مبارك وأوباما: هل بقي للكولونيل ما يتحدث فيه؟

لندن- علي الصراف
إصغاء جيد

القول "ان ملف إيران و.."الأمن الإقليمي" سيكونان على رأس القضايا التي يبحثها الرئيس المصري حسني مبارك مع الرئيس الأميركي باراك أوباما في واشنطن الاسبوع المقبل"، أمر مفهوم ومبرر. إذ ما الذي يجعل الرئيس المصري يزور واشنطن ما لم تكن... إيران هي القضية.
فالمتحدث باسم الرئاسة المصرية سليمان عواد يعلم، علم اليقين، بان القضايا التي يمكن ان تتناولها محادثات مبارك-أوباما محدودة للغاية.
مصر، من حيث المبدأ، انسحبت من ما كان يعتبر "قضية العرب المركزية"، لتكتفي بدور الوسيط في الصراع العربي الاسرائيلي، إنما بنسخته المصغرة فقط: "الصراع الفلسطيني- الاسرائيلي". وهذا الدور لا يسمح لها بفعل الكثير ولا بقول الكثير. فاذا ما بدا أن هناك مبعوثا اميركيا هو جورج ميتشل، يفترض ان يتولى ترتيب شؤون الوساطة، بنسختيها الموسعة والمصغرة معا، فسرعان ما سوف يبدو ان دور مصر، كوسيط، بات نافلا عن الحاجة.
وهنا فان الاستئناس برأي الرئيس مبارك لن يقدم ولن يؤخر في أي أمر يتعلق بهذا الجانب. فالولايات المتحدة تستمع لكل الأطراف، وتعرف ماذا يريد كل منهم. وهي إذا كانت تضع ثقلها الى جانب الحل الذي تريده إسرائيل، فلأن مصر ودولا أخرى في المنطقة، لا تضع ثقلها الى جانب الحل الذي يطالب به الفلسطينيون، إلا من باب رفع العتب بتقديم "وجهات النظر".
وسيعرب الرئيس مبارك، من دون أدنى شك، عن "رأيه". فهو هناك صاحب "رأي" لا صاحب قضية.
ولكن بأي معنى تكون إيران هي.. "القضية"؟ فمصر لا حدود لها مع إيران. ونظريا، على الأقل، فان "التهديد" النووي الإيراني مصدر قلق لاسرائيل، لانه يخل بتفوقها الاستراتيجي في المنطقة. وحتى إذا كان "التهديد الإيراني" لا معنى له كتهديد عملي، فان مصر لا يزيدها ولا ينقصها منه شيء، لأنها في وضع يشبه المثل القائل: "المفلس في القافلة أمين". أما الخليجيون الذين يعتبرون التهديدات الايرانية خطرا مباشرا عليهم، فانهم موحدون في كتلة دفاعية إقليمية تحت مظلة "مجلس التعاون الخليجي"، وفوق ذلك، فهم يرتبطون باتفاقات دفاعية مع الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، مما يغنيهم عن التعويل على أي دور مصري.
هل سيقدم الرئيس مبارك "رأيه" للرئيس أوباما في شأن "الملف النووي الإيراني"؟ وماذا سيقول له؟ هل سيقول له شيئا لا يعرفه بشأن إيران؟ أم سيحدثه عن خطر تكفلت اسرائيل بتصديع رأس الولايات المتحدة بشأنه؟
مصر تعرف، كما تعرف الولايات المتحدة نفسها، ان الرئيس مبارك ليس لديه في الواقع، ما يقدمه بشأن الملف الايراني. حتى الرأي ليس مهما. فالموقف من إيران تحسبه الولايات المتحدة من حيث لا دخل لمصر به، إبتداء من تداخلات "الاحتلال المزدوج" في العراق، وصولا الى مقتضيات الشراكة الاستراتيجية بينها وبين إسرائيل، فـ"ليس لدى الكولونيل من يخاطبه" ولا ما يتحدث به.
