متاجرة حكومة الاحتلال بالمعتقلين العراقيين

ذكرتني زيارة طارق الهاشمي، نائب رئيس حكومة الاحتلال الرابعة ورئيس الحزب الاسلامي، لأحد المعتقلات التي بنيت حديثا لاستيعاب الاعداد المتزايدة من المعتقلين العراقيين وقوله لهم صدقوني ان وضعكم أحسن من وضعنا في الخارج، بتعليق أطلقه دونالد رامسفيلد، وزير الخارجية الاميركي السابق، عندما ذكرت امامه اساليب التعذيب في سجن ابو غريب، ومن بينها اجبار المعتقلين على الوقوف بلا حركة وفي وضع ثابت مدة تزيد على العشر ساعات، فقال باستغراب مفتعل: لكنني أنا الآخر أقف أثناء عملي عشر ساعات يوميا.
ما لم يذكره رامسفيلد هو ان المعتقلين العراقيين كانوا لا يقفون مثله باختيارهم في مكتب فخم ليبتوا بشؤون دولة عظمى بل كانوا مجبرين على الوقوف وهم عراة وقد غطيت رؤوسهم بأكياس الخيش واعتدي على بعضهم جنسيا كما تم تصوير التعذيب والاغتصاب وبيعها على مواقع الانترنت. وكما نعرف جميعا فان جرائم ابو غريب مرت على القضاء الاميركي مرور الكرام ولم يعاقب عليها أحد وهي الجرائم التي وصفتها منظمة العفو الدولية في رسالة مفتوحة الى رئيس الولايات المتحدة جورج بوش، بتاريخ 7 أيار/مايو 2004، بانها تشكل جرائم حرب.
أما في حالة الهاشمي الذي زار المعتقل بحماية حراسه الأمنيين وأسرع حالما خطا خطوته الاولي خارج المبنى باستنشاق الهواء بعمق وارتدى نظارته الشمسية حماية لعينيه، فان ما لم يذكره هو ان عدد المعتقلين لدى قوات الاحتلال قد ازداد بنسبة خمسين بالمئة منذ تطبيق خطة فرض القانون وهو وحزبه أعضاء في الحكومة التي باركت الخطة، وان عدد المعتقلين صار 32 الفا في بغداد لوحدها فيما بلغ عددهم في سجون قوات الاحتلال 24 الف معتقل. وأكدت وزارة حقوق الإنسان وجود 18 الف سجين في معتقل بوكا في أم قصر بالبصرة، وحوالي نصف هذا العدد في معتقل كروبر سيء الصيت في المطار، وقد أمضى معظمهم معدل ثلاث سنوات في معتقلات الاحتلال بدون ان توجه له أي تهمة او يتصل بمحام ولم تعرض قضيته على القضاء. ولم يذكر الهاشمي الاوضاع المأساوية التي يعيش في ظلها المعتقلون من سوء الخدمات وانعدام الرعاية الصحية فضلا عن التعذيب واساءة المعاملة والاهانة المستمرة وانقطاعهم عن العالم الخارجي وحرمانهم من زيارة الاهل. أما بالنسبة الى وجودهم في مكان حسدهم عليه الهاشمي فلعل الصورة التي نقلتها مراسلة لوس أنجلوس تايمز التي زارت أحد المعتقلات يوم 24 تموز/يوليو الحالي تعطينا فكرة بسيطة عنه، اذ كتبت: إن رائحة المخلفات الآدمية الكريهة تزداد سوءاً كلما تقدم المرء داخل المعتقل باتجاه الحمامات، حيث يصطف عدد من المعتقلين الحفاة في وحل امتزجت فيه أشلاء القرميد بالمخلفات الآدمية ينتظرون أدوارهم للترويح عن أنفسهم، غير مبالين بكون الحمام نفسه يعج بتلك المخلفات الآدمية. مضيفة أن المعتقل الذي بني أصلاً لاستقبال 300 سجين، يحوي اليوم أكثر من 900 اختلط فيهم البريء بالمتهم بجريمة عادية بالمتهم بمقاومة المحتل.
