به كان عن الأستاذ والمربي يحيى ق الشيخ عبد الواحد. وقد نشر المقال سنة 1969 ومنذ ذلك الوقت تربطني بالأستاذ مثري العاني صداقة وثيقة قائمة على الاحترام وتبادل الآراء بشأن حركة النشر في عراقنا العزيز.

مثري طه محمد العاني من مواليد مدينة الموصل سنة 1940 درس في مدارسها الابتدائية (القحطانية) والمتوسطة (الحدباء) والإعدادية (المركزية)، وفصل أكثر من مرة بسبب توجهاته اليسارية. عشق الكتاب، ومارس الكتابة وعرف بين أصدقائه بقدرته على اختيار الجيد والمفيد من الكتب التي كثيرا ما كان يسعى من اجل الحصول عليها إن كان ذلك من شارع النجفي في الموصل أو شارع المتنبي في بغداد أو من معارض الكتب العراقية والعربية والأجنبية المنتشرة هنا وهناك.

جال معه شريف هزاع شريف في مجلة موصليات (العدد 24) التي يصدرها مركز دراسات الموصل، جولة واسعة فوقف عند تقاليده في الكتابة والنشر وامتدحه قائلا بأنه كاتب متخصص بالمسرح العراقي وهو كذلك فعلا.

نشر أكثر من 200 مقال ودراسة وبحث في المسرح والتراث والنقد لذلك اختير من الأوساط التراثية العربية ليكون خبيرا في التراث الشعبي العراقي عامة والموصلي خاصة. وله كتابات عديدة في هذا الميدان في مجلة "التراث الشعبي" (العراقية) العتيدة وفي غيرها من المجلات التراثية العربية.

يفخر اليوم بأنه كان في يوم من الأيام قائدا طلابيا، وأسهم في انتفاضة 1956 التي انفجرت اثر العدوان الثلاثي الاثيم على مصر. وقد شارك أقرانه في المظاهرات الشعبية التي اندلعت في الإعدادية المركزية في يوم تشريني، وأتذكر بأنني كنت طالبا في مدرسة أبي تمام الابتدائية فانهمرت الدموع من أعين الطلاب، وجاء المعلم ليطمئننا بأن الأمر ليس فيه خطر فلقد أطلقت الشرطة وكانت تسمى شرطة نوري السعيد القنابل المسيلة للدموع لفض اعتصام طلاب الإعدادية المركزية القريبة من مدرستنا فجاءت الرياح لتنقل آثار تلك القنابل إلينا.

وعلى اثر تلك التظاهرات انتخبه زملاؤه، وبعد نجاح ثورة 14 تموز 1958 وسقوط النظام الملكي وتأسيس جمهورية العراق، أول سكرتير لاتحاد الطلبة في الموصل. كما صار عضوا في المجلس المركزي. في 1959 عين كاتبا في نقابة المعلمين فرع الموصل وترك الدراسة بسبب الصراعات السياسية والظروف الاقتصادية. وتعرض للاعتقال وغادر الموصل إلى بغداد وتفرغ للعمل السياسي، واستمر الأمر هكذا حتى سقوط نظام حكم الزعيم الركن عبدالكريم قاسم رئيس الوزراء في 8 فبراير/شباط 1963. وخلال الفترة 1963-1968 تعرض للمضايقات من السلطة الحاكمة، وأحيل للمحاكمة في المجلس العرفي العسكري الثاني في كركوك وحكم عليه بالسجن ستة أشهر لكن سرعان ما اعفي عنه ولكن الملاحقة الأمنية له ظلت مستمرة.

