مبادرتا أبو مازن وهنية ... تكتيك احتوائي للحركة الشعبية

بقلم: محمد بهلول

المبادرة المشروطة التي قدمها الرئيس أبو مازن في خطابه أمام المجلس المركزي الفلسطيني في دورته الأخيرة (17/3/2011) لإنجاز الوحدة وإنهاء الانقسام، والتي انطلقت من ضرورة إنجاز حكومة وحدة وطنية وإن بشكل غير مباشر، أي عبر شخصيات مستقلة وتكنوقراطية تذهب إلى الانتخابات الرئاسية والتشريعية، الترحيب الحماسي التكتيكي الأولي، والتي أكدت مصادر مطلعة لما يجري في المطابخ الحمساوية المختلفة للانقضاض عليه من خلال تفسيرات حول تواجد مساحة واسعة من التباينات والاختلافات حول مضمون المبادرة داخل الجسم القيادي لحماس، ومع ذلك فإن الترحيب الأولي يدل على أن حماس لم تعد تنظر إلى الرئيس أبو مازن بوصفه مفرطاً بالحقوق الوطنية، وبذلك تتمظهر للجميع الذهنية البراغماتية للرؤية السياسية الحمساوية.

كما أن العديد من قادة حماس (ناطقيها الرسميين على وجه الخصوص) تحدثوا على أن مبادرة أبو مازن ليس سوى ردّ على مبادرة إسماعيل هنية؛ الذي وضع أيضاً شروطاً مسبقة.

لعبة الشروط والشروط المضادة تشكل أحد المؤشرات الهامة، بأن هذه المبادرات ليست سوى إطلاق بالونات في الهواء، هدفها الرئيسي يكمن في مكان آخر، وبالتأكيد ليس في خدمة المصالحة وإنجاز الوحدة، فمن يريد المصالحة عليه الدخول في ممر المراجعة والتقييم الموضوعي لكل التجربة السياسية والمجتمعية للحالة الفلسطينية من خلال الحوار الوطني الشامل، الذي يجمع الكل الفلسطيني "سياسياً ومجتمعياً وجغرافياً" للوصول إلى اتفاق سياسي ـ تنظيمي شامل.

من الناحية الأخرى؛ بات من الواضح عبر استطلاعات الرأي وأدوات قياس المزاج الجماهيري (عبر مؤسسات محايدة)، بأن الانتخابات لا تخدم مصالح فريق محدد، يرى نفسه في وضع مريح نسبياً وبانخفاض مستوى الضغوط عليه، بعد نجاح الثورة في مصر، والحركة الشعبية العارمة الداعية للتغيير في العالمين العربي والشرق أوسطي)، لذلك نرى أن أبو مازن يدرك هذا أكثر من غيره، لذلك فإن خطابه المشروط تلقفته حماس بالمناورة، أبو مازن يدرك أن حماس غير جاهزة لإنهاء الانقسام، وعليه تقدم بدعوة تكتيكية أيضاً لكسب الزمن والجمود في المربع الصفر.

لنوسع اللوحة قليلاً، إيران أعلنت موقف مما يجري في البحرين، كذلك فعل رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي والمرجع آية الله السيستاني، وهذا يتسع لينطلق من البحرين، إلى عُمان والسعودية وكذلك اليمن، في المقابل دول مجلس التعاون الخليجي؛ السعودية في المقدمة أدخلت قوات إلى البحرين، كذلك فعلت الكويت وقطر والإمارات.

حماس الآن في محور معين، يقابله محاور متعددة الآن (بعد 11 شباط) بعد أن كان محور واحد قبل سقوط مبارك.

المحاور المختلفة تؤكد أن العديد من الدول لا تريد إنهاء الانقسام، بل على العكس تعميقه وتعميمه في دول أخرى (لبنان، الخليج، اليمن) لخدمة مصالحها وأجندتها، وهذا ما يجد ترجمته الواقعية على الحالة الفلسطينية.

إن مراجعة المرحلة القصيرة السابقة؛ تؤكد أن حركة حماس لديها أداة قياس وحيدة ولن تتراجع عنها، ألا وهي الهيكلة المتزامنة للقوى الأمنية في كل من الضفة وقطاع غزة وعلى قاعدة المحاصصة، من الجانب الآخر إذا أخذنا هذا القياس وهو مؤكد؛ نعرف أن السلطة الغير مستعدة للتعاون أو الإشراك ولو بحدود دنيا لفصائل منظمة التحرير الفلسطينية، لعرفنا أن الأمر مستحيل بالنسبة لحماس دون أن ننفي بالتأكيد التدخل والضغوطات الإسرائيلية الفجّة، والتي حدث بنتنياهو إلى توجيه الخيار للسلطة بين السلام مع إسرائيل أو المصالحة مع حماس.

خطاب أبو مازن لم يقدم مفتاح في حوار إنهاء الانقسام، تماماً كما لم يقدم هنية أي جديد، كلا القوتين تريان بما يجري في المنطقة، بأنه يخدم واقعهما ومصالحها، ولعل المتابع لموقف كلا القوتين من الحركة الشبابية المناهضة للانقسام، يدرك بأنهما تسعيان إما لحرف هذه الحركة واستغلالها، وإما لكسرها والبطش بها، هذا ما حدث في غزة، تماماً كما حدث عندما ضربت أجهزة السلطة تجمعاً لحماس في نابلس.

إن جدول الأولويات في الفعل الوطني يجب أن يتجاوز الانقسام الغير مرئي، إمكانية تجاوزه في الزمن القريب، مع إدراكنا أن قضية الانقسام موجعة ويعزي إليها كل التردي القائم في الحالة الفلسطينية، المطلوب الأساس الذي يمكن من توليد ضغوط تكسر حواجز فتح وحماس ومن ورائهما، ألا وهو دمقرطة المجتمع، فبدون إشاعة الحياة الديمقراطية بما هي ثقافة، تقاليد ومؤسسات في صفوف المجتمع، ويجب أن لا ترتبط هذه القضية بـ "فيتو" حماس أو أوساط في فتح، ولا الخوف من شعار "لا انتخابات في ظل الانقسام" كل أشكال الانتخابات مطلوبة وبحسب الظروف الواقعية وأوليات الحاجة، المطلوب الدفع بمئات الألوف من أبناء الشعب الفلسطيني في الوطن وأماكن اللجوء والشتات في أوسع عملية انتخابية من الأدنى إلى أعلى، من الأصغر إلى الأكبر وعلى قاعدة جديّة من الديمقراطية وقوانين التمثيل النسبي الكامل، ما يجري حتى اللحظة هو عمليات فوقية "اتفاقات، تفاهمات، تنسيب"، لكنها لا تحرك ساكناً في الحياة الشعبية ولا ترسِ ثقافة وتقاليد ديمقراطية، ولا تنتج مشاركة شعبية في الحياة السياسية "استثناء بعض الانتخابات الجامعية".

إنهاء الانقسام يستدعي بالضرورة تنظيم المظاهرات، تزخيم الحركات الشبابية، وإن تدخل فيها كل القوى الديمقراطية، اليسارية والليبرالية والمجتمعية المدنية منذ اللحظة الأولى، بدون مئات الألوف في الشوارع لا يمكن الحديث عن إنهاء الانقسام.

محمد بهلول

كاتب عربي فلسطيني ـ دمشق