متحف يؤرخ للعنصرية في جنوب افريقيا

جوهانسبرج- من بنيتا فان أيسن
متحف التاريخ البغيض

يصبح مفهوم الفصل العنصري القسري جليا وملموسا بالنسبة لجميع أولئك الذين يدخلون المتحف الجديد الذي يعرض مقتنيات خاصة بحقبة الفصل العنصري البائد في جنوب إفريقيا.
ويصدر المتحف تذاكر تخطر حاملها بضرورة أن يكون إما "أبيض" أو "غير أبيض".
ويدفع ذلك زوار المتحف إلى التفكير مليا في عرقهم الجديد ويدركون أن قلب جنوب إفريقيا العنصري القديم قد دبت فيه الحياة من جديد في المتحف الذي أقيم على حافة مجمع للترفيه في مدينة جولد ريف سيتي جنوب جوهانسبرج.
ويدخل أولئك الذين صنفوا على أنهم من أصحاب البشرة البيضاء إلى المتحف عبر باب دوار مخصص لدخول شخص واحد فقط بينما يدخل من باب آخر كل من يصنفهم مسئولو الفصل العنصري بأنهم من "السكان الاصليين" أو السود أو الهنود أو الصينيين أو المختلطين (الملونين).
وتحتل وثائق تحديد الهوية التي تم تكبيره حجمها جانبي شبكة من الاسلاك المعدنية تمتد على طول اثنين من الممرات بهدف السماح لكل عرق من الاعراق برؤية الاخر أثناء سيرهم في طرقات متباعدة تؤدي إلى منظر عام لمنطقة ويتواترسراند جنوب جوهانسبرج والتي تشتهر باحتوائها على أشهر مناجم الذهب في العالم.
ويقوم مراقب "غير أبيض" بالاجتماع مع مسئولين من لجنة التصنيف العرقي وهي اللجنة التي كانت ذات يوم تحكم على كل إنسان حسب عرقه بموجب قانون تسجيل السكان لعام 1950 في جنوب إفريقيا.
وتم تسجيل تاريخ جنوب إفريقيا العنصري تحت صورة فوتوغرافية ضخمة ضمت أعضاء تسجيل السكان والذين كانوا جميعهم من البيض بالطبع.
وكما هو مسجل أسفل الصورة لم يكن يسمح للبيض و غير البيض بتناول الطعام أو المشروبات أو السفر أو السباحة أو الدراسة معا فضلا عن قائمة أخرى من المحاذير.
ويحكي التاريخ كما يعرضه المتحف أن نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا كان يفرض حظرا مشددا الاختلاط الجنسي أو الزواج بين عرق وعرق آخر.
يقوم الزوار من كل لون باقتفاء أثار العديد من تاريخ جنوب إفريقيا "الواقعي" الذي عكسته مرايا نصبت على طول ممر أسمنتي بأحد الابواب الخارجية للمتحف.
وتحكي المعروضات بالوثائق تجربة عشرين عائلة من مختلف الثقافات المنحدرة من المنطقة أو المتوطنة فيها.
ويخرج الزوار إلى شرفة بالمتحف تطل على منجم مجاور، وكازينو شهير ومتنزه ترفيهي وجوهانسبرج، أو مدينة الذهب وما وراءها.
ويعد هذا المتحف هو أحدث مناسبة للتذكير بنظام الفصل العنصري القمعي وانهياره بعد خمسين عاما تقريبا.
ويسبر المتحف أغوار تفاصيل جمة عن تلك الحقبة التي امتدت من عام 1948 إلى عام 1991 في تاريخ جنوب إفريقيا.
من جانبه، يقول كريستوفر تيل مدير المتحف "نهدف إلى جعل الزوار يحتكون مباشرة بما كان عليه نظام الفصل العنصري. المتحف ليس ديزني لاند .. نحن نتعامل مع سرد قوي للغاية لاخبار تاريخية".
وتعرض بالمتحف مجموعة هائلة من الصور الفوتوغرافية والملصقات وأفلام فيديو في سرد قصصي جاد ومتوازن لحقبة اتسمت بالاضطراب والوحشية البالغة في تاريخ جنوب إفريقيا.
ويتم جنبا إلى جنب داخل المتحف عرض قصة صعود قومية سكان جنوب إفريقيا من ذوي الاصول الاوروبية أي الافريكانرز في عام 1948 وقومية سكان جنوب إفريقيا الاصليين التي رحبت بها.
