متى تحتفل الكويت بمصمم شعار دولتها؟

قلم: صلاح بيصار
الشكل الدائري يوحي بالديمومة والاستمرار

منذ أيام جاء صوته عبر هاتف دار الهلال، المؤسسة الصحفية التي أعمل بها بالقاهرة. قال: محمد شرف من الكويت. قلت: أهلا وسهلا بك، ولم يمهلني أن أتعرف عليه، فقد أضاف بتحمس شديد: لقد اتصلت بك بناء على مشورة زملائك بمجلة "العربي". أريد أن أعرف الكثير عن المصمم الفنان حسني زكي فهو مصمم شعار دولة الكويت. وهنا زادت دهشتي. قلت: هذا شيء رائع يضاف إلى إبداعاته. وانتهت المكالمة على وعد بأن ألبي طلبه، وأقدم له بعض ما أعرف عن الفنان محمد حسني زكي الذي رحل عن عالمنا منذ سنوات.

وهو في الحقيقة يستحق كل التقدير والإعزاز. ففي الوقت الذي كانت تفكر فيه مؤسسة دار الهلال "وهي أعرق مؤسسة صحفية في صحافة المجلات بالقاهرة. أسسها جورجي زيدان عام 1892" في إصدار العدد الأول من مجلة "حواء" ـ أول مجلة نسائية بالوطن العربي ـ باسم "هي"، كان هناك شاب في العشرينيات، يهوى الصحافة ويعدها مهنة للمستقبل، وكان حلمه بالتحديد أن تصدر مجلة نسائية تخاطب عقل وقلب المرأة المصرية. كان ذلك في آواخر عام 1954. وعن طريق أحد أصدقائه عرف بالصدفة أن دار الهلال تستعد لإصدار مجلة نسائية. في هذه الليلة لم ينم. فقد ظل طوال الليل يقظا مؤرقا بين أفكاره وتصوراته والتي ضمها ماكيت تخطيطي صممه بنفسه واستغرق عدة شهور. ماكيت لمجلة يحمل اسم "حواء".

وفي الصباح توجه إلى دار الهلال. وهناك تعانقت أحلامه مع مشروع الدار. فتم استبدال اسم "هي" بحواء التي ظهرت به في عددها الاول "14 يناير/كانون الثاني 1955" برئاسة تحرير السيدة أمينة السعيد، وعلى الغلاف لوحة تجسد فتاة حسناء بوردة على الرأس بريشة الفنان حنا صبري. كما تم إجازة الماكيت الذي صممه الفنان حسني زكي وانضم إلى أسرة تحرير المجلة من اليوم الأول لها وأسند إليه القسم الفني بها.

الفنان الراحل محمد حسني زكي

وفي العدد الأول تصدرت افتتاحية السيدة أمينة السعيد والتى جاءت بعنوان: "هدى شعراوي التقدمية المحافظة"، وكأنها تعكس من خلالها الخطوات الوثابة للمرأة المصرية والعربية بين الحرية والعصرية وبين المحافظة والتقاليد!

وظل فناننا يعمل سكرتيرا لتحرير "حواء" وأول مدير فني لها يصمم صفحاتها بالكلمة والصورة. وعندما فكرت وزارة الإعلام الكويتية في إصدار مجلة "العربي" ورشحت لها الدكتور أحمد زكي، وعرف ذلك الفنان حسني زكي قام أيضا بعمل التصميم الأولي لها دون أن يعرف أحد ذلك.

وقد عرفت حكاية طريفه من زميله الفنان مكرم شحاتة، وهي أن حسني زكي علم بأن الدكتور أحمد زكي في طريقه إلى المطار متوجها إلى الكويت، فاستطاع أن يلحق به ويعطيه الماكيت أو التصميم الخاص بـ "العربي" وسافر الدكتور أحمد وأخذه معه، وعندما لاقى القبول وتمت إجازته وصدرت "العربي" في عددها الأول ديسمبر/كانون الأول عام 1958 جاء التعاقد مع حسني زكي كأول مشرف فني لمجلة "العربي" وسكرتيرا للتحرير، وظل يعمل بالمجلة وكان معه الفنان حسن حاكم. كما شارك في تأسيس مجلة "الكويت" واستمر بالكويت إلى أن عاد للقاهرة حتى رحل عن عالمنا.

اللوحة التى تصدرت غلاف العدد الأول لمجلة حواء بريشة الفنان حنا صبرى

والجميل أن محمد حسني زكي، ومن بين تصميماته الفنية تصميمه لشعار دولة الكويت، والذي يستحق عليه كل التقدير، فهو شعار بديع مسكون بالرمز فيه تلخيص شديد وهو تصميم دائري، والشكل الدائري عادة يوحي بالديمومة والاستمرار وعناصر الشعار في بؤرته سفينه تحمل علم الكويت لوقوعها على الخليج وشهرتها عبر التاريخ في المجال البحري، ومن أسفل الدائرة يطل الصقر المجنح فاردًا جناحيه في نصف دائرة، والذي يحمل على صدره علم دولة الكويت أيضا تأكيدا على الرمز القومي، وتبدو الخلفية عبارة عن أفق سماوي أزرق وأبيض رمزا للنقاء. والصقر هنا طائر مرتبط ببيئة الخليج، كما أنه يحمل ملامح القوة والعزة والفخار.

وبعد .. تلك كانت ملامح صغيرة حول شخصية الفنان محمد حسني زكي وأتمنى أن تحتفي بتكريمه دولة الكويت الشقيقة في عيدها الوطني القادم.

تحية إلى روحه بعمق ما ترك من بصمة فنية.

صلاح بيصار ـ فنان تشكيلي وناقد مصري