متعة الفائدة في المحاضرات الثقافية

بقلم: د. فاطمة البريكي
قريب من الحضور

قلة هم الناس الذين يملكون القدرة على تقديم مادة علمية تخصصية بحتة في قالب بسيط وبأسلوب يسمح بتسرب المعلومة بسلاسة إلى قلب السامع وعقله دون أن يرهقه أو يشعره بأنه يلقي عليه قولا ثقيلا.
وقلة هي المرات التي حضرنا فيها محاضرة عامة وشعرنا خلالها أننا منقادون للاستماع للمحاضِر برغبة داخلية خالصة، وجلسنا طوال مدة المحاضرة دون الالتفات إلى الساعة، أو إلى كمّ الأوراق القابعة أمام المحاضِر على الطاولة، أو إلى بعضنا بعضًا، ودون اللجوء إلى الهواتف النقالة للبحث في شاشتها عن رسالة جديدة، أو مكالمة وصلت في غفلة من الوقت ولم ننتبه إلى نداءات الشاشة المتكررة وهي تضيء وتنطفئ عدة مرات لتعلن عن هذه المكالمة التي كُبِت صوتها قبل أن تصل.
وقلة هي المحاضرات التي نخرج منها ونحن نلحّ على المحاضِر بأن يتفضل علينا بمحاضرة أخرى، ونستزيده من علمه الذي نجح في إيصاله لنا ولم يحاول فرضه علينا، ونطلب ذلك بطريقة مختلفة عن تلك الطريقة الآلية التي تفرضها علينا المجاملات الاجتماعية.
وقلة هي المرات التي شعرنا فيها أننا نقضي ما يزيد على ساعتين من الزمان باختيارنا في مكان ثقافي دون أن نندم على وجودنا فيه وعلى ضياع تلك الساعات من حساب عمرنا دون فائدة، لأن المحاضِر لم يقدم لنا جديدًا، ولم يظهر لنا –كما نريد- بمظهر الباحث الذي قتل نفسه لشدة ما قتله موضوعه بحثًا، فأحبطنا بعمومية محاضرته التي لا يزيد علم المحاضِر في الموضوع الذي يحاضر فيه عن معلومات معظم الجمهور الحاضر.
أقول هذا الكلام في سياق المحاضرة التي قدمها الدكتور عبد الله الغذامي، أستاذ النقد والنظرية في جامعة الملك سعود بالرياض، قبل عدة أسابيع في رحاب المجمع الثقافي، وكانت بعنوان "النقد الثقافي وتفكيك الأنساق"، وقد تشرفت بتقديم المحاضرة والمحاضِر الذي قدمني للقراء بكتابته مقدمة كتابي الأول.
في هذه المحاضرة التي استغرقت ما يزيد على الساعتين، قدّم الدكتور الغذامي أهم الأفكار التي طرحها في مشروعه الذي قدمه من قبل في كتابه "النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية"، ولكنه قدمها بأسلوب مختلف اختلافًا كليًا عن الأسلوب الذي قدم من خلاله مادة كتابه. فإن كان المضمون قد اتفق تقريبًا إلا أن الأسلوب قد اختلف اختلافًا بيّنًا؛ إذ كانت مادة الكتاب علمية منضبطة، تستند إلى مرجعيات محددة، وهي في أغلبها كتب متخصصة في النقد الثقافي كما طُرح عند أبرز أعلامه في النقد الغربي. والدكتور الغذامي يطرح آراءه وفكرة مشروعه نظريًا وتطبيقيًا، داعمًا كل فكرة بالأمثلة المناسبة، التي توضح الفكرة وتقويها.
أما في المحاضرة فقد اعتمد على أسلوب السرد الحكائي الذي يتقنه كثيرًا، وقد استخدمه في عدد من مؤلفاته، مثل "حكاية سحارة"، و"حكاية الحداثة في المملكة العربية السعودية"؛ فهو كاتب متمرس في السرد، له خبرة سابقة فيه، وقد كشفت مؤلفاته عن هذه الخبرة، كما كشفت المحاضرة التي أمتعنا بها عن ذلك أيضًا.