ويلتقي زعماء الافريكانرز وجها لوجه مع نظرائهم السود عبر أزيز عشرات من أجهزة التليفزيون الموزعة في أنحاء المتحف.
ويعرض المتحف عبر أجهزة التليفزيون لقطات من فيلم كان قد حظر عرضه ذات يوم، فينتقل الزوار الذين يشاهدون تلك اللقطات، وبصورة رشيقة من حقبة تحكي من خلال موسيقى تصويرية جيدة تاريخ نظام عنصري إلى حقبة تاريخية مضطربة أخرى مرت بها البلاد خلال عقدي السبعينات والثمانيتان من القرن الماضي.
ومع عرض مشاهد الغضب الشعبي العارم في المسيرات الشعبية والزعماء السود الوطنيين في مواجهة مسئولي النظام العنصري الوحشي، يبدأ صوت التليفزيون خلال عرض لقطات الفيلم يعلو أكثر فأكثر.
ويتيح المتحف لزواره فرصة تجربة الرد القاسي من جانب دولة منبوذة ضد معارضيها بدخول واحدة من ثلاثة زنزانات ضئيلة المساحة، أقامتها إدارة المتحف كنسخة طبق الاصل من الزنزانات التي كانت تستخدم ذات يوم لحبس خصوم النظام العنصري حبسا انفراديا.
وكان الحبس دون محاكمة يعد من أكثر الوسائل استخداما لسحق المعارضين في ظل نظام الفصل العنصري حيث كانت شرطة أمن الدولة تمارس القتل والتعذيب والاغتصاب والتحرش بآلاف من "المشتبه" فيهم.
وتدلت عشرات من الحبال المعقودة كأنشوطة من سقف غرفة مجاورة بالمتحف لاحياء ذكرى أولئك الذين أعدموا شنقا للاشتباه في ارتكابهم "جرائم" مزعومة ضد النظام العنصري في ذلك الوقت من تاريخ جنوب إفريقيا.
ويتم تم عرض القلاقل السياسية التي عصفت بجنوب إفريقيا في الثمانينات من القرن الماضي في فيلم يحكي بالتفصيل الحملات التي كان تقوم بها في آن واحد الدولة العنصرية وخصومها والعنف الذي اجتاح البلاد في تلك الحقبة.
كما يعرض المتحف عملية السلام التي شهدتها البلاد في مطلع التسعينات من القرن الماضي والتي شهدت مفاوضات بين دولة عنصرية كانت تحتضر في ذلك الوقت وسجناء سياسيين مفرج عنهم مثل رئيس جنوب إفريقيا السابق نيلسون مانديلا.
وتنتقل أحداث الفيلم الوثائق من عرض الفرحة الطاغية بإجراء أول انتخابات ديمقراطية في جنوب إفريقيا عام 1994 تمخض عنها ظهور أول رئيس أسود للبلاد وهو مانديلا إلى محاولته مواجهة الماضي.
وبالمتحف غرفة خاصة يطلق عليها اسم "غرفة لجنة الحقيقة والمصالحة" تيمنا باسم اللجنة التي قامت بالتحقيق الاعمال الوحشية الفظيعة التي ارتكبها نظام الفصل العنصري ونجاحها في تحديد هوية أكثر من 22 ألفا من ضحايا انتهاكات حقوق الانسان التي مورست على نطاق واسع.
كما يعرض الفيلم آمال وتوقعات المواطن العادي في جنوب إفريقيا والذي نجا من نظام الحكم العنصري.
وتوفر إدارة المتحف لكل زائر من زوارها فرصة تسجيل أفكاره الخاصة به في غرفة صغيرة من الزجاج.
ويتيح المتحف أيضا لزواره فرصه اقتناء نسخة من دستور جمهورية جنوب إفريقيا لحظة عبورهم جسرا من الصلب أطلق عليه سجين سياسي سابق اسم "جسرنا إلى الحرية".
ويعتبر الزعيم الاسطوري مانديلا وأول رئيس أسود لجنوب أفريقيا مع انفراط عقد نظام الفصل العنصري المقيت في بريتوريا أشهر سجين سياسي في تاريخ العالم المعاصر.
وتتزامن عملية افتتاح المعرض مع الاحتفالات الشعبية والرسمية بانقضاء حقبة الفصل العنصري البغيضة في جنوب أفريقيا.