وحكاية "الأمن الإقليمي" تبدو زائدة عن الحاجة أيضا. فللولايات المتحدة حضور مباشر في ترتيبات هذا الأمن، فعدا عن القوات، فان لدى واشنطن "خبراء" و"مستشارين" عسكريين وأمنيين في ثلاثة أرباع دول المنطقة، بما فيها مصر نفسها.
صحيح ان مصر رفضت الدخول في "المظلة الدفاعية" التي اقترحتها واشنطن على دول المنطقة "لمواجهة التهديد الإيراني"، إلا ان "الشراكة" المصرية الأميركية المتعددة الأوجه تجعل من الانخراط الرسمي في هذه المظلة أمرا لا مبرر له. و"فائدته" الوحيدة هي انه سيزيد الصداع الداخلي على رئيس يحاول أن يعد ترتيبا هادئا لانتقال السلطة (بعد عمر طويل) لواحد من "قادة" الحزب الحاكم (وهو من قد يكون بالصدفة، واحدا من أبنائه).
والغاية الوحيدة من "المظلة الدفاعية" هي أن تبيع الولايات المتحدة أسلحة لدول المنطقة. ومصر أفقر من أن تشتري ما تعده وزارة الخارجية من قائمة مبيعات.
ماذا بقي لدى "الكولونيل" ليتحدث به؟
المصالحة بين "فتح" و"حماس"؟ حسنا، فحتى هذه المصالحة غير مطلوبة من واشنطن. المطلوب هو ان يكون هناك فلسطينيون مستعدون لتوقيع اتفاق سلام مع إسرائيل. وهذا الاتفاق جاهز تقريبا. وهو لا يحتاج وساطات ولا دورا من مصر. والمشكلة التي يواجهها الرئيس الفلسطيني محمود عباس تقترب من الحل، من تلقاء نفسها. فحصار غزة يبدو أنه يؤتي ثماره بإضعاف حماس وكشفها كحركة قمع وتسلط وارتكاب مجازر من داخل مشروعها الإسلاموي. وهو حسم جانبا من مشكلة الشرعية بعقد مؤتمر لحركة فتح، كبرى فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، انتخبه بالإجماع. وتدل بعض المؤشرات انه لو جرت انتخابات رئاسية غدا، فان عباس سيفوز بها من دون منازع تقريبا. وإسرائيل ستعتقل أو تقتل أي مرشح جاد يقف ضده على أي حال. وهو ما يعني أن مستقبل الأوضاع الفلسطينية "قضية" إسرائيلية لا دور لمصر فيها.
هل هناك، إذن، شيء يستطيع الرئيس مبارك أن يفعله في دارفور، مثلا؟
الجواب البسيط هو: لا. فهذه المعضلة ليست مصممة لكي يكون لمصر دور فيها. وبانتظار انتخابات عام 2011 لتقرير مصير جنوب السودان التي ستتحول الى حرب أهلية مجددا، فان الأزمة في دارفور ستظل مشرعة بين مد وجزر حتى يجد الجميع نفسه غارقا بكارثة تؤدي الى تفكك السودان تلقائيا.
وحتى ذلك الحين، فان قطر يمكن أن تكون أنفع، في ترتيب الوساطات، من مصر. صحيح أن دارفور يمكن أن تكون "قضية حدودية" بالنسبة لمصر، ما كان يجوز بالنسبة لمعايير الماضي، أن يتدخل فيها الآخرون، إلا أن "الانسحاب" المصري من جميع الأدوار يجعلها اليوم في غنى عن الانشغال بأي قضية، أو الاهتمام بأي شيء.
يبدو الرئيس مبارك مشغولا بالكثير من الأمور، ولكن في الواقع، ليس لدى الكولونيل ما يفعله. كما ليس لديه ما يتحدث فيه، ولا من يُكاتبه.
هناك شيء واحد ربما يستطيع أن يدلي الكولونيل بانطباعات مثمرة عنه للصحافة الأميركية، هو أن قوانين الطوارئ التي يحكم بها بلاده منذ 28 عاما ما تزال تؤدي الهدف منها، في كبح أي حاجة للتغيير.
"ولماذا التغيير؟"، سيتساءل الكولونيل. "ليه؟ وعلشان أيه. محنا كويسين كدة".