متتاليات شعرية تصنع سورا للحديقة وبابا للقلب

قلم: عصام الراوي
وَرَقٍ لاَ يَصْلُحُ لِصُنْعِ الْطَائِراتِ الوَرَقِيَّةِ

"سور للحديقة .. بابٌ لقلبي" للشاعر محمود سليمان، هو الديوان الفائز بجائزة الشعر في مسابقة كتاب أخبار اليوم بالقاهرة، ويحتوي على عشرين قصيدة بدت مكملة لبعضها البعض، ترسم لوحة، في متتاليات شعرية على ثلاثة أجزاء: الجزء الأول حتى ما قبل جزء "العمة ست" (جزء وليست قصيدة) لأن من قصيدة العمة متتالية أخرى، حتى بداية الجزء أو المتتالية الثالثة التي توقت في بدايتها مع "الحرب"، وحتى النهاية.

البداية هي الذات، وهي المنتهى أيضا، ومع ذلك تتعارك مع الواقع، محدقةً فيه، رافضة ومعترضة وإن عاقبت فتعاقب نفسها!

الولد

أَقْلَعَ عَن الدُّخَانِ؛

لأَنَّ الدُّخَانَ صَارَ بِلاَ طَعْمٍ

وَلاَ عَمَلَ لَهُ ..

اِنْتَحَي

كَيْ يَبُوحَ وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً

عَلَي وَرَقٍ

لاَ يَصْلُحُ لِصُنْعِ الْطَائِراتِ الوَرَقِيَّةِ ..

أَدْمَنَ الْضَحِكَ

لأنَّ البُكَاءَ صَارَ أَصْعَب ..

مَضَي

لاَ يُعَلِّقُ وَرْدَةً فِي فَضَاءٍ مَشْغُولٍ

وَلاَ ينْتَظِرُ وَصَايَا مِنْ أَحَد ..

والحرب لها وقفة طويلة هنا، للشاعر منها موقف محدد، وإن لم نعرف لماذا (في شعره)، وهو لأنه ذاتي المنطلق والمنتهى. ولا ضير، أظن في أعماله القادمة، سوف يضيف صور الواقع الخارجي، وهو ما يبرر ما في الذات. لذا كان الجزء الثاني والخاص "بالعمة ست" وما بعدها من قصائد، كانت دائرة الرؤية والقبض على الصورة أكبر. ولعلني أهتم بالصورة نظرا لكوني روائيا بالدرجة الأولى، فقد يرى الشعراء غير ما أرى.

الْحُرْيَّةُ

لَيسَتْ سِوَى تَنَاقُضَاتِ الْعَالَمِ

بِأَكْمَلِهِ ..

وَالْحَرْبُ

فِكْرَةُ هَذَا الزَّمَن..

الْحَرْبُ فِكْرَةٌ خَاطِئَةٌ

وَربَّمَا فِكْرَةٌ عَلَى صَوَاب.

كُلُّ شَيءٍ عَلَى الأرْضِ

يَبْدَأُ بِفِكْرَةٍ وَيَنْتَهِي بِخَدِيعَةٍ

تدهشك المجموعة الجميلة في جدتها ومغايرتها لشعرية سائدة في راهنٍ مليء بالمتشابهات. شعرية تحاول أن تنتشل المشهد من التكرار والتجارب المتشابهة التي انشغلت باليومي والعابر، وها هو صوت جميل يعلو فوق الأنقاض عبر شعر أصيل وحاد، يغوص في أعماق الروح والوجود، في حدائق لغته تراب حدائقه من ملح الحزن، وأزهارها تباشير فرح مسكون بدهشة الواقع وصرامته وعطرها زئبقي تتقاذفه لغة من جمال، وأكثر ما يشد الانتباه تلك القدرة الرائعة على توظيف البناء الاستعاري. وكأن الشاعر يسعى بوساطة البنية الاستعارية إلى خلق عالم جديد يتناغم مع رحيق مشاعره وفضاء أفكاره:

أَيَا ظِلِّي

كَيْفَ تَبْدُو مُضِيئًا

وَأَنَا خَافِتٌ

وَكَيْفَ لَمْ أَفْهَمْ

أَنَّكَ لِي.

سُورٌ لِلْحَدِيقَةِ

وَبَابٌ لِقَلْبِي

صُوَرٌ عَائِلِيَّةٌ وَرِفَاق...

حَصَىً فِي جَبِينِي

زَمَنٌ آهِلٌ بِالخُسَارَاتِ

نِصْفُ مِقْعَدٍ /لاصْطِيَادِ لَحَظَاتٍ جَمِيلَة..

كَيْ أَسْتَطِيعَ الكِتَابَة

عَنْ مُتَعِ الحَيَاةِ وَالعَيْشِ

لَمْ تَخُنِّي الطِيْبَةُ

وَلَمْ يَمْنَعْني الأَلَم

شاعر يملك حسا فنيا أخذ بلغته إلى بناء نصه في نسق يكشف عن دفقات شعرية وجدانية وأعني بالنسق ذلك التشكيل البصري الذي يعد مرايا تتجلى عليها دلالات قالها الشاعر وأخرى لم يقلها. ففي النصوص بنيتان، واحدة معلنة وأخرى مضمرة، أما المعلنة فقد حرص فيها على تغليفها بوشاح من الرمز، لكنه وشاح شفاف يستطيع المتلقي أن يرى من خلاله ما يمور في أعماقه. وأخرى بنية مضمرة تخفي قدرا كبيرا من خلايا ألم وأمل وحروب وحياة لم تعد رهاناً أنيقاً على حد قوله.

للشاعر شخصيته الشعرية، وهو أهم ما يمكن أن يتسم به أي قلم متميز، وقصائد عميقة يعيد من خلالها الشاعر اكتشاف الأشياء الأكثر بداهة بدهشة الشاعر ذاته وهو ما تفتقده كثير من النصوص التي تراها تستنسخ هنا أو هناك. حقا هذه غبطة شعرية بالنسبة لنا وديوان يستحق المغامرة:

إِلَى النِّسْيَانِ نَمْضِي

كَأَنَّمَا نَنْحَدِرُ بِبِطْءٍ إِلَى الفَرَاغِ المُرَاوِغِ

- وَبِهُدُوءٍ - نُمْسِكُ بِضَحِكَاتِنَا

المُتَلَبِّسَةِ بِالحَيَاةِ وَالأَمَل ..

نَقِفُ عَلَى عَتَبَاتِ الذَاكِرَةِ

كَضَرِيرٍ/ يَخْمِشُ الأُفْقَ بِأَصَابِعِهِ

نَتَرَبَّصُ بِأَنْفُسِنَا / تَمَامًا مِثْلَمَا يَتَرَبَّصُ الذِّئْبُ

بِفَرِيسَتِهِ ..

وَفِى النِّهَايَةِ لاَ أَحَد

لأنَّ فِي النِسْيَانِ - دَائِمًا – لاَ شَيْء