من الطريف أن يتحدث حسب الله يحيى وكان من المثقفين اليساريين المرتبطين بالحزب الشيوعي عن بدايات معرفته بمثري العاني في سنة 1964 عندما التقاه في زنزانة واحدة بمركز شرطة باب الشط بالموصل في مقال قال فيه: "في الوقت الذي انصرفت فيه أربع عوائل لدفن أبنائها الذين أعدموا فجر يوم 24 أغسطس/آب 1964، وهم: وعد الله يحيى النجار، ومحمود التمي، وطارق الشهواني، وهاشم جعب، كنت أقبع في سرداب التوقيف الذي بمركز شرطة باب الشط في الموصل. هناك في الموقف استقبلني بحفاوة رجل بهي الطلعة وقد عرفت فيما بعد أن اسمه: مثري العاني .كنت حذراً من وجودي بين الموقوفين، فقد كانت عائلة العاني في الموصل تصطف في موقع مناويء لما نحمله من أفكار ورؤى (عائلة قومية عربية). لكن هذا (المثري) كان ثرياً بطيبة غير معهودة.. فقد عني بي وقدم لي الطعام والمنام في سجن يفرط نزلاؤه بأصغر شيئ ويتنازعون من اجله نزاعا خشنا.

وفي وقت يجتمع فيه القتلة والمجرمون واللصوص والمفسدين في الارض مع أولئك الذين جاءت بهم أفكارهم المضيئة الى هذا المكان المظلم المليء بالتناقضات.

لم أكن اعرف التهمة الموجهة لي، لكنني كنت أحس أن عظامي تتكسر وهناك من يشد أزري ويقدم لي أقراصاً مهدئة وماءاً بارداً .. ويداوي جراحي التي لم يكن بوسعي لمسها ولا رؤيتها .. ذلك أنها أصابت أماكن غير مرئية مني.

كان الوقت صعباً والآتي مكتوم والأسباب مجهولة .. لكن هذا المثري النبيل كان يعرف كل شيء من دون أن يقول لي أي شيء كأنما كان يسعى لأخفاء ما يعلم عن مصابي في إعدام أخي ورفاقه في سجن الموصل فجراً.

كنت أراه يجلس إلى جانبي، يحدق في وجهي وكلما فتحت عيناي وجدته على تماس بي وهو يكتم ألماً بان في وجهه وعبر عن حفاوته ومودته وعطفه...".

عاش مثري العاني سنوات صعبة وحاول العودة إلى الموصل سنة 1968 ليبدأ الدراسة من جديد، وليكمل الإعدادية وتمكن من دخول "إعدادية الشعب المسائية"، وتخرج فيها سنة 1968 وبعدها عين في دائرة الأشغال والإسكان وظل حتى طلبه الإحالة على التقاعد قبل سنوات، ومن المناسب الإشارة إلى ما يحمله زملاؤه في دائرة الأشغال والإسكان له من احترام وتقدير.

اهتم مثري العاني بالمسرح والنشاط المسرحي وألف سنة 1958 " فرقة الحدباء للتمثيل المسرحي" التي قدمت في باكورة نشاطها مسرحية "المفتش العام" لـغوغول الكاتب الروسي الشهير في 30 أبريل/نيسان 1959 وقد شاركه في تأسيس هذه الفرقة عدد من طلبة "متوسطة الحدباء للبنين" في الموصل.

كما عمل في الإخراج المسرحي. وانتمى إلى فرقة مسرح الأحرار سنة 1961. وأسهم في تعريق بعض المسرحيات ومنها على سبيل المثال مسرحية "أغنية على الممر" سنة 1970 وعرضت في الموصل ونالت الجائزة الأولى على غيرها مما قدم من المسرحيات. وكتب العديد من المقالات عن المسرح العراقي ورواده، وكان على صلة طيبة بأساطين المسرح العراقي المعروفين ومنهم: يوسف العاني وجعفر السعدي وبدري حسون فريد، وكانوا يحبونه ويقدرون عمله ويحترمون رأيه. وقد نشر مقالاته ودراساته في مجلات موصلية وعراقية وعربية، ومما اتسمت به مقالاته أنها كانت تعبر عن هموم الناس الفقراء والمتعبين والساخطين على الأوضاع السياسية السائدة.

عشق المسرح، وكتابه، ورواده، وأسهم في كثير من ملتقياته وخاصة في سنوات الثمانينات من القرن الماضي. ويعكف اليوم على توثيق إسهامات عدد من رواد الفكر والثقافة في الموصل. كما انتهى من مشروع كلفته به مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري في الكويت سنة 2007، ويقوم على توثيق سير وانجازات 27 شاعرا عراقيا. كما أنه شارك في تحرير "موسوعة أعلام العرب والمسلمين" التي ترعاها المنظمة العربية للثقافة والفنون – تونس بالكتابة عن قرابة 100 شخصية علمية عراقية وعربية وإسلامية.

