مثال نووي للعرب في الإمارات

مئات المعايير الصارمة في النووي الإماراتي

ابوظبي - الهدوء في أروقة مقر هيئة الرقابة النووية في ابوظبي لا يعكس وتيرة العمل الدؤوب خلف زجاج مكاتبها: مهندسون وخبراء، نساء ورجال، يضعون اللمسات الاخيرة على برنامج ضخم يدخل دولة الامارات العربية المتحدة النادي النووي، ويعزز موقعها خليجيا ودوليا.

على بعد نحو 300 كلم غربا، عند الضفة المقابلة لايران التي تمتلك برنامجا نوويا مثيرا للجدل، يعمل موظفون آخرون، اماراتيون واجانب، في محطة براكة النووية للاجابة على مئات الاسئلة التي تطرحها هيئة الرقابة، املين في ان ينالوا في 2018 رخصة تشغيل اول المفاعلات الاربعة.

وكان من المفترض ان يبدأ المفاعل في توليد الطاقة في 2017، لتصبح الامارات أول دولة خليجية نووية، الا ان مؤسسة الامارات للطاقة النووية، المسؤولة عن تشغيل المفاعلات، اعلنت مؤخرا التأجيل الى 2018 لاسباب تقنية.

ويقول كريستر فيكتورسن المدير العام للهيئة الاتحادية للرقابة النووية المخولة منح الترخيص، في مقابلة مع وكالة الصحافة الفرنسية ان مؤسسة الطاقة النووية "تقدمت بطلب الحصول على رخصة تشغيل المفاعل الاول في اذار/مارس 2015، وكان ملفا ضخما يتضمن اكثر من 15 الف صفحة".

ويضيف "ارسلنا لهم حتى الان اكثر من الف سؤال ولا زلنا نرسل الاسئلة"، مشددا على ان الرخصة لن تمنح قبل الاجابة عن هذه الاسئلة، والتاكد من ان خطط طوارئ كافية للتعامل مع اي حادث وضعت في مكانها.

حقائق وأرقام

فيما يلي معلومات حول البرنامج النووي للطاقة السلمية في دولة الامارات، المشروع الاول في احدى دول الخليج الغنية بالنفط.

المؤسسات العاملة

- مؤسسة الامارات للطاقة النووية: تأسست في 2009 وهي مؤسسة حكومية تتولى تصميم وانشاء وتشغيل البرنامج النووي. كما انها تعمل، بصفتها ذراعا للاستثمار لحكومة أبوظبي، على جذب استثمارات في قطاع الطاقة النووية على الصعيدين المحلي والدولي.

- نواة: شركة للطاقة مملوكة بالشراكة بين مؤسسة الإمارات للطاقة النووية والشركة الكورية الجنوبية للطاقة الكهربائية "كيبكو" التي فازت بعقد بناء المفاعلات، وهي المسؤولة بشكل مباشر عن تشغيل البرنامج.

- الهيئة الاتحادية للرقابة النووية: جهة حكومية تأسست في 2009 وتتولى مسؤولية وضع اللوائح وإصدار التراخيص الخاصة بكافة الأنشطة النووية في دولة الإمارات، وهي الجهة الوحيدة المخولة باعطاء الضوء الاخضر لبدء انتاج الطاقة النووية في موقع براكة.

الكلفة

- العقد الرئيسي: أعلنت دولة الامارات في نهاية 2009 انها اوكلت الى كونسورسيوم بقيادة "كيبكو" بناء المفاعلات النووية بقيمة 20.4 مليار دولار.

- شركات محلية: وقعت الحكومة الاماراتية ايضا عقودا بنحو ثلاثة مليارات دولار مع اكثر من 1400 شركة اماراتية محلية تعمل في قطاعات مختلفة.

- الوقود النووي: تشارك ست شركات عالمية في قطاع توريد الوقود النووي، بينها اريفا الفرنسية وريو تينتو البريطانية، في تزويد المفاعلات بالوقود النووي لمدة 15 عاما، ضمن عقود تقدر قيمتها بنحو ثلاثة مليارات دولار.

