ما هي الاسس الفكرية للتنمية في سلطنة عمان؟

لندن
البداية مهمة

في سنة 1970 من القرن الماضي، كانت الدول العربية، عموما قد قطعت أطوارا متعددة من التغييرات والتعديلات في مساراتها العامّة، باستثناء عُمان، التي كانت وإلى حدود سنة 1964 تعيش في مشكلات داخليّة عديدة، حتّى استطاعت أن تستعيد وحدتها في تلك السنة.

ثمّ جوبهت بتحركات متعددة الاتجاهات، لم تكن قادرة على مقاومتها، إذ كانت تعيش مرحلة من العزلة والتخلّف حتى عن الدول العربيّة المجاورة لها، مما لا نحتاج إلى إعادة التذكير به هنا.

في 23 يوليو 1970 قامت عُمان بعمليّة تغيير لنظام الحكم، وابتدأت مسيرة جديدة، أنتجت نهضة حقيقية في جميع المسارات إذ زاوجت بين متطلّبات العصر الحديث وأسس الواقع، موروثا وحداثة.

ومما يلفت النظر أنّ ما حدث في عُمان منذ ذلك التاريخ، لم يكن تكديسا للبناء والمشاريع ولا ديكورا يغطّي واقعا متخلّفا فالبلد الذي يريد أن يبني نهضة حقيقيّة عليه أن يتبنّى نظريّة علميّة للنهضة، أي الانطلاق من الواقع ذاته، واثرائه بمنجزات العصر، مع إفساح أقصى حد ممكن من الحريّة للمواطن كي يعمل وينتج ويبدع.

ونرى أن عُمان، التي لا تحتاج إلى قصائد المديح، بقدر حاجتها إلى إثراء مسيرتها برؤى علميّة لما كان وما هو كائن وما سيكون، قد امتلكت فلسفة خاصّة لبناء نفسها، وهي فلسفة ذات أبعاد سياسيّة واقتصادية واجتماعية يكمل بعضها بعضا، لتقيم بناء ذاتها على أسس تحفظ لها مسارا متوازنا.

وسنركّز على واحد من تلك الأبعاد، وهو البعد الاقتصادي المنبئ بمفهوم خاصّ للتطوّر الاقتصادي. ومعلوم أن النمو الاقتصادي مفهوم يحتاج الى حركة مستمرة الى الامام، فلا يمكن ان تزداد معدلات النمو، من غير ازدياد العمل المثمر، والسيطرة على النزعة الاستهلاكية، والتزود بقيم النهضة وأخلاقياتها التي تريد مواطنا واعيا جديرا بصنع التطور، فالعمانيّون يؤمنون أنّ التنمية ليست غاية في حد ذاتها، وانما هي من أجل بناء الانسان الذي هو أداتها وصانعها، ومن ثم ينبغي ألا تتوقف عند مفهوم تحقيق الثروة وبناء الاقتصاد، بل عليها أن تتعدى ذلك الى تحقيق تقدم الانسان.

ومهما كان مستوى التطور في التنمية، فيجب على كل مواطن أن يعي أنّ مستوى معيشة أيّ فرد من أفراد المجتمع لا يمكن أن يقفز قفزات متوالية نحو الأعلى كل يوم، فان كل النظم الاقتصادية في العالم، عبر التاريخ، والى يومنا هذا، قد توافقت على نمط من التمايز بين الافراد والجماعات، وعلى حدود لا بد منها للدخول ومستويات المعيشة التي تستلزم توفر الأساسيات، والتصاعد نحو الكماليات حسب امكانيات البلاد وظروف مراحل النهضة.

وترفض النّهضة الحقيقيّة اتّخاذ غنى البلاد بالموارد الطبيعيّة، حتى إن وجد، ذريعة للتكاسل والتواكل، لأنّ تلك الموارد ناضبة حتما. ويبحث علماء الاقتصاد هذه الناحية، ويقرّبها R. E. Gave بمثال يقول أنّ الجندي يمكنه أن يحمل عصا المارشالية ولكنه سيظل جنديا لا مارشالا، بمعنى أن التنمية الاقتصادية أرقام ووقائع وتلاؤم مع إمكانيات البلاد، لا رغبة عشوائية في الاستهلاك كيفما اتّفق.

