مباحثات القاهرة: الوضع الفلسطيني والموقف السياسي الراهن

بقلم: ماجد كيالي

تجري مباحثات القاهرة بين الفصائل الفلسطينية في ظروف جد خطيرة، لا سيما بعد أن وصلت الانتفاضة إلى أفق مسدود، بنتيجة استفراد إسرائيل بالشعب الفلسطيني والتفاف الإسرائيليين حول شارون وبسبب انكفاء الوضع العربي على همومه وأحواله، على خلفية التحسّب من تداعيات الحرب ضد الإرهاب والحرب الاميركية المبيتة ضد العراق، وبالنظر لتحكم صقور الإدارة الاميركية، من اليمين المحافظ، بدفة السياسة الدولية وعملية التسوية والترتيبات الاقلميية في المنطقة.
وفي ظل هذه الأوضاع الدقيقة، يبدو أنه ليس ثمة بديلا أمام الفلسطينيين من التوافق على استراتيجية سياسية وكفاحية، توحد إمكانياتهم وتعزز صمودهم وتنظم طاقاتهم وترشّد نضالهم، وفق ما تمليه المصلحة الوطنية، وعلى أساس التمييز بين الشعارات والطموحات والمصالح الفصائلية، وبين الحسابات السياسية القائمة على المعطيات الدولية والإقليمية الراهنة وموازين القوى السائدة وتفاعلات الصراع بينهم وبين الإسرائيليين والتحديات الناشئة عنه.
بناء على ما تقدم فإن الفلسطينيين معنيون، في هذه المرحلة، بالاتفاق على ثلاثة قضايا: أولها توضيح خطابهم السياسي، وثانيها، تعيين استراتيجيتهم النضالية، وثالثها، تحديد شكل علاقاتهم الداخلية.
في الجانب الأول، وبغض النظر عن مشروعية الطموحات وعدالة القضية، فإن المرحلة السياسية الراهنة بمعطياتها الدولية والإقليمية، والفلسطينية أيضا، كما تتمثل بالجغرافية البشرية للانتفاضة التي تجري في إطار الضفة والقطاع، تفرض على الفصائل الفلسطينية التوافق على استراتيجية سياسية قوامها دحر الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية، على اعتبار ذلك نتاجا لنضال الفلسطينيين وإسهاما في تحديد حدود المشروع الصهيوني، وكسرا له في ركيزتين أساسيتين: "أرض الميعاد" ونفي وجود الشعب الفلسطيني (فكرة أرض بلا شعب).
وعلى ذلك ينبغي تجنب الجدل الذي يرى في قيام دولة فلسطينية أولا تفريطا بحق العودة للاجئين، فثمة ارتباط وتكامل بين الأهداف الفلسطينية، وليس ثمة تعارض بين تحقيق مصالح جزء من الشعب الفلسطيني مع مصالح جزء أخر منه، على طريقة تحقيق كل شيء أو لا شيء، خصوصا في ضوء الإمكانيات الراهنة والمنظورة، لأن ذلك يعني إبقاء فلسطينيي الأراضي المحتلة، الذين يصنعون الانتفاضة ويقدمون التضحيات الباهظة، تحت أسر الاحتلال. وفي الواقع فإنه ثمة حاجة للاجئين الفلسطينيين في قيام دولة فلسطينية، فهي أيضا نتاجا لنضالهم، ويمكن الاستنتاج بأن حال الفلسطينيين مع وجود دولة أفضل بكثير من عدمها، بالنسبة لهم وفي مواجهتهم لإسرائيل لتحقيق باقي أهدافهم التي من ضمنها حق العودة، أو بالنسبة لتعزيز مكانتهم في العالم، وحتى بالنسبة لاستمرار نضالهم من أجل قيام دولة ثنائية القومية أو ربما دولة ديمقراطية علمانية لكل مواطنيها، فوق أرض فلسطين التاريخية؛ لأنه في مثل هذا الحل يمكن تذويب مختلف الجوانب المعقدة للقضية الفلسطينية، ومن ضمنها حق العودة للاجئين الفلسطينيين.
وفي الجانب الثاني المتعلق بوسائل النضال فإنه من الخطورة بمكان تقديس شكل نضالي بعينه كما ثمة خطورة من إظهار الفلسطينيين العزل من السلاح، وكأنهم قوة عسكرية، بدلا من إظهارهم على حقيقتهم بوصفهم شعب يخوض معركة التحرر الوطني وكضحايا لاستعمار إسرائيل وإرهابها وعنصريتها.
ومع التأكيد على مشروعية النضال بكافة الأشكال ومن ضمنها المقاومة المسلحة ضد الاحتلال، فإن الفلسطينيين معنيون بدراسة جدوى أشكال النضال التي يخوضونها والتي تمكنهم من الاقتراب من أهدافهم وتحقق التكامل مع استراتيجيتهم السياسية.
وبالأساس وطالما أن الانتفاضة حالة فعل في الحدود الجغرافية والبشرية للضفة والقطاع، فإنها بأهدافها السياسية محكومة بهذه الحدود، لذلك فثمة أهمية لتركيز المقاومة المسلحة ضد الوجود الإسرائيلي الاستيطاني والعسكري في هذه المناطق، فالفلسطينيون في الأرض المحتلة (1967) لا يستطيعون لوحدهم، حمل عبء تحرير فلسطين؛ وإذا كان هؤلاء يملكون، لوحدهم، إمكانية زعزعة استقرار إسرائيل، من النواحي السياسية والاقتصادية والأمنية، فإن هزيمتها (حتى على مستوى الاحتلال) يحتاج إلى معطيات وضغوطات دولية وعربية غير متوفرة الآن.
