مبررات اجتياح جديد للعراق أصبحت مطلباً شعبياً

بقلم: د. هدى حمودي

كنت منذ سنين قد قرأت رواية لعبد الرحمن منيف بعنوان "شرق المتوسط"، يتحدث فيها عن معاناة الإنسان في البلدان العربية، وكيف أنه سجين خارج السجن، فالسجن عنده ليس جدران أو سجانون فقط، بل يكفي أن يعيش الإنسان في رعب داخل بلده... رعب السلطة الحاكمة الذي يجعل من البلد سجناً كبيراً.
إن تشدق الحكام والمسؤولين العرب بشكل عام بألفاظ الديمقراطية والحرية وغيرها ما هو – عند المثقفين والواعين- الا تشدقاً ممجوجاً لا يُهضم، وترديداً لا يعدو مسامعهم. فهل يكفي الإنسان أن يأكل ويشرب وينام حتى يقال أنه إنسان حر؟ إن الحرية الحقيقية والديمقراطية الصحيحة هي أن يمتلك الإنسان زمام رأيه، ويعبر عن أفكاره بكل حرية بعيداً عن رقابة وشروط تقيد فكره بقيود جلالة الملك وسمو الأمير والقائد الفذ، ودولة الرئيس وصاحب الفخامة.
إن الديمقراطية التي يعيشها العراق اليوم ما هي الا جزء مما ذكرناه أعلاه، فهي ديمقراطية مزيفة بل أسوأ تجربة شهدها العراق على مدى تأريخه، فإذا كانت الديكتاتوريات تخنق حرية التعبير والفكر فإن ديمقراطية العراق ما بعد 2003 خنقت الأرواح وأزهقتها ظلماً وعدواناً، وشتان بين إزهاق كلمة وإزهاق روح.
كنا قد عانينا الأمرّين من دكتاتورية صدام حسين، القائد الضرورة، عانينا حتى مللنا المعاناة: نساء فوق الستين يفترشن الأرصفة للارتزاق وسط البرد القارص أو زمهرير الصيف، وأطفال تركوا مدارسهم وركبوا المخاطر البدنية والأخلاقية ليتجولوا في الأسواق ويبيعوا "العلاكة" - كيس التسوق، وآخرون يتسولون لقمة العيش بأية طريقة تخطر على بالهم. كان شيخ مسجدنا (رحمه الله) قد قال كلمة أودت بحياته عندما تطرق في خطبته إلى المواطنين الجياع والأطفال المتسولين وأن رعايتهم من مسؤولية الدولة، فجاءت بعد ربع ساعة – والخطبة مستمرة- سيارة الأمن لتنزله من منبره وتقتاده إلى جهة مجهولة ليكتشف اسمه بعد الاحتلال في قوائم المعدومين.
كان حلمنا الكبير أن نتخلص من نظام دكتاتوري مستبد، خنق أفكارنا وطاقاتنا، وأحلامنا، لكننا بالتأكيد لم نكن نتمنى أن نتخلص منه باحتلال طامع له أهداف كثيرة ومطامع عديدة، يعيث في الأرض فساداً. لكن الأمر سار بغير الطريقة التي كنا نريدها، وجاء الاحتلال وارتكب ما ارتكب من فظائع، لكن هناك بصيص أمل ما زال موجوداً هو زوال الاحتلال يوماً ما، وتشكيل حكومة وطنية تكون أفضل من النظام الدكتاتوري الاستبدادي نستطيع من خلالها أن نبني وطننا من جديد.
لم نكن ندري أبداً أن الاحتلال جلب معه مشروعاً خبيثاً طبخ في تل أبيب وأُنضج في واشنطن، الا وهو مشروع المحاصصة الطائفية الذي رقصت له بعض الأطراف السياسية رقصاً حتى الدوار، وشكرت الحاكم المدني بريمر حتى التقبيل من الفم، وحتى بعد تأسيس هذا النظام لم نكن نعلم ما سيجره علينا من ويلات، وما ستفعله بنا "الحكومة الوطنية".
