مبارك .. شاعر يلتقط الصورة الحية الطازجة

قارئ ديوان "ومضة في جبين الجواد" يقف ملياً أمام شاعر يمتلك أدوات الشعر: الخيال، واللفظ، والعاطفة، والإيقاع والموسيقى، والأسلوب.


سمات تلاقت في جعبة الشاعر واكتملت حتى أصبح الشاعر من كثرة ما يلاقي من أعباء ثقيلة، وأمانٍ تذروها الرياح يستعين بحكمة الأب


الشاعر أحمد مبارك تسيطر عليه نزعة دينية إسلامية خالصة، وينضح قلبه بصدق هذه العاطفة

كان الشاعر الراحل أحمد محمود مبارك (1947 - 2019) شاعرا مجيدا، وما عرفته الإسكندرية قرزاما. وأنت إذا قرأت شعره لأدركت ما فيه من موسيقى الشعر ومتانة السبك والذوق الثاقب ما جعل الناقد د. محمد زكريا عناني أستاذ الأدب بجامعة الإسكندرية يقول: "إن تجربة مبارك الشعرية يبنيها بمهارة فائقة متكئاً بصورة أساسية على الصورة، فإنك تبهر بهذه القدرة على التقاط الصورة الحية الطازجة التي تتفاعل مع التجربة التي يرسم أبعادها."
وفي ديوانه "ومضة في جبين الجواد" الذي ما كان لومضته الباهرة إلا أن تخطف الأبصار وتعلق بالأفئدة، وما كان لمتلقي هذا الكيان الشعري الفياض بالمعاني والنغم أن يخشى عتمة الغموض أو فتنة الحداثة أو المصطلحات الخداعة، والعجمة، والالتواء عن القصد.
فقارئ هذا الديوان سيقف ملياً أمام شاعر يمتلك أدوات الشعر: الخيال، واللفظ، والعاطفة، والإيقاع والموسيقى، والأسلوب الذي يوائم بينهما. وشعر مبارك يتنزه عن التعقيدات اللفظية، والمجازات المصطنعة، وإن غلب عليه إحساس متراكم بالحزن والوحدة التي امتصت بلا رحمة نضارته وحيويته وآماله.
وإنك لتعيش هذا الوجد وهذه العاطفة عندما يقول:
قال لي ذات يوم أبي ..
وضيا وجههِ ينفض الغيم عني 
وراحتهُ ..
فوق صدري ضماد
..  لست أول من شربت
جهده،
يا بني بذور الأماني 
وقهقهت الريحُ
في قبضتيه
أوان الحصاد
كل هذه السمات تلاقت في جعبة الشاعر واكتملت حتى أصبح الشاعر من كثرة ما يلاقي من أعباء ثقيلة، وأمانٍ تذروها الرياح يستعين بحكمة الأب وهو مشوق إلى راحتيه فوق صدره المثقل بالغيم والجراح، وتجربة الشاعر في هذه القصيدة ليست تجربة ضيقة محدودة، بل هي تجربة شاعر مرهف أحبطته الأيام وبعثرت أحلامه:
لست أول من شربت .. يا بني 
بذور الأماني .. وقهقهت الريح ..
وهذه اللغة الرقيقة الشفافة تبدو من أبرز السمات، فالشاعر يتخير لغة شاعرية في جمل موسيقية شديدة التفرد:
لا تطل .. يا بني
بكهف القنوط .. الرقاد 
والشاعر أحمد مبارك تسيطر عليه نزعة دينية إسلامية خالصة، وينضح قلبه بصدق هذه العاطفة، ومن هنا جاءت لغته الشعرية تحيي هذا المضمون وتثريه في إيجاز شديد، فنجد الشاعر يلفظ اليأس وملكةِ شعره تسبح مع قول الله تعالى: "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله".  

Poetry

وإن التصوير الدقيق للكلمة الشاعرة يُعنى بالشكل والمعنى ولا جدال أن استثارة الحس الوطني أصعب ما في الفن، لأنه يستوجب قدراً عالياً من رقة الإحساس ومعرفة بالتاريخ قديمه وحديثه، وعلم موسوعي باللغة ليتمكن الشاعر من انتقاء الكلمة المناسبة لتصوير ما يعتمل في نفسه. 
تقرأ قصيدة "القدس" مسرى النبي مُحمد، فتحرك مشاعرك وتتجسد الألوان من الحركة وتمور أمامك الساحة بالسيوف تلمع بضوء النهار والخيول النافرة تجول وتصول:
هلاَّ رجعت وسيفنا مسلول
وبساحنا خيل الإباء تصول 
هلاَّ أعدت إلى دمانا ومضة
أودى بأنجمها ونى وأفولُ
بردت دمانا، واختفت نجماتنا
وغفت بغيمات الهوان خيول
والمتذوق سيستشعر معي ذلك الهوان الذي أصاب الأمة، حتى إن الخيول همدت قواها وخار العزم منها. وإذا تأملنا نلاحظ أن الشاعر قادر على توجيه المتلقي إلى موسيقاه المختزنة بداخله.
ومبارك يسلط الضوء على الباطل، ولا يخدعه صرحه، وإن طاول الجبال، يقول:
يا أيها الباطل
لا يخدعك
ذاك الانتصار ..
فإنما مصير صرح الرمل
أن ينهار
وقضية البوسنة والشيشان ساورت شاعرنا فأرسل رسالة تحذيرية إلى الطاغوت الحاقد على الإسلام والمسلمين، يثير فيها النخوات، ويؤجج الثارات، يبكت ويندد، ويسكب روحه الثائرة في أبيات:
فكل صخور الطواغيت
لن تطفئ النور
في مهج المسلمين
يقين بأن ..
نداء المآذن
يسري سنا في القلوب
ولو غال سيل الضغائن
نور القباب
ثم يقول في أسى وغضب بألفاظ مصفاة فصيحة تساير الأخيلة والمعني:
وتنثر في البوسنة
المستحمة بالدم
والغيم
زهر الأمان
وتدفع كيدك نحو محاق الهوان
ولغة شاعرنا أحمد مبارك يتجلى فيها الموروث التراثي الذي خلع عليه جدّة الحاضر.
وللقارئ أن يدرك قدر التأثير في قوله:
فإن كان يمهُل،
فالله لا يهمل الظالمين
وهو تعبيرُ قديم حديث، ولن ينتهي ما دام بديله لا يبرح عقولنا كلما حاق بنا الظلم.
"يمهل ولا يهمل"، ومن هنا فقد أضحى التركيب المأثور لديه جزءاً من تجربته الشعرية دونما زيف أو افتعال.