ما هي سيناريوهات تشكيل الحكومة المغربية القادمة؟

الرباط
ترقب في انتظار التعيين الملكي

يشهد الشارع السياسي المغربي تحركات غير عادية على أكثر من صعيد، وكل الأعين مشدودة في اتجاه القصر الملكي، في انتظار المبادرة الملكية بتعيين الوزير الأول، بحسب مقتضيات الفصل 24 من الدستور المغربي، الذي ينص على أن الملك هو الذي يسمي الوزير الأول، الذي يقوم بدوره باقتراح لائحة بأسماء الوزراء، الذين ستتشكل منهم حكومته، ويعرضها على العاهل المغربي، ليقوم بتزكيتها بشكل رسمي.
وكخطوة أولى في هذا الاتجاه استقبل الملك محمد السادس رؤساء الأحزاب الستة، التي تصدرت قائمة الفائزين في الانتخابات النيابية، وهم عبد الرحمن اليوسفي عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وعباس الفاسي الأمين العام لحزب الاستقلال، وسعد الدين العثماني نائب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، نيابة عن عبد الكريم الخطيب، الذي يخضع لفحوص طبية بالمستشفى العسكري بالرباط، وأحمد عصمان عن حزب التجمع الوطني للأحرار، والمحجوبي أحرضان الأمين العام للحركة الوطنية الشعبية، ومحند العنصر الأمين العام للحركة الشعبية.
ومن الإشارات الأولى التي تلقاها المتتبعون للاستقبال الملكي، الذي تم بمدينة مراكش، هو استقبال العاهل المغربي لرؤساء الأحزاب كل على حدة، باستثناء الأمينين العامين للحركة الوطنية الشعبية والحركة الشعبية المحجوبي أحرضان ومحند العنصر، مما قوى من احتمال الإعلان القريب عن وحدة الحركتين، علما بأن حزب الحركة الشعبية كان قد انشق في السنوات الأخيرة عن الحزب الأم الحركة الوطنية الشعبية.
ومما زكى هذا الطرح تصريح المحجوبي أحرضان بعد لقائهما بالعاهل المغربي بقوله "لقد حسمنا في أمر وحدة الحركتين، اللتين أصبحتا حركة واحدة، وهي مستعدة وملتفة حول جلالة الملك، الذي يعود له أولا وأخيرا قرار تعيين الوزير الأول".
وإذا أخذ هذا المعطى بعين الاعتبار فستصبح الحركة الجديدة حزبا قويا، ومنافسا بارزا في المشاركة الحكومية المقبلة، إذ سيصبح عدد مقاعدها النيابية بعد الوحدة 45 مقعدا، وتحتل بذلك الصف الثالث، بعد الاتحاد الاشتراكي والاستقلال.