ويستنتج من ذلك أن القيادات الفلسطينية (سواء سلطة أو معارضة) ينبغي أن تحرص على تفويت الاستهدافات الإسرائيلية بترشيد كفاح الشعب الفلسطيني وقيادته نحو هدفه بأصوب وأفضل ما يمكن، ما يفترض منها قيادة الشارع وليس الانقياد لغرائزه وعواطفه، وهذا هو جوهر العمل القيادي والسياسي الذي يرتبط بموازين القوى والتفاعلات السياسية، وهذا يفترض، أيضا، عدم التفريط بطاقات الشعب الفلسطيني بالزج بها مرة واحدة في معركة حاسمة، غير متكافئة وغير محسوبة سياسيا، لأن إطالة أمد الصراع وتنويع أشكاله هو الذي يمكن الفلسطينيين من كسب الجولات بالنقاط، وفي ظروف هي أكثر مواتاة بالنسبة لهم. وما ينبغي أن يدركه الفلسطينيون أنهم خلال الفترة الماضية ربما استدرجوا، وإن بشكل غير مباشر، إلى مواقع زادتهم غربة عن الواقع وهدرت طاقاتهم وضيعتهم في رياح السياسة الدولية والعربية غير المواتية.
وأساسا فإنه ينبغي الانتهاء من الثقافة السياسية السائدة التي تحصر الصراع مع إسرائيل بالوسائل العسكرية، فقط، فهذا الصراع ينبغي خوضه، حتى في حالة التسوية، بكل الإشكال: السياسية والاقتصادية والعلمية والتكنولوجية والثقافية، وبتحسين نوعية حياة المواطنين وتطوير النظم والعلاقات السياسية والمشاركة.
أما بالنسبة لقضايا الإصلاح، فثمة مشكلات كبيرة نابعة من طريقة إدارة القيادة الفلسطينية (قيادة م.ت.ف. والسلطة) للوضع ومن طريقة عمل المنظمات، الأبوية والسلطوية، وهي بحاجة إلى مراجعة للتخلص من العقلية الفردية والمزاجية، والتوجه نحو صياغة جديدة للبني والمؤسسات والعلاقات الفلسطينية، بحيث تحترم النظم والقوانين والأطر الشرعية وتكرس العلاقات الديمقراطية والقيادة الجماعية، على مستوى المنظمة والسلطة والمنظمات.
المشكلة في الساحة الفلسطينية أن الجميع يتحدث عن الإصلاح من دون أن يصلح أحد منظمته أو مؤسسته والكل يطالب بالديمقراطية والجماعية في حين أن الجميع يمارس عكس ذلك في إطاراته، ولاشك بأن المسؤول الأول والرئيس عن حال الفوضى والتكلس في العمل الفلسطيني هو الرئيس ياسر عرفات، من مختلف مواقعه القيادية، ولكن الفصائل الأخرى بقيادتها ليست معفية من هذه المسؤولية كل بقدر حجمه الذي يدعيه أو يمثله في الساحة الفلسطينية.
من ناحية ثانية فإن الحديث عن الوحدة الوطنية، كوحدة فصائل، بات بحاجة لمراجعة، لتعريف الفصائل الفلسطينية، على ضوء التجربة والممارسة، ولتعيين الفصائل الحية والفاعلة في الساحة الفلسطينية، وإلا بات الحديث ليس له معنى. ويمكن القول هنا، وعلى ضوء التجربة، بأن الصيغة الديمقراطية الأفضل للعلاقات الداخلية إنما تتطلب العمل على تكريس صيغ التمثيل النسبي، لأن هذه المعادلة تكفل إعطاء الفصائل الفاعلة والكبيرة حجما في المؤسسات الفلسطينية، كما أنها لا تغفل حجم الفصائل الأخرى، ومعنى ذلك أن التمثيل ينبغي أن يكون على حسب الدور، وهذا ما يحفظ التوازن والتعددية في العمل الفلسطيني.
أخيرا فإن الفلسطينيين، وبعد هذه التجربة المريرة، معنيون بتحديد ما الذي يريدونه، لأنفسهم أولا ثم للإسرائيليين وللعالم، فإذا كانوا يريدون حلا على شكل دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، أو دولة ثنائية القومية أو اتحاد كونفدرالي أو دولة ديمقراطية علمانية، فإنهم معنيون أيضا بمعرفة الوسائل السياسية والكفاحية التي تتناسب مع الحل الذي يريدونه، لفضح جوهر الاستعمار العنصري الصهيوني، وبإنتاج خطاب سياسي حضاري لا يتمثّل عناصر الحقد والعدوانية والعنصرية في خطاب وممارسات عدوهم.
يبقى أنه ثمة تحفظ لدى البعض من فكرة إنهاء الصراع والواقع أنه من السذاجة الاعتقاد أن وثيقة ما يمكن أن تقرر ذلك، لأن الصراعات التي تحمل طابعا تاريخيا لا يمكن أن تنتهي إلا بانتهاء الأسباب التي أدت إليها أو بتحول أطرافها تحولا كليا، كما أن الصراعات لا تنتهي وإنما تتحول وتتغير أشكالها وأدواتها ومواضيعها.