والمعروف بين المواطنين عموما هو أن قضية المعتقلين أصبحت ورقة لعب ومناورة سياسية بين الاحزاب المشاركة في حكومات الاحتلال المتعاقبة من جهة وادارة الاحتلال من جهة أخري، بالاضافة الى استغلالها للابتزاز المادي من قبل الميليشيات والعصابات على اختلاف انواعها.والضحايا هم المعتقلون اثناء المداهمات العشوائية بتهم ملفقة، أو لمجرد الاشتباه أو البلاغات الكاذبة.وكثيرا ما يكون ثمن إطلاق سراح المعتقل باهضا حيث يجبر الاهل على دفع مبالغ نقدية، أو نقل ملكية البيوت والعقار عندما لا يتوفر المال.وقد لاحظنا في المجال الأوسع بأن اطلاق سراح المعتقلين لايتم الا وفق صفقات وتنازلات سياسية معينة ولاعلاقة له لا من قريب ولا بعيد بمراعاة القانون واحترام حقوق الانسان.مثال ذلك ان المأزق السياسي الحالي لادارة الاحتلال مع المالكي وحكومته قد أدي الى رغبتها في الخروج من المأزق عن طريق مراضاة الطرف الثاني أي الهاشمي وحزبه، واصبح السماح للهاشمي بزيارة المعتقل مع فريق تصوير تلفزيوني ليضرب عصفورين بحجر.فهو جزء من التضليل الاعلامي بان ادارة الاحتلال تتعامل بشكل انساني وقانوني مع المعتقلين وليس لديها ما تخفيه، وهو عرض تلفزيوني ناجح لتحسين صورة الهاشمي واظهاره بمظهر المتابع والحريص على حقوق المواطنين وحمايتهم.ودقت طبول التصريحات الصحافية والمقابلات التلفزيونية والاذاعية لتكيل المديح والثناء لقوات الاحتلال وحكومة الاحتلال وخاصة الهاشمي، الذين تفضلوا فاكرموا الشعب العراقي، بمناسبة شهر رمضان الكريم، بقرارهم الذي ينص على اطلاق سراح 30 موقوفا يوميا طوال شهر رمضان، متعامين عن الحقيقة المرة وهي ان من سيطلق سراحهم هم من الموقوفين الابرياء أساسا وان العدد الكلي سيكون في نهاية شهر رمضان 900 معتقل من مجموع 58 ألف معتقل، وهذا الرقم يدل على المسجلين لدي وزارة حقوق الانسان فقط.
وللالمام بجوانب الصورة المأساوية بعيدا عن تضليل الاحتلال ومستخدميه وفي غياب وتهميش وارهاب منظمات حقوق الانسان المستقلة داخل العراق نضطر الى الاعتماد على تقارير المنظمات الانسانية العالمية خاصة وانها باتت نتيجة الوضع الانساني المتدهور تصدر التقرير تلو الآخر محذرة من عواقب انسانية وخيمة. ففي الشهر الماضي، أعربت منظمة العفو الدولية عن قلقها العميق لأن قرار مجلس الأمن والذي يقضي بتوسيع نطاق صلاحيات بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، لا يتضمن اعترافاً بأوضاع حقوق الإنسان والأوضاع الإنسانية الخطيرة في البلاد.
ويستمر اعتقال آلاف العراقيين من دون تهمة أو محاكمة على أيدي القوة المتعددة الجنسيات بقيادة الولايات المتحدة وقوات الأمن العراقية، وانتشار أنباء التعذيب على نطاق واسع، والارتفاع الحاد في معدلات استخدام عقوبة الإعدام، وغير ذلك من الانتهاكات الفادحة. ان تدهور الاوضاع الانسانية السريع دليل على ان كل من انخرط في عملية الاحتلال السياسية مدعيا بان المشاركة نابعة من الحاجة الى وجود من يدافع عن المواطن ازاء شراسة قوات الاحتلال قد انحدر تدريجيا في هاوية الانتهاكات والجرائم، فاذا كان الانحدار بعلمه فالمصيبة كبيرة واذا كان بدون علمه فالمصيبة أعظم لأن هذا يدل على ان الهاشمي ومن معه في حزبه أميون لا يعرفون القراءة والكتابة فتعليمات ادارة الاحتلال لمستخدميها واتفاقاتها معهم واضحة وصريحة وبعضها منشور على مواقع الانترنت. وفيما يتعلق بشؤون المعتقلين يخبرنا موقع وزارة الخارجية البريطانية بأن سلطة ما يسمى بالقوات متعددة الجنسية مطلقة نتيجة الحاجة لمحاربة الارهاب: "وتم تحديد استمرار الحاجة لهذه السلطة في رسالتين مؤرختين في 5 حزيران/يونيو 2004 موجهتين من وزير الخارجية الأميركي السابق كولن باول ورئيس الوزراء في الحكومة العراقية المؤقتة علاوي لرئيس مجلس الأمن في الأمم المتحدة يصفان فيهما مهام القوات متعددة الجنسيات، وتم التصريح بمنح هذه السلطة من خلال قرار مجلس الأمن رقم 1546. إذا كان لدى الحكومة العراقية المؤقتة أية صعوبات تتعلق بسياسة أو ممارسة عمليات الاعتقال التي تقوم بها القوات متعددة الجنسيات، فإنها تثير هذه الصعوبات معها. الرسالتان المشار إليهما تحددان بالتفصيل آليات التشاور والتنسيق التي تم وضعها بين الجهتين لحل أي من هذه المواضيع." ان قراءة هذا النص لا تترك مجالا للشك بان مفهوم (أنا عبد المأمور) لا يغسل يدي العبد من دماء الضحية تماما بل ان اقصى ما سيفعله هو تخفيف الحكم عليه. وقد التزم القانون الدولي الإنساني بالقواعد التي اتخذتها محاكمات نورمبرغ للنازيين بعد الحرب العالمية الثانية، والتي اثبتت أن الإلتزام بالأوامر ليس دفاعا مشروعا عن المشاركين في الجرائم حين يتعلق الأمر بالانتهاكات الصارخة لحقوق الانسان الطبيعية والجرائم ضد الإنسانية. هيفاء زنكنة