لقد تعاقبت "الحكومات الوطنية" على العراق بعد الاحتلال، فارتكبت بحق شعب مسكين حالم أبشع الجرائم المروعة. فبعد أن عرضت عليه مقابر جماعية لنظام صدام عبر شاشات التلفزة، فاجأته بعشرة أضعافها من الجثث التي ملأت الشوارع. وبعد أن عرضت عليه سرقات صدام لثروات الشعب، تفاجأ بسرقات بلغت عشرات أضعافها، حيث شراء العقارات في الخارج، فتلك فنادق المالكي، وتلك قصور الجعفري، ومزارع الحكيم، وفلل الأعرجي، وما زال الشعب حافياً من مدينة الصدر إلى حي العدل، ومن الكاظمية إلى الأعظمية، ومن البصرة إلى ديالى. ومن قبيل المضحك المبكي قول أحد تجار الأقمشة أنه كان عندما يستورد الأقمشة في زمن صدام كان يجعل نسبة الأقمشة السوداء فيها 10%، لكنه اليوم يجعل نسبة الأقمشة السوداء في بضاعته 40%!.
إذا كانت السجون السرية في زمن الاستبداد تحتوي 200 – 300 سجين سياسي من معارضي النظام البائد، فإن السجون السرية اليوم تحتوي على آلاف مؤلفة من المساكين الذين ذهبت أبصارهم وهم ينتظرون الديمقراطية، ويحلمون بالحرية التي لو قال المواطن لرئيس الحكومة فيها أيها الفاشل قال له دولة الرئيس أشكرك سأصحح مساري، أولئك المساكين الذين كانوا يتناقلون فيما بينهم بحسرة فيديو يضرب فيه الرئيس الأمريكي بالطماطم والبيض الفاسد وهو مبتسم قائلين: متى سنصبح نحن كذلك؟ لقد جاءت الديمقراطية ولم يصبحوا كذلك.
أولئك المعتقلون في سجون الحكومة اليوم يتعرضون لأقسى وأبشع أنواع التعذيب النفسي والبدني، فمنهم من شلت يداه، ومنهم من توقفت كليتاه عن العمل، ومنهم من اغتُصِب حتى فقد السيطرة على مسالكه البولية.
بالأمس عرضت الشرقية شريط تعذيب معتقل حتى الموت، لقد كنت أتخيل عندما عرض الشريط كيف أن أهله ينظرون إليه وهو يُركل على مختلف أجزاء جسمه حتى يفقد الوعي ومن ثم يموت، و"رجال الشرطة الأبطال" في مركز شرطة باب الشيخ وعددهم يربو على خمسة عشر "بطلاً" يرقصون ويطلقون العيارات النارية في الجو تعبيراً عن "انتصارهم"، وأي رجولة أن يتم ضرب وإعدام رجل أعزل من قبل مجموعة كبيرة من المسلحين بهذه الطريقة؟ حتى إن سلمنا جدلاً أن هذا الرجل انتحاري، أيعامل بهذه الطريقة أم يعدم بعد محاكمة أصولية وفق القانون، وطبعا بعد انتزاع اعترافاته ومعرفة الجهة التي تقف وراءه، والأسماء المتورطة معه، أليس هذا هو المنطق؟ ألسنا نحن الذين انتقدنا صدام حسين بأنه يعدم دون محاكمات ودفاع؟ لماذا نفعل مثلما فعل؟ علماً أن آلاف الحالات مثل هذه الحالة بل وأكثر بشاعة وجرائم ارتكبتها القوات الحكومية وميليشيات جيش المهدي وبدر المرتبطة بها، لكن لم يتم تصويرها.
إذا كان المجتمع الدولي تدخل بسبب جرائم صدام حسين التي لا تشكل سوى نسبة قليلة من جرائم حكومات الاحتلال، فمن العار العظيم على هذا المجتمع أن لا يتدخل اليوم لإزاحة هذه الحكومة كما أزاح صدام وبالطريقة ذاتها، لأن مبررات إزاحتها أصبحت متوفرة. إن المجتمع الدولي الذي ساهم في احتلال العراق هو الذي يتحمل وزر الاحتلال وتبعاته وأوزار الحكومات المتعاقبة بعده، تلك الحكومات الطائفية التي أزهقت الأرواح تماماً مثلما كنا نقرأ ما سيفعله أقوام يأجوج ومأجوج من قتل ونهب.
ما يزال أمام المجتمع الدولي فرصة للتغيير وتحسين أوضاع العراقيين، وإيقاف القتل المنظم، والقتل العشوائي، وسرقة قوت الشعب، وتشريد أهله. ولا يكفي الاستنكار والاستهجان، والتدخل في الشأن العراقي الذي يستنكره بعض السياسيين ويعتبرونه جريمة سياسية أصبح مطلباً شعبياً اليوم، لأن استمرار هذه الحكومات بهذا النهج الطائفي هي الجريمة الحقيقية. د. هدى حمودي - كاتبة عراقية drhudahammody@gmail.com