تفاصيل تقنية

- الانتاج: تقول الحكومة الاماراتية ان الدولة بحاجة إلى مصادر جديدة للحصول على الكهرباء حيث انه من المتوقع أن ترتفع ذروة مستوى الطلب الوطني السنوي إلى أكثر من 40 ألف ميغاواط في 2020. وبحسب الخطط الموضوعة، فانه من المفترض ان تؤمن المفاعلات الاربعة 25 بالمئة من حاجة البلاد من الكهرباء بحلول 2020.

- المفاعلات: مفاعلات الطاقة التي يجري بناؤها من طراز "ايه بي ار 1400"، تعمل بالماء المضغوط وتصل القدرة الإنتاجية للمفاعل الواحد إلى نحو 1400 ميغاواط من الكهرباء، بينما يصل العمر التشغيلي للمفاعل الواحد إلى نحو 60 عامًا.

- مواد البناء: استخدم أكثر من مليون و70 الف متر مربع من الخرسانة في إنشاء المفاعلات الأربعة، وهي كمية تمثل ثلاثة أضعاف إجمالي كمية الخرسانة المستخدمة في بناء برج خليفة، اطول برج في العالم. كما تم حتى الان استخدام اكثر من 250 الف طن من حديد التسليح وهي كمية تفوق كمية الحديد المستخدم في برج خليفة بستة أضعاف.

الموارد البشرية

- الاعداد: يبلغ عدد موظفي مؤسسة الإمارات للطاقة النووية وحدها أكثر من 1700 موظف. تقول المؤسسة انها ستحتاج بحلول عام 2020 إلى نحو 2500 موظف في مختلف التخصصات مثل المهندسين والتقنيين وموظفي الدعم.

- الجنسيات: من الادوار الادارية والرقابية، الى ادوار التشغيل المباشرة، يعتمد البرنامج النووي الاماراتي على موظفين من جنسيات مختلفة بينها السويدية والروسية والبريطانية والكورية الجنوبية. لكن مؤسسة الطاقة النووية تؤكد انها ملتزمة بنسبة توطين لا تقل عن 60%.

- برامج تدريب ومنح: أسست دولة الامارات برنامج "رواد الطاقة" لاستقطاب طلبة الثانوية العامة المتفوقين وخريجي الهندسة والخبراء من مختلف التخصصات لكي ينضموا الى قطاع الطاقة النووية. ويمكن لكل من يرغب بالانضمام إلى البرنامج الذي يشمل منحا دراسية في الداخل والخارج أن يقدم طلب التسجيل عبر الإنترنت.

ويشير فيكتورسن الذي يحمل الجنسيتين الفنلندية والسويدية ان "المسألة قد تتطلب اشهرا"، لكنه يضيف ان 2018 "هو لا شك عام التشغيل".

وبحسب مؤسسة الطاقة النووية، فان النسبة الكلية لإنجاز المفاعلات الاربعة وصلت إلى نحو 80 بالمئة، في حين وصلت نسبة إنجاز المفاعل النووي الأول إلى اكثر من 95 بالمئة.

الجوار سيتفهم

قد تبدو مسألة امتلاك برنامج نووي سلمي امرا طبيعيا في مناطق اخرى من العالم، لكن المفارقة في الخليج ان دولة الامارات تبني مشروعا نوويا في منطقة تعصف بها الازمات السياسية والامنية منذ عقود.

ويدفع هذا الواقع المسؤولين الاماراتيين ومديري البرنامج الى التشديد على الطبيعة الامنة لهذا المشروع الذي تقرر انشاؤه في العام 2009 ضمن مشروع ضخم بلغت قيمته اكثر من 25 مليار دولار.

