متغيرات في الأفق تجعل المصالحة الوطنية مسألة هامشية

بقلم: عياد البطنيجي

باتت حركة "فتح" أكثر تشددا إزاء المصالحة مع "حماس"، بعد التئام مؤتمرها السادس. فبعد أن كان الحوار مطلبا ملحا في خطاب الرئيس محمود عباس، بات اليوم مطلبا غير ملّحٍ. حتى في خطابه أمام المؤتمر السادس لم يقل سوى القليل عن التسوية مع "حماس" باعتبار ذلك يمثل شرطاً مسبقاً لتأمين حلم الدولة، لأنه بدون حل الانقسام البغيض لا يمكن الحديث عن الدولة.
وأن ما وصف به الرئيس عباس في خطابه حركة "حماس" لا يبشر بأمل نحو تحقيق المصالحة السياسية، بل يبرهن على أن هناك صعوباتٍ كثيرة إزاء المصالحة الوطنية.
ولكن ما يلفت الانتباه بحق أنه في سياق المصالحة مع حماس أفرد الرئيس في خطابه ذاك لموضوع الانتخابات القادمة مساحة أكبر من الحديث عن المصالحة مع "حماس"، وكأنه يريد أن يقول لن تكون هناك مصالحة ولا يوجد طريق لحل الأزمة مع "حماس" إلا عبر الانتخابات الرئاسية والتشريعية القادمة. وحتى الجولة الاستكشافية التي قام بها الوفد المصري بقيادة اللواء محمد إبراهيم، أكد الرئيس عباس في أعقابها "أن الحوار سيركز فقط على إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية فقط". باختصار، بعد أن كانت المصالحة الوطنية مطلبا أساسيا في الخطاب الإعلامي للرئيس عباس، باتت اليوم، بعد مؤتمر "فتح" السادس، شيئا ثانوية أو بالأحرى باتت غير ضرورية بالمطلق. التساؤل الذي يبرز على الفور، هو: ما سبب هذا التحول؟ أرجع بعض المحللين ذلك إلى الأسباب التالية:
1. إن "فتح" الآن بعد المؤتمر أقوى مما كانت عليه قبله، وبالتالي لا تخشى من أن يؤدي نفوذ حماس إلى تأكلها. وأنها سترد على أي إجراء قد تتخذه حماس ضدها.
2. إن حماس في وضع صعب: علقت المقاومة دون الاتفاق على التهدئة، أظهرت مرونة سياسية كبيرة، ومع ذلك لم يرفع الحصار الجائر، ولم يعترف العالم بها، فضلا عن استمرار إغلاق المعابر.
3. التقارب السوري – الأميركي والأزمة الداخلية في إيران.
4. الإجراءات التي اتخذتها حماس بمنع أعضاء مؤتمر "فتح" من قطاع غزة من المشاركة في المؤتمر السادس، جعل "فتح" غير متحمسة الآن، لإجراء جلسة الحوار بموعدها كنوع من العقاب لها.
كل ذلك متغيرات ليست في صالح حماس، وهذا كله سوف يضعفها ويضعها في مأزق حادٍ وخطير، ويجعلها طرفا هامشيا ما يدفعها إلى التنازل، ومن ثم تسعى إلى التقارب مع "فتح" بغية إنجاح الحوار والصالحة. كل ذلك قد يكون أسبابا في أن تصبح مسألة المصالحة مع "حماس" مسألة هامشية عند "فتح". وإنني أزعم، أن المرحلة المقبلة لن يكون فيها أي تطور إزاء مسألة المصالحة الوطنية، بل ستكون مسألة هامشية وهامشية جدا، ولن تحظى بأي أولوية في سلم الأولويات الوطنية. وبالتالي فإن فشل المصالحة الوطنية ونهج التوافق والتراضي هو الأكثر احتمالا، والسبب، وهو الأهم من كل ما ذكر من أسباب، أن هناك متغيرات دولية في الأفق، تجعل المصالحة مع "حماس" غير مهمة الآن بالنسبة لـ"فتح".
فهناك أملٌ يعتور الذات "الفتحاوية" في الحصول على الدولة الفلسطينية وتحقيق السلام العربي-الإسرائيلي، لأنه، ووفقا لكل المؤشرات، من المتوقع أن تطرح الولايات المتحدة في الأسابيع القريبة مبادرة سياسية للتسوية الإسرائيلية- الفلسطينية مدعومة من اللجنة الرباعية والمجتمع الدولي، وهي قامت بالفعل بجولات استطلاعية في المنطقة لاستكشاف المواقف والاطلاع على حجم التنازلات المقبولة عند جميع الأطراف المعنية. لذا فإن الرئيس عباس على علم بهذه الخطة وبالتحولات الأميركية تجاه المسألة الفلسطينية، وبحدود الدور الأميركي فضلا عن حقيقته وطبيعته. وهذا ما يشكل فرصة مهمة لـ"فتح". لذا يبدو أن "فتح" تجهز نفسها للتفاعل بعقلانية وبمرونة مع هذه المتغيرات الدولية الجديدة، لتكون قادرة على إقناع العالم بأنها لا تزال عنوان القضية الفلسطينية. وفي اعتقادي أن هذا سببا أساسيا في عقد مؤتمرها السادس في هذه الغضون، أي التحول في السياسة الأميركية إزاء المسألة الفلسطينية، والتفاؤل بالدور الأميركي مما ولد أملا لدى "فتح" بالحصول على استحقاقات التسوية، لأنه بالفعل لأول مرة أصبح حل قضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي، ‏ مهما بالنسبة للأمن القومي الأميركي، وأن الدولة الفلسطينية أصبحت أيضا مهمة لهذا الأخير. فمن منظور "فتح" إن واشنطن تغيرت وأن هذا التغير يفتح أبوابا كانت مغلقة حتى وقت قريب‏، وهذا ما يعطي حركةَ "فتحٍ" بريقَ أملٍ في إنقاذها من مأزقها.
المهم أن هذه المبادرة ستتحول بسرعة إلى قرار لمجلس الأمن يصدر بالإجماع، ومن هنا سوف يلتزم بتنفيذها مجلس الأمن، وبالتالي من الصعب على أي طرف عرقلتها، وهو ما يضع "حماس" في حالةٍ لا تطاق، وستضطر لخوض كفاح ضد هذا الخطة التي لا يمكنها أن تتعايش معها، وعند ذلك ليس أمامها سوى خيارين: إما الانخراط في مسلسل التسوية من خلال الموافقة على هذه الخطة، وإما أن تواجه العالم بمفردها، وفي هذه الحالة سوف يلزمها المجتمع الدولي، وقد يؤدي ذلك إلى التدخل الدولي في قطاع غزة، لفرض شروطه عليها، وهو أمر لا تطيقه ولا تقدر عليه. ومن هنا ستوَضع "حماس" وتنحشر بالزاوية.
وهكذا تمسي "حماس" في حالة لا تحسد عليها، وبالتالي سينحصر وجودها وينقرض نفوذها ومن ثم تنتهي إلى الأبد، إن لم تتفاعل بمرونة مع هذه المتغيرات الجديدة وإن لم تطرح مواقف واقعية منطقية يمكن الدفاع عنها. وهكذا تمسي "حماس" هي العقبة أمام تحقيق السلام، في هذه الحالة ستضع نفسها في مواجهة العالم. وهكذا تفوز "فتح" في صراعها مع "حماس". إذن، لماذا المصالحة؟ عياد البطنيجي، كاتب فلسطيني