والمجتمع لا يحقق سعادته بذلك الاستهلاك، بمقدار ما يحقق سعادته عبر الانتاج ولذا فان زيادة الانتاج وترشيد الاستهلاك قاعدتان اعتبرهما عدد كبير من علماء الاقتصاد المعاصرين، من أمثال G. Lipsey وD. Gabor بمثابة الهدف النهائي للكفاح الاقتصادي.

غير ان الفكر الاقتصادي العُماني كان أكثر تعمّقا في هذه القضية، فلم يعتبر زيادة الانتاج وترشيد الانفاق بمثابة الهدف النهائي، بل بمثابة مرحلة توصل الى النهائي، وهو الاكتفاء الذاتي لبناء مجتمع الرخاء والرفاهية.

ويشكل هذا الهدف فكرة رئيسية قوية على الاخص في المسعى العماني على صعيد الاقتصاد والمجتمع. وبالرغم من ان بعض المنظرين الاقتصاديين يعولون كثيرا على الاستهلاك أو ما يسمى بـآلية السوق لدفع الانتاج نحو مزيد من النمو والتطور، فان هذه الأفكار نظرية، فحسب، لا تصلح لكل الظروف والبلدان.

أما على صعيد الواقع العملي والخبرة التي اكتسبها العُمانيون من معايشة الواقع، فان الاستهلاك ليس له ذلك الدور في تطوير الانتاج، بل على العكس، تماما، ففي حالة ترشيد الانفاق، ومنه الاستهلاك بطبيعة الحال، فان المجال سيكون مفتوحا أكثر للتصدير الى خارج البلاد.

وثمة أسباب أخرى تجعل الفكر الاقتصادي العماني لا يعول كثيرا على الاستهلاك أو آلية السوق، منها أن الاستهلاك في جميع النظم الاقتصادية متغير القيمة والكمية، لأنه تتحكم فيه الاختيارات التدريجية التي يمارسها الافراد استجابة لمركزهم الاجتماعي المتغير بطبيعته، وكذا امكانياتهم المالية، ومرحلة التطور التي تمر بها البلاد.

وهذه المراحل، أيضا، تتحكم بها جملة من العوامل، لعل أبرزها في هذا السياق، مسألة إحلال اليد العاملة المحلية بدل العمالة الأجنبية، وهو ما يسمّى في عُمان بـالتعمين، فبمقدار ازدياد الأيدي الوطنية العاملة، يزداد الاقبال على المنتج الوطني، زراعيا كان أم صناعيا، اضافة الى التوفير المالي الذي تحظى به البلاد إذ يقل تسرب المال الوطني الى الخارج.

وهو ما ورد ذكره في النّصوص الاقتصاديّة العُمانية كثيراً. وبهذا المعنى، يمكن اعتبار التعمين في أي موقع في مستوى التسلسل الهرمي بمثابة تسهيلات خاصة للمواطنين كي يمارسوا دورهم في التنمية.

وبما ان التوسع الاقتصادي يزيد الوسائل التي يمكن اتاحتها للتعليم والتدريب، ويزيد ايضا على الصعيد العملي نصيبها من هذه الوسائل، فان قوة اليد العاملة، تصبح أفضل تجهيزا لكي تشغل الوظائف المؤهلة لها. فكيف تنسق الرغبة المتزايدة في تأدية أعمال ذات مستوى أعلى مع الوجود المحدود لهذه المراكز؟ إنّ أحد الأشكال غير المباشرة للتعديل هو تغيير مفهوم الوظائف ذاتها لدى المواطنين فالمناصب، أيا كانت، لا تُطلب لذاتها بل لما فيها من مكاسب وطنية، وبما يتلاءم مع المؤهلات الفردية لمن يتطلّع الى شغل تلك الوظائف.

وقد أقدمت عُمان على معالجة هذه النزعة وتجريدها من خطورتها، بأن بنى رؤيتها للمسألة الاقتصادية على هذه الأسس:

- انّ العمل واجب على كل مواطن قادر.

- العمل وسيلة لتحقيق المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة نحو إغناء الحياة بخصائص المدنية المحكومة بنظم الاجتماع.

- وهو مظهر من مظاهر الاستخلاف ذلك أن سلم الوظائف ومواقع العمل محكومة بقواعد وضوابط وقوانين تمليها مرحلة النهضة، وإنّ التنافس عليها لا ينبغي أن يكون هدفا بحد ذاته، وانما المراد التنافس في العمل، انسجاما مع المصالح المشتركة وخصائص المدنية.