مثري العاني مثلما هو مهموم بقضايا الناس المسحوقين، فإنه مهتم بالمثقفين وخاصة أولئك الذي قدموا لوطنهم ما يساعد على نهضته وتقدمه.

وينشغل العاني اليوم بثلاثة أمور يرى أنها جديرة بالاهتمام وهي المسرح والتراث الشعبي والتأريخ لمن أسهم في البناء والتقدم وعلى مختلف الأصعدة ومنها الصعيد الثقافي والفكري .

يدعو مثري العاني إلى الاهتمام بالرغيف والكتاب. وكتب مقالا في مجلة "الصوت الآخر" (الاربيلية) قال فيه: "إن تدخل الدولة لتوفير الكتاب واحد من الأهداف الأساسية لها .. رغيف الخبز والكتاب مادتان أساسيتان في حياة جمهرة واسعة جدا وكبيرة جدا تبدأ مع الإنسان منذ بدايات حياته وهو يحبو ولا تنتهي .. لا بد من توفيرهما بأرخص الأسعار".

كما يؤكد على الاهتمام بتربية الأطفال، ويرى أن المسرح وسيلة مهمة في هذا المجال وقد كتب مقالا عن مسرح الطفل قال فيه إنه مثلما يتلقى الطفل المبادئ الأولية للقراءة والحساب والعلوم الأخرى، وزرعها في ذاكرته عبر مختلف المراحل الدراسية، لذا فان من الضروري تربية الطفل على حب المسرح وارتياده والمشاركة فيه والتفاعل معه، لكي نخلق منه إنسانا ذا ذوق رفيع.

كتب عنه الأستاذ الدكتور عمر الطالب في "موسوعة أعلام الموصل في القرن العشرين" فقال بأن ظروفه الاقتصادية حالت دون إكماله الدراسة في كلية الحقوق – جامعة بغداد، وقد انصرف للاهتمام بالكتابة للمسرح، وكتب مسرحيات منها (الصخرة). ولم يقعده مرضه وصعوبة تحركه عن أن يكون اليوم في أوج نشاطه الثقافي والكتابة في مجالات المسرح والتراث الشعبي فضلا عن القراءة الدؤوبة".

رصد الدكتور صباح نوري المرزوك في "معجم المؤلفين والكتاب العراقيين 1970-2000" جانبا من إنتاج مثري العاني وخاصة تلك المنشورة في مجلة "التراث الشعبي" ومعظمه يدور حول موضوعات "اثر التراث في المسرح"، و"العاب التسلية عند الأطفال" و"حمام النفاس" و"من عادات العناية بالطفل قديما" و"ألموني = المؤونة في الموصل". كما أصدر قبل سنوات قليلة كتابا عن المسرحيات التي سبق له أن كتبها ونشر الكتاب في الموصل.

ومن كتبه: "الرجال يأكلون أنفسهم" 2005، و"مسرحيات يحيى ق الشيخ عبد الواحد" و"المستدرك على موسوعة أعلام الموصل في القرن العشرين" للدكتور الراحل عمر محمد الطالب. وقد أسهم في تحرير" موسوعة الموصل التراثية" التي أصدرها مركز دراسات الموصل. وأسهم في تحرير كتب منها كتاب بعنوان "بشير مصطفى الشاعر والمعلم والصحفي" وكتاب بعنوان "في التعايش السلمي وفهم الآخر".

مثري العاني إنسان طيب، ونظيف، ومتواضع يحترم الآخرين ويساعدهم في التعبير عن آرائهم حتى لو كانت مخالفة لرأيه. يؤمن بفكرة التقدم، وبقدرة الإنسان على أن يغير محيطه وينبذ العنف والتعصب وهو يدعو إلى التعايش واحترام حقوق الإنسان ويدافع عن التسامح بين البشر ويعطي قيمة للنشاط الفكري الإنساني ويعمل على تيقظ الأفكار وتوسيع قاعدة المؤمنين بضرورة الثقافة لبناء الإنسان.

تحية له وندعو له بمزيد من العطاء الثقافي خدمة لوطنه ولامته وللإنسانية.