ما هي الآفاق المفتوحة الممكنة في مواجهة قضية معتقلي السلفية الجهادية؟

بقلم: د. عبد الله لعماري

الآفاق المفتوحة نستشرفها من استبطاننا للتاريخ السياسي المغربي خلال الخمسين سنة الماضية، واستنباطنا من خلال ذلك للقواعد التي أرسى عليها نظام الحكم المغربي تقاليده في تدبير الصراعات السياسية التي عرفتها البلاد، واستطاع أن يحمي بآلياتها استقرار البلاد، واستمرار التماسك السياسي والاجتماعي إلى حد ما، بعد الهزات العنيفة التي نتجت عن خروج تيارات متعددة في معارضات ثورية، وصدامية ضد الحكم.
في مطلع الستينيات، وقعت اعتقالات بالآلاف، استتبعها سيل من المحاكمات، أفضت إلى أحكام بالإعدام والمؤبد والسنين الطويلة، في مواجهة حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والمليشيات العسكرية المرتبطة به.
وخلال السبعينيات، نشأ اليسار الثوري المتطرف مستلهما توجهاته من الفكر الماركسي اللينيني والفكر الماوي وبعض التجارب الثورية المشابهة في العالم، ومن جديد خيمت على المغرب أجواء الاعتقالات بالآلاف والمحاكمات المكثفة.
وخلال الثمانينيات، وبعد بروز التيارات الثورية في الحركة الإسلامية المغربية، تفاعلا مع انتصار الثورة الإسلامية في إيران، عرف المغرب مرة أخرى الاعتقالات والمحاكمات والأحكام بالإعدام والمؤبد.
وفي كل المراحل كان النظام يلجأ إلى تصفية آثار الصراعات المحتدمة والأزمات، بتحريك آلية العفو، وإحلال الانفراجات السياسية، والوصول إلى تسوية مع التيارات المعارضة أو المناهضة، بإرساء توافقات وتثبيت مصالحات، بعد مسلسل من الحوار والمفاوضات.
وقد خرجت من رحم هذه التوافقات والمصالحات أحزاب هي الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية 1974، حزب التقدم والاشتراكية 1974، منظمة العمل الديمقراطي الشعبي 1982، وترك المجال للاتجاهات الإسلامية الداعية إلى نبذ العنف والعمل المسلح، لتستفيد من حرية الانتظام والتواجد الإعلامي والدعوي: الجماعة الإسلامية التي غيرت اسمها أربع مرات إلى أن أصبحت حزب العدالة والتنمية، وأسرة الجماعة التي أسسها الداعية عبد السلام ياسين وكانت النواة لتأسيس جماعة العدل والإحسان.
ومن روح هذه التوافقات والمصالحات، شاركت هذه التيارات في الاستحقاقات الانتخابية وفي اللعبة السياسية، وفتحت الحدود أمام عودة المنفيين والملاحقين، وأشرعت أبواب السجون والمعتقلات السرية على مصراعيها ليخرج العشرات والمئات بل والآلاف أحيانا.
والتيار الذي اصطلح على تسميته بالسلفية الجهادية، والذي حمل أوزار الأحداث الإرهابية بالدار البيضاء، لا يمكن أن يشذ التعامل معه ويخرج عن هذه القاعدة، بالرغم من أنه لا يستهدف في أفكاره نظام الحكم الملكي القائم، على عكس التيارات المعارضة السابقة، بقدر ما هو حالة فكرية تتجاوب مع المد الإسلامي العالمي المناهض للسياسات الأمريكية الجديدة المتدخلة في العالم العربي والإسلامي.
وإذن فالاحتكاك المؤلم الذي وقع بين هذا التيار والدولة بواسطة أجهزتها الأمنية والقضائية والسجنية والإعلامية أيضا، وبواسطة الترسانة القانونية الزاجرة، والأساليب النضالية التي لجأ إليها هذا التيار من خلال تواصله مع هيئات الدفاع ومنظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والوسائل الإعلامية المقروءة والمبثوثة، أي تواصله مع مرجعيات فكرية يسارية وليبرالية، وإسلامية معتدلة، قد يسهم في إنضاج الأجواء التي تبعد استقرار البلاد والمجتمع عن دائرة الخطر، لما يمثله هذا التدافع والتطاحن والاختلاج والتماس - إذا ما ووكب من طرف الدولة بسياسة تصالحية - ما يمثله من فرصة لإدماج تيار لا يستهان به على الأرض، في النسيج الوطني سياسيا واجتماعيا وثقافيا، حتى لا تبقى حالته الفكرية بؤرة للتمرد والرفض ومحضنا لتوليد الصدام الدموي.
السياسة التصالحية، تبدأ من السجون، بتوفير ظروف سجنية إنسانية ملائمة لمعتقلي رأي، بكل الامتيازات المعيشية والصحية والتثقيفية والإعلامية والدراسية والتواصلية، لأنها السبيل الوحيد لتحضير أجواء حوار تتحقق بها المثاقفة، ويحصل من خلالها التصافي وتصريف الاحتقان، ولأن الحرمان والعزل النفسي والفكري والإعلامي، والإبعاد عن التواصل والزيارات، والاعتداء الجسدي والمس بالكرامة، لا يفجر سوى نوازع العنف والتمرد والتكفير والإرهاب.
ثم تسير هذه السياسة التصالحية نحو التسريع بالإفراج عن بعض المعتقلين ذوي الحالات الخاصة، مثل كبر السن، أو الأوضاع الصحية الخطيرة، مثل حالة أحمد رفيقي أبو حذيفة 70 سنة، والمحامي أزميري الفيلالي 60 سنة.... إما بتمتيعهم بالسراح المؤقت في انتظار صدور الأحكام النهائية، أو بموجب الوسائل القانونية المتاحة.
ثم إنه يلزم تحريك آلية التخفيف في العقوبات، من خلال إعادة المحاكمات بعد بت المجلس الأعلى بالنقض في الطعون المعروضة عليه، وتوسيع العمل بالاجتهادات القضائية الملائمة للسياسة التصالحية نحو تصفية هذا الملف.
ثم يستتبع ذلك توسيع الاستفادة من العفو الملكي في المناسبات، وتهيئة أجواء حوار ومفاوضات ومراجعات تفضي لمرحلة تصفية آثار أحداث 16 ماي، وطي صفحتها إلى الأبد، ونقل المجتمع المغربي إلى حالة التلاحم والتواصل والتعايش، بدل الصراع والتشاحن والتراشق بسهام التكفير والتكفير المضاد. د. عبد الله لعماري
محام بهيئة الدار البيضاء