وعندما اختار الغذامي أن يقدم محاضرته –التي نطلق عليها اسم محاضرة إما من باب التجاوز، أو بسبب مضمونها العلمي- ارتجالاً على شكل حكائي بدا وكأنه يريد أن يحقق أهدافًا عدة منها –بحسب تأويلي الشخصي الذي قد يقترب وقد يبتعد عما أراده الدكتور الغذامي- أنه يريد أن يقترب أكثر من الجمهور الحاضر، الذي اعتاد على الجلوس في صفوف الجماهير بشكل آلي، والاستماع بشكل آلي أيضًا إلى محاضِر يبعث فيه الملل حتى أصبح الملل ضيفًا دائمًا في قاعات المؤسسات الثقافية. وقد حدث فعلا انقلاب في ملامح الجمهور الحاضر، الذي سمح لي موقعي -بوصفي مقدمة المحاضرة- باستراق النظر إليه ورؤية مدى التفاعل الحاصل بينه وبين المحاضِر، كما كانت أصوات ضحكات الجمهور وهمهماتهم تفاعلا مع ما يقول د. الغذامي بين حين وآخر تغنيني عن استراق النظر للتعرف إلى حقيقة وضعهم في ذلك الوقت.
ومن جهة أخرى، يبدو لي أن د. الغذامي أراد أن يضيف لقارئي كتابه فوائد إضافية فلا يشعر أحدهم بأنه يعيد تصفح الكتاب أو قراءته بأذنيْه بعد أن تصفحه وقرأه بعينيْه؛ فهو في هذه المحاضرة يعيد طرح مشروعه حول النقد الثقافي أمام الجمهور الإماراتي والمقيم في الإمارات، وذلك بعد أن طُرح الكتاب بعدة سنوات، مما يعني أن معظم الحضور قد اطلعوا على الكتاب، ولعل هذا ما دفعه إلى إعادة طرح جوهر الفكرة، ولكن بشكل مختلف، مع الكثير من الإضافات التي لم تكن مذكورة في الكتاب.
ولعل من أسباب لجوئه إلى أسلوب السرد الحكائي عوضًا عن النمط التقليدي للمحاضرة العلمية أنه يريد أن يبسط المادة أمام جمهور متنوع ومتعدد التخصصات والمشارب والثقافات، وأن يقدم مادة مشروعه بشكل يسهل على معظم الحضور فهمه والتفاعل معه، ولذلك بدأ بالحديث عن أحداث فيلم "كولومبو"، وثنّى بالحديث عن مظلة نيتشة، ورواية بنات الرياض، وتحدث عن الوصف العميق من خلال هذا كله، وعرّفه أمام جمهور يجمع بين المتخصص وغير المتخصص، دون أن يربكه كما لو طُرح في سياق آخر، ودون أن ترتسم علامات استفهام كثيرة بخصوصه لدى الجمهور.
وبغض النظر عن موافقة هذه الأسباب مع الأسباب الحقيقية التي دفعت بالدكتور الغذامي إلى ارتجال محاضرته وتقديمها حكائيًا أمام جمهور يلتقيه للمرة الأولى، فإن المحاضرة كانت ناجحة بكل المقاييس، وقد أثارت الكثير من الأسئلة والمداخلات، وكان ضيفنا الفاضل حريصًا على أن يجيب عن كل سؤال بتوضيح وتفصيل وتمثيل، ومع انقسام الجمهور –كعادته أمام شخصية مثل شخصية الدكتور الغذامي تطرح الكثير من القضايا الإشكالية والخلافية والصادمة- إلا أن الجميع كان يشعر بأنه خرج من المحاضرة بجديد، وأنه أضاف إلى حصيلته المعرفية شيئًا كثيرًا، كما أن جميع الحضور استفزوا في كثير من الأحيان للتفكير العميق –الذي عطلته المحاضرات العامة بعموميتها ورتابة طرحها- حول بعض الأفكار التي طرحها بذلك الأسلوب البسيط، وكان الفرد من الجمهور حين يستأذن لطرح سؤال يجد نفسه بطريقة تلقائية يطرح عدة أسئلة في آن، وقد انتهت المحاضرة، التي طال زمنها أكثر من المعتاد، دون أن يتمكن جميع الحضور من طرح أسئلتهم وسماع إجابات الدكتور الغذامي عليها، فامتدّت الأسئلة بعد انتهاء الزمن الفعلي للمحاضرة نصف ساعة أخرى تقريبًا، وكل هذا يشير إلى نجاح المحاضرة، ونجاح المحاضِر في إثارة الجمهور وتحريك رواكده، سواء من اتفق معه ومن اختلف، لأن الأغلبية وجدت في تلك المحاضرة/ الحكاية باعثًا لرغبة التفكير، سواء بوعي أو دون وعي، وتحقيقًا لمتعة الفائدة التي طال حرمان جمهورنا الثقافي منها. د. فاطمة البريكي
جامعة الإمارات sunono@yahoo.com