ما وراء الأزمة السودانية: التخلف القبلي وليس هيمنة الشمال‎

منذ خروج الإستعمار كان حلم السودانيين بناء دولة ديمقراطية يحكمها دستور يُعلي قيم حقوق الإنسان وسيادة القانون. ولكن غايتهم لم تتحقق حتى تاريخه، لكثرة الانقسامات والخلافات الحزبية وغياب الوعي السياسي العام والوحدة الوطنية.

وللتأكيد يقول علماء التاريخ، فشلت المكونات السياسية في التأطير لبناء "أمة سودانية موحدة" تتكون من مشارب جهوية مختلفة ومذاهب دينية متباينة وقبائل متعددة، ولكنّها تكونُ ذات أهداف موحدة. فقد تركت الأحزاب السودانية المختلفة هذا الهدف وراء ظهرها وسعت وراء الكسب الحزبي السريع وتهافت قادتها خلف المكاسب الشخصية العاجلة. وهنا وجدت الانقاذ ضالتها واغدقت عليهم المال الوفير لكي تضمن صمتهم. وأفرطوا في استخدام التعصب الحزبي والنعرة الجهوية لخدمة ذلك الكسب وتلك المصالح، بل انّ بعضهم استغل الدين لتحقيق أجندة سياسية فخرج بالدين من مقصوده كجامع للأمة الى مُفرِّق لها، والبعض جوّز ما لا يجوز في سبيل ترسيخ حكمه، لذلك لجأ بعض السودانيين وخاصة في الأقاليم الطرفية لحمل السلاح بعد شعورهم بالتهميش السياسي والتنموي وتفاقمت مشاكل السودان لأنّ المشكلة تنشأ فلا تجدُ لها حلاً.

لذلك، أصبح واضحا بأن الأزمة السودانية ليست أزمة عابرة وإنما هي أزمة وطنية تمتد جذورها إلى فجر الاستقلال، وهي ليست مجرد صراع حول السلطة او هيمنة الشمال، لكن جوهر الصراع هو التخلف القبلي الذي يتهرب عن ذكره ابناء الاقاليم، لذلك أصبح تعبير «هيمنة الشمال» مصطلحاً دارجاً في القاموس السياسي السوداني .

واخيرا، يقول محمد أبو القاسم حاج حمد، الشماليون لم يصنعوا جغرافية السودان السياسية بهذا الاتساع البالغ مليون ميل مربع وبما يتجاوز جغرافيتهم المحدودة في الوسط والشمال وإنما صنعتها مصر وحافظت عليها بقوة تتكافأ مع إمكانياتها العسكرية والإدارية القهرية ثم ورث الشماليون ذلك وهم أضعف من قدرات مصر.

وكذلك لم يصنعوا اقتصاد السودان الحديث الذي صنعته بريطانيا وإنما ورثوه وهم أضعف من بريطانيا تقنيا وإدارياً فإذا كان الشماليون قد صعدوا إلى سدة السلطة والمراكز العليا ـ بحكم الأمر الواقع بوصفهم قاعدة القوى الاجتماعية الحديثة التي تأهلت بحكم المصالح الاستثمارية الاستعمارية - فإنهم لا يملكون قدرات بريطانيا وقدرات مصر.

فعوضاً عن مناقشة سلبيات الوسط والشمال (العربية/ الإسلامية) واستئثار الشماليين بما لغيرهم ـ دون أن نحدد ما كان بحوزة هذا الغير قبل أن يستولي عليه الشماليون ـ فمن الأصوب مناقشة لماذا عجز الشماليون عن إدارة السودان وبنائه اقتصادياً ودمجه في بعضه وطنياً؟

والإجابة... يخوض السودان منذ ما قبل استقلاله ومنذ مرحلة حكمه الذاتي الانتقالي (54 ـ 1956) حروباً دامية في الجنوب اشتعلت في أغسطس 1955 ثم توارثت أنظمة الحكم السودانية وإلى اليوم مشكلات الصراعات القبلية وما فوق القبلية (الإثنية)، وبالذات في غرب السودان. الأمر الذي حال ويحول دون تحقيق الوحدة الوطنية وتدامج أقسام المجتمع، إضافة إلى إهدار موارد الدولة المحدودة لكبح جماح هذه الصراعات التي اتخذت مسارات عسكرية مسلَّحة مخلِّفة العديد من القتلى والجرحى والمعاقين جنباً إلى جنب مع إبادة المواشي وإحراق المزروعات. وهكذا غدا السودان وهو الغني بمصادره الطبيعية وكثافته السكانية أحد رموز الفقر والمديونية في العالم الثالث.