الترحال السياسي يحسم تشكيل الحكومة

وليس هذا هو المعطى الوحيد الذي يجعل من الخارطة السياسية المغربية كتلة من الرمال المتحركة باستمرار، وإنما هناك ظاهرة أخرى تطبع الممارسة السياسية المغربية، رغم ما تثيره من إشكاليات أخلاقية، وهي ظاهرة ما يسمى بـ"الترحال السياسي"، إذ من المتوقع أن ينتقل مجموعة من النواب، الذين فازوا بمقاعدهم تحت لافتة أحزاب سياسية معينة إلى أحزاب أخرى، مما يقلب الأرقام والتوازنات.
ومما تسرب للصحافة لحد الآن حول هذه العملية، فإن تغيير الألوان السياسية يصب لصالح حزبي الاستقلال والتجمع الوطني للأحرار، مما يقوي من احتمال تشكيلهما للحكومة المقبلة. فقد تأكد من مصادر من داخل حزب الاستقلال التحاق أربع نواب جدد بالحزب، مما يرفع عدد مقاعده إلى 51 مقعدا، ويجعل منه الحزب الأول.
ومن بين الأسماء التي أعلن عن التحاقها بالحزب محمد الحسايني، الذي فاز بمقعد برلماني باسم الحركة الديمقراطية الاجتماعية، تحت قيادة أمينها العام محمود عرشان.
وللإشارة فإن هذا الحزب عانى في الانتخابات الماضية أيضا من انسحاب نوابه، إذ دخل إلى قبة البرلمان بـ25 نائبا وخرج منها بـ7 نواب فقط. كما التحق أيضا بالاستقلال محمد اليعقوبي، الذي ترشح تحت لافتة حزب العهد، والذي لم يحرز سوى 5 مقاعد في الانتخابات الأخيرة.
وحسب مصادر الحزب فإن الاستقلال تلقى طلبات لما بين 8 و10 نواب للالتحاق بصفوفه، ونفس الأمر بالنسبة لحزب التجمع الوطني للأحرار، الذي أكد مدير ديوان أمينه العام أنه يدرس مجموعة من طلبات الالتحاق به، في حين نفى الاتحاد الاشتراكي ضمه لأي نواب جدد.
وإذا كانت الأحزاب المغربية الكبيرة تجد في نواب الأحزاب الصغيرة سوقا تدعم من خلاله مواقعها وقدرتها التنافسية، سواء داخل مجلس النواب، أو في الحكومة، فإن أحزابا أخرى لم تمكنها نتائج الاقتراع من تكوين مجموعة نيابية (المجموعة النيابية تتكون من 12عضو كحد أدنى)، مثل حزب التقدم والاشتراكية، الذي حصل على 10 مقاعد فقط، لم يتردد مسؤولوه في التصريح بأنهم بصدد بحث إمكانية التحاق نائبين برلمانيين من أحزاب أخرى بحزبهم.

من الأجدر بقيادة الحكومة؟

وفي إطار إرسال الإشارات حول الحكومة المقبلة، تتبادل الأحزاب الكبرى التصريحات فيما بينها. ففي حين يؤكد الاتحاد الاشتراكي أن احتلاله الصف الأول يعني ثقة المغاربة في مشروعه، ودعوته لاستكمال التجربة، التي بدأت مع حكومة التناوب، في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، قبل خمسة أعوام، كما صرح بذلك نائب الأمين العام للحزب محمد اليازغي.
وتسير صحيفة "الاتحاد الاشتراكي" الناطقة بلسان الحزب في نفس الاتجاه، مركزة على نتائج الانتخابات، التي تعطي لحزب اليوسفي الصدارة، مما يعني الرغبة في الاستمرار في قيادة الحكومة المقبلة.
ويرد حزب الاستقلال من خلال صحيفة "العلم" الناطقة باسمه بأن"الشعب الذي يسحب تسعة مقاعد برلمانية من حزب ما يعطي إشارة قوية على أنه يريد التغيير"، وذلك في إشارة إلى تراجع عدد مقاعد الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية مقارنة مع انتخابات العام 1997.
وتضيف "العلم" والشعب الذي يضيف 16 مقعدا أو يزيد لحزب ما بالنسبة للبرلمان السابق، تكون هذه إشارة واضحة على أنه يريد التغيير".
ويركز الاستقلاليون في حملتهم للإقناع بأنهم أولى بتولي الوزارة الأولى بارتفاع وتيرة الحركات الاحتجاجية، سواء في صفوف العاطلين عن العمل، أو في صفوف نقابات العمال في هذه الفترة بالذات، مما يعتبر رسالة واضحة للعاهل المغربي بأن الشعب لا يريد خمسة أعوام أخرى من التراجع الاقتصادي والاجتماعي.
أما حزب العدالة والتنمية الإسلامي، الذي احتل الصف الثالث في الانتخابات الأخيرة، فلا يزال يردد نفس العبارة التي أطلقها عقب الإعلان عن النتائج الانتخابية: "لن نشارك في حكومة يرأسها الاتحاد الاشتراكي"، في حين تلتزم بقية الأطراف المعنية الصمت، في انتظار التعيين الملكي للوزير الأول.
ورغم ذلك فإن مشاورات مكثفة تجري بين مجموعة من الأحزاب، في إطار البحث عن التحالفات الممكنة. ففي حين يؤكد نائب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية سعد الدين العثماني أن احدا لم يتصل بحزبه بقصد التشاور، حول التحالفات الممكنة، سواء في الحكومة أو في المعارضة، لم تنف أطراف أخرى وجود مشاورات سواء بين بعض أطراف اليسار المغربي، أو بين حزب الاستقلال وبعض أحزاب الوسط، مثل حزب التجمع الوطني للأحرار والحركة الوطنية الشعبية.