- العمل أساس التقدم الحضاري، والوحدة الاجتماعية، مما يؤثر تأثيرا قويا في الوضع الاقتصادي، بل في مجمل الوضع الحضاري للبلاد.

- العمل هو الذي شاد الحضارات، وآثار الآباء والأسلاف خير دليل على دور العمل في بناء الحضارات، بحيث لا يصبح هناك فرق بين عمل وعمل، فلا يوصف هذا بأنه لائق، ولا ذاك بأنه غير لائق.

- إنّ الميزانيات الضخمة التي رصدت للتعليم، هي استثمار يجب أن تكون نتيجته ممارسة المواطنين للعمل في أي موقع وأي مستوى.

- فتح أبواب المهن التقليدية وتشجيع العاملين بها، لأن من شأن تلك المهن، تصاعد المنجز التنموي والاعتماد على الذات.

- إنّ المسؤولية خدمة للشعب وليست امتيازا وهذه نظرة متقدمة جدا لأنها تلغي الاتكال على الوظيفة الحكومية، فذلك الاتكال أصبح همّا معرقلا للنمو في كثير من البلدان.

- وبالرغم من كل ذلك، فان الفكر الاقتصادي العُماني يفتح الباب على مصراعيه للمواطنين كي ينال كل منهم المنصب اللائق به، ذلك أنّه يعتبر الوظائف حقا لكل مواطن مؤهل لها.

ونتيجة للاسس التي قامت عليها الفلسفة العمانية لادارة شؤون الدولة والمجتمع، فان الفكر الاقتصادي العماني قد أوجد بدائل عدة، تتمثل في العمل الخاص، والقطاع الخاص، والمهن التقليدية، وتشجيع المواطنين على العودة الى الزراعة والصيد وغيرها من الانشطة الانتاجية النافعة لهم ولبلادهم. مع ملاحظة أنّ الاجور والمكافآت في حالة الوظائف الحكومية محدودة باعتبارات عدة، اما في القطاعات غير الحكومية فهناك هامش اكبر لأجور اعلى.

وقد زادت التغييرات البنيوية في عمان، في القوة العاملة للنظام الاقتصادي بشكل عام، ومن المؤمل استمرار ذلك. فعدد الاشخاص الذين يزرعون الاشياء او يصنعونها يجب ألا يتناقص، وعدد الاشخاص الذين يقدمون الخدمات والمشورة والاشراف يجب ألا يتزايد إلا لمقتضيات الحاجات الفعلية لأنّ من شأن تناقص المنتجين من الأيدي العاملة الصناعية والزراعية إلحاق أفدح الأضرار بالمسيرة الاقتصادية.

وقد استطاع الفكر الاقتصادي العماني أن يضع حلا شاملا لهذه الظاهرة، ونعني بها تناقص المنتجين وتزايد الموظفين الهامشيين، وذلك باتباع سياسة وقف الترهل من جهة، وتشجيع عملية الانتاج والقيمين عليها، والقضاء على البطالة المقنعة وايلاء أهمية قصوى للتعليم المهني، والتدريب، من جهة أخرى.

وهذه السياسة يمكن أن تقوم بدورها، في حالات مشابهة بايجاد مخرجات للضغوط التي يولدها تزايد التعليم والتحسن الصحي على سلم الوظائف الحكومية، لتكون ثمة مجالات أخرى يؤدي فيها المواطنون المهنيون أعمالهم. فالتقدم التعليمي نفسه يجعل الذين حققوه اكثر انتاجية، على الصعيدين الفردي والاجتماعي معا، ويكون لهم تأثيرهم الكبير في النظام الاقتصادي ككل.

إنّ هذه النظرية حول التأثير الاقتصادي للتعليم قد شكلت الفرضية الأساسية لتطور مفهوم رأس المال البشري المعبّر عنه بالتعمين وهو المفهوم الذي تبنته عُمان منذ بواكير النهضة. وقد ساعدت هذه النظرية على تفسير كون النمو الاقتصادي والاجتماعي في سلطنة عمان قد تجاوز، الى حد بعيد، النمو الذي يمكن أن ينتجه الجهد المبذول على شكل يد عاملة غير ماهرة ورأس مال غير موظّف بالطريقة الصحيحة، حيث ان نوعيّة المنجزات وكمّيتها أيضا قد تعززت، عن طريق الثقافة والبحث العلمي معا، بتحسن المهارات البشرية ونوعية التقنية.