وتتطلع دولة الامارات الى ان يساهم البرنامج النووي بحلول العام 2020 في انتاج نحو 25 بالمئة من حاجتها من الكهرباء. لكنها تامل ايضا ان يعزز هذا البرنامج الطموح موقعها كدولة مؤثرة على الساحتين الاقليمية والدولية.

ويقول مسؤول اماراتي في الملف النووي "دولتنا سباقة، وستبقى كذلك".

وفي ظل أزمة الثقة بين دول الخليج وايران، والاحداث الامنية والهجمات التي شهدتها دول مجاورة بينها السعودية والكويت، يؤكد المسؤولون الاماراتيون والاطراف المشغلة للبرنامج النووي ان هذا المشروع لن يسبب مزيدا من التوترات كونه منحصر بخطط محلية لتنويع الطاقة.

ويقول دبلوماسي كوري جنوبي مقيم في دبي فضل عدم الكشف عن اسمه ان مشروع محطة براكة "سيكون له دور مهم في اقتصاد الامارات، لكنه سيكون أيضا مثالا ممتازا للدول العربية الاخرى لحيازة الطاقة النووية واستخدامها في المجالات السلمية".

وسبق وان اعلنت عدة دول عربية بينها السعودية في الاعوام السابقة عن نيتها بناء محطات نووية مماثلة.

ويضيف الدبلوماسي "لا نعتقد ان المفاعلات النووية ستتسبب بمشاكل في المنطقة. تعاوننا مبني على جهود التطوير، والدول العربية الاخرى في المنطقة ستتفهم هذا الامر".

لا للتخصيب

تقع المنشآت النووية في دولة الامارات في نطاق صلاحيات جهاز حماية المنشآت الحيوية والسواحل. وحاليا، يتلقى السكان الذين يعيشون في دائرة قطرها 50 كلم من المحطة تعليمات حيال كيفية التعامل مع الحوادث.

الا ان الامان النووي لا يتعلق بدولة الامارات فقط. فمحطة براكة تبعد نحو 50 كلم عن أقرب حدود مع السعودية غربا، وحوالي 320 كلم عن سلطنة عمان جنوبا، و350 كلم عن ايران شمالا.

ومن هذا المنطلق، اقيمت مؤتمرات اقليمية جمعت اطرافا مختلفة في المنطقة لمناقشة الامان النووي، وفقا لمدير هيئة الرقابة.

ويؤكد فيكتورسن ان "الامان مسألة مهمة جدا، وقد وضعنا قوانين تتعلق بعدة مجالات في هذا الشان"، مشيرا الى اقامة تمارين مستمرة تحاكي وقوع حوادث في محطة براكة للطاقة النووية تشمل الموظفين في البرنامج واجهزة وزارة الداخلية الاماراتية.

وبهدف تفادي اي شكوك مستقبلية حيال طبيعة برنامجها النووي، عمدت دولة الامارات، التي تضم نحو 8 بالمئة من احتياطات النفط العالمية، الى الابتعاد عن اكثر المسائل اثارة للجدل: تخصيب اليورانيوم.

فبينما تخوض ايران على الضفة الاخرى من الخليج مواجهة محتدمة مع المجتمع الدولي لاجراء عمليات التخصيب على ارضها، اكدت ابوظبي انه لن تكون هناك أي عمليات لتخصيب اليورانيوم على اراضيها.

كما انها ستمتنع عن إعادة معالجة الوقود النووي بأي شكل من الأشكال.

ويقول فيكتورسن "اعلم ان كلمة نووي تعني لاشخاص كثيرين اغراضا غير سلمية، لكن القوانين التي وضعت هنا تؤكد عكس ذلك، ونحن وضعنا برنامجا لمراقبة كل النشاطات النووية في البلاد".

في ايار/مايو الماضي، عقدت الحكومة الاماراتية جلسة في محطة براكة. ولخص رئيس مجلس الوزراء الشيخ محمد بن راشد ال مكتوم رؤية دولته لبرنامجها النووي بالقول ان هذا المشروع يحقق "تطلعاتها للريادة عالميا".