السيناريوهات المحتملة لتشكيل الحكومة

وحسب المراقبين للتصريحات والمشاورات الجارية على ضوء النتائج الانتخابية، فإن هناك أربع سيناريوهات ممكنة للحكومة المقبلة. ففي السيناريو الأول يتحدث المراقبون عن إمكانية تعيين الوزير الأول من حزب الاستقلال، ليشكل ائتلافا بمشاركة حزب العدالة والتنمية الإسلامي، إضافة إلى تجمع الأحرار والحركة الوطنية الشعبية والحركة الشعبية. وبهذه التشكيلة ستحصل الحكومة على أغلبية مريحة، ولن يكون هناك تنافرا كبيرا بين مكوناتها.
ورغم أن العدالة والتنمية يربط المشاركة بمدى مطابقة برنامج الحكومة لبرنامج الحزب، فإنه ما لبث أن أكد أنه يشعر بأنه أقرب إلى حزب الاستقلال من حيث المرجعية. كما أن بقية الأحزاب الأخرى المشكلة لهذا الائتلاف المحتمل ليست لديها مشكلة تذكر مع المرجعية الإسلامية، فالحركتان الشعبية والوطنية انشقتا في وقت سابق عن الحركة الشعبية الدستورية التي كان يتزعمها الدكتور الخطيب، والتي ستتحول إلى حزب العدالة والتنمية، بعد التحاق الإسلاميين بها.
كما أن حزب الأحرار وهو من الأحزاب المغربية التقليدية، التي نشأت في أحضان القصر الملكي، بحكم علاقة القرابة التي تربط بين أمينه العام أحمد عصمان والملك الراحل الحسن الثاني، ولا يبدو من خلال مواقفه ما يشير إلى إمكانية الخلاف المبدئي مع بقية المكونات خصوصا العدالة والتنمية.
والسيناريو الثاني الذي يتكهن به المراقبون هو أن يرفض العدالة والتنمية المشاركة في الحكومة فيحل محله الاتحاد الاشتراكي، تحت قيادة حزب الاستقلال، وبمشاركة الأحرار والحركتين الوطنية والشعبية، وإن كان هذا الاحتمال لا يطرح إشكالية الأغلبية، فإنه يعني أن الحكومة ستفتقد إلى المرونة الكافية لاتخاذ القرارات، بحكم التضاد والخلاف القائم بين الاستقلال والاتحاد الاشتراكي، والذي جسدته التجربة الحكومية الحالية.
أما السيناريو الثالث فهو تعيين الوزير الأول من الاتحاد الاشتراكي، مما يعني أن الائتلاف الحكومي سيكون على الشكل التالي الاتحاد الاشتراكي وحزب الاستقلال وتجمع الأحرار، وجبهة القوى الديمقراطية، وحزب التقدم والاشتراكي، والحزب الاشتراكي الديمقراطي، مما يعني تكرار التجربة الراهنة مع تغييرات بسيطة.
أما السيناريو الرابع والأخير الممكن، ودائما تحت قيادة الاتحاد الاشتراكي، فهو أن يرفض حزب الاستقلال المشاركة إضافة إلى الرفض المبدئي للعدالة والتنمية، فتتكون الحكومة من الاتحاد الاشتراكي، وتجمع الأحرار، والحركة الشعبية، والحركة الوطنية الشعبية، وجبهة القوى الديمقراطية، والتقدم والاشتراكية، والحزب الاشتراكي الديمقراطي.(قدس برس)