ولم تنحصر حصيلة الثقافة في التثقيف ومحبة الخير العام ففي إطار وجهة النظر المذكورة، والتي أكدتها دراسات اقتصادية حديثة، من أمثال تلك التي قدّمها P. RossوA. SmithوW. Reesوغيرهم أنتجت الثقافة تثميرا في التنمية البشرية له عائدات اقتصادية مباشرة مساوية للعائدات الناتجة عن التثمير في الموجودات المادية، بل ربما تجاوزتها نظرا لما يتمتع به الانسان من منزلة سامية في الفكر الاسلامي الذي ترتكز عليه فلسفة الدولة عند العمانيين.

ومن أجل إضفاء طابع الواقعية والعقلانية على قضية التعمين فإنّ الفكر الاقتصادي العُماني سعى الى جعل السلوك الفردي أقرب ما يكون الى النضج في المجالات الواسعة للحياة الاقتصادية والاجتماعية، بما في ذلك مراقبة نتائج التنافس الشخصي، وكذلك تنظيم السوق على أساس القيم الأخلاقية المتقاربة جوهريا مع جعل السلوك أو النشاط الفردي موظفا لخدمة الجميع والاهتمام المباشر في هذه النقطة هو عقد الصلة بين الربح الخاص والربح الاجتماعي، وهي صلة محورية لوجهة نظر الفكر الاقتصادي العُماني في التنمية البشرية حيث جعل الثقافة والنزاهة والاخلاص وسيلة للغربلة يتم عن طريقها تحديد مدى مطابقة الافراد لبعض السجايا المؤهلة للوظيفة أو المنصب المأمول مما يختبره ويثبته التقدم الثقافي بضمن ائتلاف مجموعة من صفات الذكاء والحافز والانضباط وهي المجموعة الضرورية لمنفعة التأهيل قبل أداء الواجب، وأثناءه أيضا، لأن العمل يتطور والأساليب تتغير، فلا بد من تأهيل مستمر للعمال والموظفين.

ولا ينظر الفكر الاقتصادي العماني الى الانسان باعتباره كمية ثابتة، إذ لا بد أن يكون ثمة مجال لتوقع تطور الحاجات والأذواق مع تطور وسائل الانتاج، والتوزيع، والاستهلاك، وتطور المستوى العلمي والتعليمي وتوقّع هذا التطور للحاجات والأذواق لا يدع مجالا للشك بأنّ التطور يتجه نحو الأعلى الى مستويات مرتفعة بازدياد.

ويشهد علماء الاقتصاد بحذاقة هذه النظرة، ويعترفون بأنها واحدة من أساسيات علم الاقتصاد الحديث، حتى ان R. Clark يقرر أنّ الشيء الرئيسي الذي يرغب فيه الفرد ذو الادراك السليم ليس إشباع الحاجات التي لديه، بل اشباع حاجات إضافية وحاجات افضل. ليست الحياة بصورة جوهرية صراعا من أجل الغايات، من أجل الاشباع، بل بالأحرى من أجل المبادئ الاساسية لصراع اخر. الانجاز الحقيقي هو نقاء وسمو مستوى الرغبة، اي تهذيب الذوق. وانتهى G. J. Stiglerالى انتقاد الافتراض الاقتصادي القائل بان البشر ينتجون لكي يستهلكوا فالعكس أقرب الى الحقيقة، أي إنّ القيمة الاخلاقية والاعتبارية تدخل هنا بتأثيراتها كافة، فقد تطمح النفس الى تحقيق أقصى رغباتها في الحصول على أجود أنواع السلع وبأعلى الأسعار، ومهما كان السبيل المفضي الى ذلك، بغض النظر عن تلاؤمه مع القيم والاخلاق، أو تناقضه معها.

غير ان هذا الطموح يحدّ منه الخضوع للقيم الاخلاقية الموروثة، والمعايير الاجتماعية. وقد شيد الفكر الاقتصادي العماني بنيانه الكامل على أساس وطيد من تلك القيم والأعراف، شأنه شأن جميع جواب الفكر العماني في تجلياته السياسية والاجتماعية والثقافية.